الكاتب: سمير الجندي
يشكل مسلسل باب العمود من إنتاج مسرح الرواة تجربة درامية تتجاوز حدود المتعة البصرية إلى مساحة الفعل الثقافي المقاوم، حيث تتحول الشاشة إلى منبر دفاع عن الذاكرة والبيت والهوية في القدس، وتحديدا في قلبها النابض: البلدة القديمة.
بعد النجاح الذي حققه العمل في موسميه السابقين، يأتي الموسم الثالث ليطرح قضية شديدة الحساسية تمس صميم الوجود المقدسي، وهي ما يعرف بـ"قانون أملاك الغائبين". هذا القانون، الذي يستند إليه الاحتلال لتجريد المقدسي من بيته إذا ثبت أن جزءا من الملكية يعود لشخص خارج البلاد، لا يقدم في المسلسل بوصفه مادة قانونية جافة، بل باعتباره سيفا مسلطا على رقاب البيوت العتيقة، وتهديدا مباشرا للنسيج الاجتماعي والتاريخي للمدينة.
الدراما كأداة وعي
العمل لا يكتفي بعرض المأساة، بل يسعى إلى خلق وعي جمعي، خاصة لدى المالكين المقيمين خارج المدينة، بخطورة ترك الملكيات دون متابعة قانونية وإدارية دقيقة. هنا تتجلى وظيفة الدراما بوصفها أداة تحذير وتنبيه، لا مجرد وسيلة تسلية. فالقضية تطرح بأسلوب إنساني، من خلال قصص عائلات تواجه خطر الفقد، ليشعر المشاهد أن البيت ليس حجارة فحسب، بل تاريخ وهوية وامتداد وجود.
أداء تمثيلي يليق بالقضية
يبرز في العمل أداء الممثل القدير إسماعيل الدباغ، الذي يجيد تقمص أدواره بعمق لافت، متنقلا بين الانفعال الصامت والانفجار العاطفي بسلاسة تحسب له. حضوره يمنح الشخصية أبعادا نفسية مركبة، فيجعل المشاهد يتماهى مع صراعها الداخلي والخارجي.
كما تؤدي مايا أبو الحيات دورها بحضور متكامل ومقنع، فتملأ المساحة الدرامية بحساسية عالية وقدرة على تجسيد التوتر الإنساني بين الخوف والتمسك بالأمل. ويأتي أداء عدنان أبو أسنينة وبقية الطاقم ليؤكد أن الممثل الفلسطيني، رغم تواضع الإمكانات الإنتاجية، يمتلك أدوات احترافية قادرة على حمل أعمال ذات ثقل فكري ووطني.
المكان بوصفه بطلا
لا يمكن قراءة المسلسل دون التوقف عند المكان، الذي يتحول من خلفية صامتة إلى بطل حقيقي. أزقة البلدة القديمة، ولا سيما أزقة حارة السعدية، ومخبزها العتيق، ليست مجرد مواقع تصوير، بل فضاءات ذاكرة حية. الكاميرا تعانق الجدران الحجرية كما لو أنها تحفظ وصايا الأجداد، وتلتقط تفاصيل الحياة اليومية التي تجسد قيم التعاون والإيثار والانتماء والأخوّة.
المكان هنا ليس ديكورًا؛ إنه شهادة تاريخية. فكل حجر يروي حكاية صمود، وكل باب خشبي عتيق يحمل آثار أيد تعاقبت عليه عبر الأجيال. وبهذا المعنى، يصبح الدفاع عن البيت دفاعا عن المدينة بأسرها.
بين تواضع الإمكانات وثراء الرسالة
رغم محدودية الموارد الإنتاجية، ينجح "باب العمود" في إثبات أن القيمة الحقيقية للعمل الفني لا تقاس بحجم الميزانية، بل بصدق الرسالة وعمق المعالجة. إنه نموذج لدراما ملتزمة، تنطلق من وجع الناس الحقيقي، وتحاول أن تعيد تشكيله في صورة فنية قادرة على التأثير.
في المحصلة، لا يقدم الموسم الثالث من "باب العمود" مجرد قصة جديدة، بل يضع المشاهد أمام سؤال وجودي: ماذا يعني أن تفقد بيتك في مدينة تنتزع من أصحابها بالتدرج؟ وهل يمكن للوعي أن يكون خط الدفاع الأول قبل أن يغلق الباب الأخير؟
إنه عمل يذكرنا بأن معركة القدس ليست فقط في الشارع أو في أروقة المحاكم، بل أيضا في الكلمة والصورة والوعي الجمعي.
المتوكل طه
*
ما زلتُ في مقعدِ الطفلِ.
تشربُ من شَفتيَّ الفراشاتُ،
والغيمُ يمشي على نبضِ قلبي،
وإنّ النيازكَ نائمةٌ في دمي.
وإنّي أراني هنا أو هناك،
وجَمْعُ الرجال يحيطونَ بالكوكبِ المستديرِ،
أعني البُحيرةَ في القلبِ، من جلسةِ الساهرين،
أو كأسَ ماءٍ يَشبّ بِبَلُّورِهِ لِفَمي.
وفي الصَّدْر يملأُ شيخُ المكانِ الظلالَ،
الشبابيكَ، نارَ الوجاقِ، الأباريقَ،
حتى يفيضَ الكلامُ ويطفوَ كالماءِ،
على السُّلَّمِ المُعتِمِ..
فَيَأْسرُنا حيث شاء، ويُطْلِقنا إنْ أضاء،
ويسحبنا خلفَ ذاك الرداء،
ويهمسُ حتى يكون الخفاء،
وأحسبُ أنَّ أصابعَه قَبَضَتْ مِعصمي.
وما زلتُ أسمع كلَّ رواياته، مرّةً إثر أخرى..
وفي كل ليلٍ أرى القشعريرةَ قد وصلت أنجُمي.
.. وقال لنا في الليالي الحكايا؛
عن الزيرِ والملكِ السيفِ،
والذاتِ في حُسْنِها، والصعاليكِ،
عن تُبَّعٍ في الأنام،
وتغريبةٍ لا تنام،
وعن أشْوَسٍ لا يُضام،
وقِصَّةِ مملوكةٍ في الخيام،
وعاشقةٍ مثل بَدْرِ التّمام،
وقصَّةِ ذاك الإمام،
الذي قطعوا رأسَهُ إنّما ظَلَّ يمشي
على هَدْي شريانهِ في الظّلام،
وعن شهريارَ
وسَفْحِ القطوفِ وَحَدِّ الزؤام..
وعن راهبٍ في البعيدِ، أذابَ أناجيلَهُ لليمام،
وعن حامل الماءِ حين هوى في مناديل شُبّاكِها،
والغلامُ ذوى حسْرَةً..
يا غيومَ الشجون اذكري جُثةً في الغمام!
وقال لنا الحكواتي صحائِفَهُ كُلَّها،
مثلما شاءَ لها أن تكونَ؛
بالشِّعْرِ والقصِّ والجرْس والمدِّ والشَدِّ والوَقفِ والسَرْدِ..
أو مثلما عاشَ مع أهلِها..
ثمَ غاب.
إلى أينَ، يا أيُّها الحكواتي! الذي عَبَّأ الناسَ بالنار؟
جئتَ لنا بالرجال الرجال،
والحقِّ والعدلِ، والعشقِ والشهواتِ الثقالِ،
بالجانِ والسِّحرِ، والموتِ والبحرِ والخيلِ والبدرِ،
والماءِ والجمرِ، والرّجْفةِ الخوفِ والرُّمحِ والصَدْر،
وارتِعاشاتِ أشجار مَن ذهبوا في السؤال..
إلى أينَ يا أيها الحكواتي تروحُ، وتترُكُ مَقعَدك المُتعال؟
تعالَ!
فمن يجمعُ الأهلَ بعدَ التراويحِ،
منْ يصهرُ الثلجَ في مرجلِ الشمسِ،
إنْ رَهَجَتْ في الليالي الطوال؟
ومَنْ يجمعُ الطيرَ ثانيةً للنبيّ،
ويُطلِقهُ في نداءِ الجبال؟
ومَنْ يغسل القلبَ من طينه،
إنْ أتى ناعياً نبضَهُ في الرمال؟
ومَنْ يستعيد الموازين للناسِ،
إنْ ظَلمت كفُّ مَن فصلوا في المقال؟
ومَنْ ينشرُ السّلْمَ في كلّ بيتٍ،
ويفردُ في الأرضِ بردَ الظلال؟
تعالَ! فقد هَرقوا ما بهم،
واستعانوا بمَنْ سرقَ الحقلَ،
والحيُّ منشغلٌ بالقتال!
تعالَ، فمنْ يُشْعِلُ الحَربَ، بعد العشاء،
ويخْمِدُها كي تنامَ رماداً،
إذا جاء وقتُ السحور،
لكي لا يفورَ الحضورُ،
وتبقى عَجَاجَتها في الديار.
تعالَ، لتجلوَ هذي المرايا،
وتنعفَ في مَسْكبِ السامعينَ النَثار،
وتبقى المداركُ كارهةً للضلالاتِ،
والروحُ على عرشِها في الحصار.
تعالَ!
فلا طعمَ للسّحْلبِ الشّهدِ في جَمْعَةٍ السامر الدافئ المُستكين
بلا قِصَّةٍ تأخدُ الشمْسَ للدار، لا لونَ للسُّوس والتمْر والشاي
والزنجيل، بلا ساقِ تلكَ المليكةِ إنْ كَشَفتْ بَرْقها للنهار، ولا
ريحَ فوقَ شَهْدِ الخوان المُرَصّع بالعسل المُسْتطاب،
إذا انكسرَ اللحنُ في فضّةِ الانتظار.
إلى أينَ تمْضي، وتترُك هذا الزمانَ بلا قِصَّةٍ أو غِناء؟
لا بُدّ من حكواتيٍّ يجيءُ ليملأ هذا الفضاءَ،
ويَقسِمنا، إنْ أضاءت تفاصيلُهُ وجهَ مَن قتلوا بَعْضَهُم في العراءِ،
فتلقى وجُوهاً تناصِر "جَسّاسَ" في حَرْبهِ ضِدَّ من أثخَنَ القطعَ في الحَبْلِ..
أو تجدوا مَنْ يُظاهرُ "الزيرَ" في أخْذِ ثأر الأخوّةِ
- قد خاتلوا القائدَ الفذّ –
لا بُدَّ مِنْ دَمِهم، فإذا ما أُبيدوا وقد رَنَخَ الطينُ،
فالصُّلحُ رايتُنا نرْفعُها للسماء.
ولا بُدَّ من حكواتيٍّ يُعَلّمُنا الحُبَّ،
يَجمَعُنا بالوحوش الأليفةِ،
حتى يَظلَّ بنا الطفلُ طِفلاً،
وقد شَفَّ فينا الرُخامُ المُخَبَّأ،
أو نعتلي شَهْقة النَّحْلِ،
إنْ سالَ تِرياقُ تيجانِها في الرضابِ.
ولا بُدَّ من حكواتيٍّ يُعيد لنا كَرْمَنَا،
يستردّ الدوالي الثيابَ،
ويُرْجِعُ للرُمحِ لمْعَتَه في الضبابِ..
ويا أيُها الحكواتيّ!
إلى أيْنَ تمضي وتترُك هذا الزمانَ بلا صَفحَةٍ أو كِتاب؟
لماذا تقومُ، وتَترُكنا هكذا..في حضور الغياب؟!
الكاتب : عيسى قراقع
يا طفلَ هذا الصبحِ في ساحةِ المدرسةْ
احملْ كتابكَ مثلَ سنبلةٍ مقدّسةْ
واكتبْ على دفتركَ الأولِ:
نحنُ الضوء إذا تكاثفَتِ العتمةْ،
لسنا حجارةَ شارعٍ مكسور،
نحنُ الفكرةُ حينَ تمشي
ونحنُ الامل إن ضاقَت بنا الزنزانةْ.
قالوا: موتٌ…
قلنا: موعدٌ آخرُ للشمس،
لا تركن لليأس،
قالوا: رمادٌ…
قلنا: من الرمادِ تقومُ القيامةْ.
يا طالبَ الحرفِ،
ضع في حقيبتك حجرا وقلما ونكافة،
وعلى اللوح اكتب اسم حيفا،
وارسم البحر وامواجه،
الفلسطينيُّ لا يهربُ من السؤال،
هو يسكنُهُ.
يسألُ:
كيفَ نصيرُ أكبرَ من جراحِنا؟
كيفَ نحفظُ قلبَنا
كي لا يشبهَ جلّادَه؟
يا طالب المدرسة،
رايتك في الدرس والمظاهرات،
ورايتك زهرة على أرض الابادة،
تشعل الوردة الذابلة،
ورايتك في السجن تقرأ السماء بكل اللغات،
وتتحرر بالكتابة.
حكمتُنا ليستْ خطابةً،
بل صبرُ زيتونةٍ
تتعلمُ الوقوفَ
ولو قُصِفَتْ ألفَ مرةْ.
في غزةَ،
وفي الضفة المحتلة والقدس،
لا تركن لليأس ،
في كلِّ مدينةٍ تنفضُ الغبارَ عن شبابيكها اليتيمة،
نتعلّمُ أن الموتَ عابرٌ
وأن الحياةَ قرار،
نحنُ لا نعشقُ الألم
لكننا نحول الخسارة
إلى درس في الكرامة والبطولة.
يا طلبةَ الغدِ
افتحوا دفاتركمْ
كما تُفتحُ النوافذُ للريحْ.
لا تكرهوا العالمْ،
بل غيّروهُ بالعلمْ والارادة
اقرأوا…
فالمعرفةُ مقاومةٌ
اكتبوا…
فالكتابةُ شجرةُ عدلٍ في الساحةْ.
ويسألون جهنم كيف عاد الولد من المحو والازالة؟
يحفظ اسماء البيوت المهدمة،
والأصدقاء والحارات،
يتحدث مع الشهداء صباحا،
وفي المساء يعزف اغنية.
لقد كبرو وكبروا وانتشروا،
زرعوا الحقيقة قمحا ووعيا،
تاريخا ورواية،
لا خوف هنا، لا رحيل ولا استكانة.
كبروا على الاسفلت والانقاض،
كبروا في المخيمات والذكريات،
وما نسوا، وما هجروا،
كتاب في يد، وفي الاخرى جرس يقرع للحب والعبادة.
ضع في حقيبتك حجرا وذاكرة،
لا تخش التهويد والاسماء العبرية والقنابل،
لا تركن لليأس،
اقرا الدرس:
اسمك العربي الكنعاني الفلسطيني يمحو الخرافة،
بجراحنا المميتة،
نغسل ارواحنا،
نلملم زنودنا العنيدة،
ونطلق في الحياة اسماءنا الجديدة.
بقليل من الندى
بقليل من قصائد الحب،
نحطم ابواب الجريمة،
بقليل من الرفض،
نكسر القيود باسناننا الصغيرة.
افتح كتابك واقرا ما قالته امك قبل خمسة آلاف عام قبل الولادة:
انجبتك يابني من طين ودم ومخاضات لا تزول،
انت هنا وانت هناك،
باق حيا وميتا
ترابا وماء،
زمانا ومكانا،
جبالا وسهولا وحضارة وثقافة.
يا طالب المدرسة،
يا ابن امك وابيك،
يا ابن النار والهواء والكوفية،
ترابك تحت قدميك،
والصخور والينابيع والاسطورة،
وفوقك سبع سماوات والف نبوءة وسحابة.
الشاعر: د.يوسف حنا
.
على يسارِ العتمةِ
وجهٌ مغمضٌ
يتآكلُ ببطء،
كأنّ الزمنَ
يمشّطهُ بمِبردِ الصمْت.
.
شقوقُهُ ليستْ حجارةً—
بل أَعوامٌ
لم تجدْ فمًا
ينطِقُ بها.
.
ينكفئُ
كضميرٍ يضعُ إصبعَهُ
على جرحِ الكلام.
وفي الفراغِ
تمشي يدٌ صغيرةٌ من ضوء،
جسدٌ خفيفٌ
يحملُ مصباحَهُ
كما يُحملُ القلبٌ
في ليلٍ طويل.
.
يمشي—
لا يخاصمُ الخراب،
ولا يصرخ.
كأنّ الخطوةَ
ذكرى تتعلّمُ العبور.
.
خلفَهما
مدينةٌ من رمادٍ،
أَبراجٌ بلا أَسماء،
ونوافذُ تنزفُ
أَحمرَ خافتًا
كَسِرٍّ لم يكتمِل.
.
الأَبيضُ يتعبُ،
الرماديُّ يتهجّى ظلَّه،
والأسودُ يُصغي.
الأَحمرُ
وَمضةُ وجعٍ
تكسرُ السكونَ
ثم تختبئ.
.
الوجهُ شاهدٌ صامتٌ،
والعابرُ
نجاةٌ تمشي على مهل.
لا انتصارَ هُنا،
فقط ضوءٌ صغيرٌ
يرتقُ الليلَ
بإبرةِ خطوة.
.
نحنُ الجرحُ
ونحنُ حاملوه.
.
نمشي
في أَمكنةٍ لا نبوحُ بها—
لكنّها
تتردّدُ فينا
كأَنّها
خطوتُنا الأُولى.
.
الكاتب : محمد هديب
تدعوني رواية إبراهيم نصر الله "زمن الخيول البيضاء" (2007) وفيلم "فلسطين 36" (2025) للمخرجة آن ماري جاسر إلى تأمل العلاقة بين الرواية والسينما، وهما وسيطان متعاقبان غالباً، أحدهما سابق والآخر لاحق.
التعاقب يفتح مجالاً لنسجٍ مشترك يقوم على توتر خلّاق، وضروري لدى إعادة كل من الوسيطين صياغة مادته التاريخية والتخييلية بلغته الخاصة: الأول بالكلمات، والثاني بالصور.
وهذا النسج لا يتم في فراغ. ثمة شرط بنيوي يحفظ ترتيب المرجعيات، إذ أن السابق معروف، واللاحق يعرّف نفسه من خلاله، حتى وهو يتجاوزه إن استطاع إلى ذلك سبيلاً.
إلغاء المسافة ..
ماذا يحدث حين تُلغى هذه المسافة، ولا يُعلن النص اللاحق نسَبه؟ لا نتحدث عن تأثيرات عامة أو تلاقٍ في الموضوعات ضمن مشاع ثقافي مفتوح.
سنطرح في عصف ذهني هذه السنة العظيمة واللئيمة 1936، وعلى كل واحد فينا أن يرمي مفتاحاً. ستتدافع لدينا المفاتيح التالية: الهجرة اليهودية، والانتداب البريطاني، والإضراب العام، والثورة، ولجنة بيل، والزعامات الفلسطينية، والمدينة والقرية، ومواقف الملوك العرب.. الخ.
بيد أن المسألة ليست هذا التاريخ بما هو ماء سبيل للمارّة، وأرض مشاع للعباد والماشية، إنما تطابق البنية الدرامية بين عملين مسجلين بشهادتي ميلاد: طريقة توزيع الشخصيات داخل الجماعة، ووظائفها، ونوعية الحلول المختارة لتمثيل المستعمر البريطاني، والاستيطان، والمقاومة.
هذا كله كان يتطابق بين عمل سينمائي حديث ورواية صدرت قبل حوالي عشرين عاماً، وهي الأشهر بين روايات إبراهيم نصر الله، وصرف في كتابتها 22 عاماً، وطبعت أكثر من ثلاثين طبعة عدا المقرصنة، وترجمت إلى سبع لغات، وفازت هذا العام بأرفع جائزة عالمية بعد نوبل، (جائزة نيوستاد)، نظراً لأهميتها بشكل خاص والمشروع الذي أشار بيان الجائزة إلى أنه "مكرس للهوية والمنفى والمقاومة".
لا بل وصل الكسل العضلي حد جلْب شخصيتين في الرواية وهما خالد الثائر والطفل كريم باسميهما، باعتبار الشعب الفلسطيني بالفطرة شعبٌ خالد وكريم ومتخصص بإنجاب الخالدين والكرماء.
إذا ذهبنا إلى الشخصيات الأخرى، فسيظهر بالوظيفة الروائية ذاتها شاب متعلم وحيد في القرية يعمل مع زعامات محلية فاسدة، ويحب في قريته شابة قوية الشكيمة.
يظهر الخوري العربي الوحيد في القرية بالموقع نفسه داخل البنية الاجتماعية. يظهر رئيس تحرير الصحيفة الفاسد في القدس الذي يلمّع سيرة الفاسدين الفلسطينيين ويتعاون مع الإنجليز. يظهر الضابط الإنجليزي القاسي العصابي، المسكون بقرية "الهادية" في الرواية والتنكيل بها، وتقاطع مساراته مع بطل الرواية، وظهوره في كل مكان له علاقة بأهل "الهادية" سواء فيها أو في المدينة.
اختيارات سردية ..
هذا كله حرفياً انتقل من قرية "الهادية" إلى قرية صار اسمها "البسمة". وهي جميعها ليست معطيات تفرضها سنة 1936. هذه اختيارات سردية، مع عبارة كتبتُها وشطبتُها غير مرة حول اسم "البسمة"، كي لا أشوش على فكرتي الأساسية، لكنني مضطر إلى تسجيل تحفظي على الاسم المفكّر فيه. إنه بالضبط اسم جرى التفكير فيه من فوق، ولم ينبع من تحت، وهو مناسب لكومباوند أو عيادة أسنان، لا لقرية فلاحين فلسطينيين قبل تسعين سنة.
كنا في الشخصيات، فإذا رحنا إلى الأحداث فستتكرر البنية أيضاً. مستوطنة ببرجها الخشبي تُبنى مقابل القرية، يقترب منها أحد أهل القرية فيُقتل. سهرة ماجنة تجمع عرباً وإنجليزاً ويهوداً.
ثم خذ الأوضح بلا تردد، ستة أحداث متتالية تبدأ في الرواية من الصفحة 278، تنتقل بالترتيب نفسه حرفياً إلى الفيلم في مشهد طويل يمتد ثماني دقائق: عملية مسلحة من أهل القرية. الجيش البريطاني يتهم الأهالي الذين بدورهم ينكرون. تجميعهم في ساحة القرية. ظهور الجاسوس مغطى رأسه بكيس خيش. قتْل رجل أمام الناس لترهيبهم. أحد الرجال يدلهم تحت الضغط على مكان السلاح ويموت.
حرق حقول القرية، وحرق القرية ليلاً. استشهاد بطل الرواية بعد محاصرته، وانتقام الشاب الذي يقتل ضابطاً إنجليزياً.
التاريخ المشترك لا يفرض تسلسلاً سردياً محدداً. سنة 1936 حدثت مرة واحدة، لكن طرق روايتها لا نهائية. ولو كان الأمر مجرد تاريخ مشترك أو أرشيف بريطاني، فلماذا تتطابق الشخصيات والأحداث بالترتيب نفسه؟
رسالة إلى المخرجة ..
لئن تطابقت الأسماء والبنى وتسلسل الأحداث، لا يعود الأمر قابلاً للاختزال في كلمة مشترك. وهذا النص ليس هجوماً شخصياً، لكنه أيضاً ليس استفساراً عابراً. إنه توثيق لما أرى أنه يستدعي جواباً، والجواب حق للقارئ والناقد قبل أن يكون حقاً للكاتب.
الأمر الذي وقع فعلاً، حين وجهتُ رسالة إلى المخرجة السيدة آن ماري جاسر عبر البريد الإلكتروني والواتساب، وألحقتُها بعد خمسة أيام بتذكير، عارضاً فيها معايناتي السابقة، وطالباً توضيحاً حول طبيعة العلاقة بين الفيلم والرواية. لم يصلني رد حتى الآن. غياب الرد لا يبطل السؤال، بل ربما يجعله أكثر إلحاحاً.
نحن نتحدث عن رواية نادى كثيرون بتحويلها إلى مسلسل أو فيلم، وكانت البداية مع المخرج الراحل حاتم علي، وأخيراً مع المخرج باسل الخطيب، واشتُريت حقوق تحويلها إلى مسلسل، ولكن ذلك لم يحدث حتى الآن.
وقد خطر ببالي سؤال فرعي في سياق المرجعيات: ماذا لو قرر مخرج بعد سنوات إنتاج عمل عن 1936، من دون معرفة هذا النقاش، وعاد إلى الرواية بوصفها مصدراً؟
في سياق تهيمن فيه الصورة، سيتهم هذا العمل بالتشابه مع فيلم سابق، لا مع الرواية التي سبقته. عندها تنقلب المرجعية، وتتحول القراءة البصرية إلى أصل، ويُدفع النص الأدبي إلى الهامش.
ترتيب المرجعيات ..
والحقيقة أن تنظير الناقد الفرنسي جيرار جينيت (1930-2018) في النصين السابق واللاحق، يسعفنا في هذا النقاش، إذ كان للرجل مقولة مشهورة مفادها أن النص اللاحق ليس تعليقاً على السابق، وإنما قائم بذاته، قادر على إنتاج أثره مستقلاً، وقد يصل إلى حد حجب أصله أو إحلال نفسه محله في الوعي.
صيغ هذا التمييز في سياق أدبي خالص، ثم طُوّر لاحقاً في دراسات الاقتباس السينمائي. أهميته لا تكمن في نقل المفهوم حرفياً، وإنما في التنبيه إلى نتيجة بنيوية: حين يكون النص اللاحق وسيطاً أكثر حظاً وأوسع انتشاراً، يمكن أن يعيد ترتيب المرجعيات، فيقرأ الأصل في ضوئه، لا العكس.
نحن نعرف أن تاريخ الأدب قدم العديد من الأمثلة على نصوص لاحقة لم تكن تعليقاً على نصوص سابقة، وإنما أعمال قائمة بذاتها انتهت، بحكم انتشارها، إلى حجب أصولها. من "رسالة الغفران" إلى "الكوميديا الإلهية"، ومن "حي بن يقظان" إلى "روبنسون كروزو"، يعيد النص الجديد تأسيس المرجع، ويكون على المعري وابن طفيل النضال صباح مساء من أجل إثبات وجودهما ولو على الهامش.
هذه كتابات على كتابات، فما بالك بطغيان الصورة، حيث لا يمكن مقارنة حجم الأثر بين فيلم "العراب" ورواية ماريو بوزو، وفيلم "الكتكات" ورواية إبراهيم أصلان "مالك الحزين".
هذان مثالان نوردهما لنقول إن المسألة لا تتعلق بكاتب يتراجع أثره أمام وهج الشاشة، إنما أبعد من ذلك، عن حالة يُمحى فيها الاسم أصلاً. الفارق حاسم، وتتحول الرواية من مصدر معروف إلى خلفية غير معلنة.
وما أسعى إليه هو القول إن ذكر الرواية لم يكن لينتقص من الفيلم، وإنما يضعه في سياقه الصحيح، ويطرح سؤالاً مهنياً واحداً: هل ترى السينما الفلسطينية في الرواية شريكاً إبداعياً حياً، أم مورداً صامتاً؟
حقوق صغيرة ..
هنا تظهر فلسطين. لا فلسطين المجازية الثقيلة، ولا الخطابية التي تُستدعى لتبرير كل شيء. فلسطين قضية أخلاقية بسيطة. فكرة عن عدالة واضحة، وظلم مكشوف. هذه البساطة نفسها تُستعمل أحياناً غطاءً. يُقال ضمنياً إن ضياع الأرض يهوّن ضياع الحقوق الصغيرة. يُقال إن المعركة أكبر من أسماء الأشخاص، من تفاصيل السرد، من الملكية الفردية للنص أو للشخصية. كأن الخسارة الكبرى تبتلع الخسائر الصغرى.
الاعتراف ليس لفتة مهذبة بين نصين، بل لحظة تأسيس يقول فيها الفعل اسمه، خصوصاً حين ينتقل من وسيط إلى وسيط. هذا يمنحه قوة رمزية.
وبغياب الاعتراف، يتبدل موقع الإبداع فلا يعود فعل خلق.. يصير غنيمة، إن كان بقصد. أما النيات الحسنة وغير الحسنة فليست مادة للنقد. النص وحده الذي نقرؤه ونحكم عليه.
المقدمة
تُعدّ عبارة «الدين أفيون الشعوب» المنسوبة إلى كارل ماركس من أكثر العبارات الفلسفية التي غادرت سياقها التاريخي والمعرفي لتعيش حياة مستقلة بوصفها شعارًا أيديولوجيًا يُستخدم في الهجوم على الدين أكثر مما يُستخدم في فهم النص الذي وُلدت فيه، وقد تحولت هذه الجملة القصيرة، بفعل الاقتطاع والتكرار، إلى أداة صدام بين أنصار التدين وخصومه، حتى بدا وكأنها حكم نهائي على الدين بوصفه وهمًا أو خداعًا أو أداة تخدير جماعي، بينما القراءة الدقيقة للنص الذي وردت فيه تكشف أنها كانت جزءًا من تحليل اجتماعي وفلسفي أوسع بكثير يتعلق بعلاقة الإنسان بالمعاناة التاريخية وبالبنية الاجتماعية التي تُنتج القهر والاغتراب، لا بعلاقة الإنسان بالله بوصفها قضية ميتافيزيقية خالصة، ومن هنا تنبع ضرورة هذا الكتاب الذي لا يهدف إلى الدفاع الأيديولوجي عن الماركسية ولا إلى مجادلة لاهوتية حول صحة الإيمان أو بطلانه، بل يسعى إلى مهمة معرفية محددة هي إعادة العبارة إلى سياقها الأصلي داخل نص مقدمة نقد فلسفة الحق عند هيغل، وبيان ما كان يقصده ماركس فعلًا عندما استخدم هذه الاستعارة، ثم فحص حدود هذا التحليل عندما يُنقل من سياقه الأوروبي في القرن التاسع عشر إلى أديان أخرى وبخاصة الإسلام، إذ إن الإشكال الأكبر لم ينشأ من نص ماركس ذاته بقدر ما نشأ من الطريقة التي أُعيد بها استخدام عبارته خارج شروطها التاريخية والاجتماعية لتصبح حكمًا عابرًا للثقافات والأزمنة، مع أن الرجل كان يتحدث عن واقع محدد هو أوروبا الصناعية الناشئة حيث كان الفقر والاستغلال والاغتراب يشكلون الإطار اليومي لحياة ملايين البشر، وكانت الكنيسة جزءًا من البنية الرمزية التي تمنح المعنى لهذا الواقع دون أن تغيّره جذريًا، فرأى أن الدين يعمل في مثل هذه الظروف بوصفه تعبيرًا عن الألم واحتجاجًا رمزيًا عليه وفي الوقت نفسه وسيلة لتسكينه، ومن هنا جاءت استعارة الأفيون التي كانت في زمنه تُفهم أساسًا بوصفها مسكنًا طبيًا للألم لا مادة للإدانة الأخلاقية، غير أن انتقال العبارة إلى فضاءات ثقافية أخرى، وخصوصًا إلى المجال الإسلامي، جرى دون فحص الفروق الجوهرية بين دين يعمل بوصفه عزاءً داخل بنية اجتماعية ثابتة، ودين يقدّم نفسه في نصوصه التأسيسية بوصفه مشروعًا تشريعيًا وأخلاقيًا لإقامة العدل وتنظيم الاقتصاد والعلاقات الاجتماعية ومنع الاستغلال، وهو فرق حضاري عميق يجعل تعميم التحليل الماركسي على الإسلام تعميمًا غير دقيق من الناحية العلمية، ومن هنا تأتي الفكرة المركزية لهذا الكتاب التي يمكن تلخيصها في أن عبارة ماركس تصف وظيفة اجتماعية للدين داخل سياق تاريخي محدد، لكنها لا تصلح حكمًا ميتافيزيقيًا على الدين في ذاته، ولا توصيفًا لازمًا لكل تجربة دينية، وأن إنصاف ماركس يقتضي قراءة نصه كاملًا لا شعاره المبتور، كما أن إنصاف الإسلام يقتضي فهمه من داخله بوصفه منظومة قيم وتشريع وبناء حضاري لا مجرد ملاذ نفسي للمقهورين، وبين هذين الإنصافين يحاول هذا الكتاب أن يفتح مجالًا لحوار معرفي يتجاوز السجال الأيديولوجي، فيضع العبارة في مكانها الصحيح داخل تاريخ الفكر، ويمنع استخدامها كسلاح تبسيطي في معارك الهوية، ويعيد النقاش إلى مستواه الفلسفي والاجتماعي حيث تُفهم الأفكار في سياقاتها وتُقاس بحدودها، لا تُحوَّل إلى شعارات عابرة للزمن والثقافة
المحور الأول
النص الأصلي الذي لم يقرأه أحد
يرد المقطع الذي اشتهر منه قول «الدين أفيون الشعب» داخل فقرة تحليلية متصلة في نص مقدمة نقد فلسفة الحق عند هيغل الذي كتبه كارل ماركس سنة 1844، وقد جاء هذا النص تمهيدًا فلسفيًا لنقد البنية السياسية والاجتماعية التي كانت سائدة في المجال الألماني–الأوروبي، وهو نص جدلي يشتبك مع فلسفة هيغل ومع واقع الدولة والكنيسة والمجتمع، ولا يظهر فيه المقطع بوصفه حكمًا منفصلًا أو شعارًا، بل جزءًا من بناء حُجّة يصف علاقة الدين بالمعاناة الاجتماعية والاغتراب التاريخي، ومن ثم فإن أول خطوة لفهم العبارة هي إعادتها إلى موضعها داخل هذا النسيج النصي حيث تتوالى الجمل في تدرّج دلالي يبدأ بوصف المعاناة وينتهي بالاستعارة الطبية.
النص الألماني الكامل للمقطع كما يورده ماركس هو:
Die religiöse Not ist zugleich der Ausdruck der wirklichen Not und zugleich der Protest gegen die wirkliche Not. Die Religion ist der Seufzer der bedrängten Kreatur, das Gemüt einer herzlosen Welt, wie sie der Geist geistloser Zustände ist. Sie ist das Opium des Volkes.
وترجمتها حسب الذكاء الاصطناعي: «المعاناة الدينية هي في الوقت نفسه تعبير عن المعاناة الواقعية، وهي في الوقت نفسه احتجاج على المعاناة الواقعية. الدين هو تنهّد الكائن المقهور، وهو وجدان عالمٍ بلا قلب، كما أنه روح أوضاعٍ بلا روح. إنه أفيون الشعب."
وهذا الترتيب ليس عارضًا، إذ يبدأ بربط «المعاناة الدينية» بالمعاناة الواقعية ربطًا مزدوجًا بوصفها تعبيرًا عنها واحتجاجًا عليها في آنٍ واحد، ثم ينتقل إلى تصوير الدين بوصفه تنهّدًا وعاطفةً وروحًا لعالم فاقد للرحمة والمعنى، ثم يختم بالاستعارة التي شبّهته بالأفيون، وبذلك يكون التشبيه نتيجةً لتراكم توصيفات إنسانية لا مدخلًا للهجوم.
أما التحليل اللغوي للمفردات المحورية فيُظهر عمق البناء الدلالي الذي يضيع عند الترجمة المبتسرة، فكلمة Seufzer تعني التنهّد أو الزفرة التي يطلقها المتألم، وهي صورة صوتية–وجدانية للألم لا تعبيرًا عن الخداع أو الوهم، وكلمة herzlosen Welt تعني «عالم بلا قلب» أي عالم قاسٍ فاقد للرحمة، وهو توصيف أخلاقي–اجتماعي للواقع لا للدين، وكلمة Geist التي ترد في عبارة «Geist geistloser Zustände» تعني الروح أو المبدأ الحيوي أو المعنى الداخلي، ويصف بها الدين بوصفه الروح لأوضاع بلا روح أي أنه يمنح معنى لواقع فاقد للمعنى الإنساني، ثم تأتي كلمة Opium التي كانت في القرن التاسع عشر تشير أساسًا إلى مسكن الألم الطبي الذي يخفف المعاناة دون أن يزيل أسبابها، فتأخذ الاستعارة هنا طابعًا علاجيًا لا أخلاقيًا، وأخيرًا كلمة Volk التي تعني الشعب أو العامة بوصفهم الجماعة البشرية الواقعة داخل شروط اجتماعية تاريخية محددة، لا الأمة القومية بالمعنى السياسي الحديث، وبذلك يكون المعنى الكامل للجملة أن الدين يعمل داخل مجتمع مأزوم بوصفه تنهّد المقهور وعاطفة عالم بلا قلب وروح واقع بلا روح ومسكنًا لآلام الناس، وهو توصيف وظيفي لدور الدين في سياق تاريخي محدد، لا حكمًا ميتافيزيقيًا على حقيقة الإيمان ولا إدانة أخلاقية للمتدينين، ومن هنا يتضح أن القراءة المجتزأة التي تقتطع «الأفيون» من شبكة هذه المفردات تُفقد النص بنيته الإنسانية التحليلية وتحوله إلى شعار لم يقصده صاحبه.
المحور الثاني
ما الذي كان ينتقده ماركس حقًا؟
حين كتب كارل ماركس تحليله الذي اشتهر منه وصف الدين بأنه «أفيون الشعب» لم يكن يخوض سجالًا لاهوتيًا حول وجود الله أو بطلان العقائد، بل كان يوجّه نقده إلى الواقع التاريخي الملموس الذي تشكّل في أوروبا الصناعية المبكرة حيث تراكمت الثروة في أيدي قلة ضيقة بينما كانت الكتلة الكبرى من الناس تعيش أوضاعًا قاسية من الفقر وساعات العمل الطويلة وانعدام الضمانات الاجتماعية والاغتراب عن العمل والحياة، وقد رأى أن هذا الواقع لا يجرّد الإنسان من وسائل العيش الكريم فحسب بل يجرّده من الإحساس بالمعنى والسيطرة على مصيره، فيتحول إلى كائن يعمل داخل نظام لا يفهمه ولا يملك توجيهه، ومن هنا كان نقده موجّهًا إلى البنية الاقتصادية والاجتماعية التي تُنتج هذا الاغتراب لا إلى الإيمان بوصفه تجربة داخلية.
وفي هذا السياق كانت الكنيسة جزءًا من النظام الاجتماعي القائم، إذ كانت تمنح العالم معنى أخلاقيًا وروحيًا وتدعو إلى الصبر وتعد بالعدالة في الآخرة، لكنها في الغالب لم تكن قادرة على تغيير الشروط المادية التي تصنع البؤس، فبدا لماركس أن الدين يؤدي وظيفة مزدوجة هي أنه يعبّر عن ألم الإنسان واحتجاجه الرمزي على القسوة التي يعيشها، وفي الوقت نفسه يوفّر له عزاءً يخفف وقع هذه القسوة دون أن يزيل جذورها، ولذلك لم يقدّم الدين بوصفه مصدر الظلم بل بوصفه استجابة إنسانية لوضع ظالم، أي أن العلاقة عنده ليست علاقة سبب ونتيجة بين الدين والبؤس بل علاقة تعبير وعَرَض، فالمجتمع المأزوم يلد حاجة روحية عميقة، وهذه الحاجة تتجسد في الدين بوصفه لغة للمعنى حين يعجز الواقع عن توفير المعنى.
ومن هنا يمكن فهم فكرته الأساسية على أن الدين، في ظروف القهر التاريخي، يعمل بوصفه عزاءً للمقهورين يمنحهم القدرة على التحمّل ويعيد تركيب عالمهم الداخلي عندما ينهار عالمهم الخارجي، لكنه لا يعالج الأسباب البنيوية التي تجعل هذا العزاء ضروريًا، ولذلك كان يرى أن الاقتصار على نقد الدين مع ترك البنية الاجتماعية على حالها لا يغيّر شيئًا جوهريًا، لأن الدين عنده عَرَض لحالة أعمق، فإذا لم يُعالج المرض بقيت الحاجة إلى العَرَض، أما إذا تغيّرت الشروط التي تُنتج البؤس فإن وظيفة الدين التعويضية تتراجع أو تتحول، وبذلك يكون نقده موجّهًا إلى النظام الاجتماعي الذي يصنع عالمًا بلا قلب لا إلى الإنسان الذي يبحث عن قلب ومعنى داخل هذا العالم.
المحور الثالث
مفهوم الدين عند ماركس — تحليل وظيفي لا لاهوتي
ينبغي لفهم موقع الدين في فكر كارل ماركس أن نميّز منذ البداية بين مستويين مختلفين تمامًا هما المستوى اللاهوتي الذي يبحث في صدق العقائد ووجود الله وطبيعة الوحي، والمستوى الاجتماعي التاريخي الذي يدرس كيف يعمل الدين داخل بنية المجتمع وفي حياة البشر الواقعية، فماركس في النص الذي صدرت عنه عبارته الشهيرة لم يكن يكتب في علم الكلام ولا في فلسفة الدين الميتافيزيقية، بل كان يمارس تحليلًا وظيفيًا يصف الدور الذي يؤديه الدين داخل واقع اجتماعي مأزوم، ومن هنا فإن سؤالَه لم يكن هل الدين حق أم باطل، بل لماذا يحتاج الناس إلى الدين، وكيف يتشكّل هذا الاحتياج داخل شروط القهر والاغتراب.
في هذا الإطار يظهر الدين عنده أولًا كتعبير عن المعاناة، فالمعاناة الدينية ليست وهمًا مستقلًا عن الواقع بل انعكاس للمعاناة الفعلية التي يعيشها الإنسان في حياته اليومية، وعندما يصف الدين بأنه «تنهّد المخلوق المقهور» فإنه يلتقط لحظة إنسانية عميقة هي لحظة الزفرة التي تخرج من الصدر حين يعجز الإنسان عن تغيير ما حوله، وهذه الزفرة ليست خداعًا بل إشارة صادقة إلى الألم، ولذلك يكون الدين في هذا المستوى لغة وجدانية تعبّر عن اختلال التوازن بين الإنسان والعالم الذي يعيش فيه.
غير أن هذا التعبير لا يقف عند حدود الشكوى، بل يتحول إلى احتجاج رمزي على الواقع، فالدين لا يكتفي بتسجيل الألم بل يعلن، من خلال تصوّراته عن العدل والرحمة والجزاء، أن العالم كما هو ليس هو الصورة النهائية لما ينبغي أن يكون، وبذلك يحمل في داخله بعدًا نقديًا موجّهًا إلى الواقع القائم حتى وإن لم يتحول هذا النقد دائمًا إلى فعل سياسي مباشر، ومن هنا فإن ماركس يرى في الدين مفارقة مزدوجة هي أنه يخفف الألم ويُبقي الإنسان قادرًا على الاحتمال، وفي الوقت نفسه يكشف، من خلال رؤيته المثالية للعدل والمعنى، عن نقص العالم الواقعي وقسوته.
وهنا يظهر الفرق الحاسم بين الوصف الاجتماعي والحكم العقائدي، فماركس يصف كيف يعمل الدين داخل المجتمع ولا يصدر حكمًا على حقيقته الميتافيزيقية، فهو لا يقول إن الإيمان بالله مستحيل عقليًا أو إن العقائد الدينية زائفة منطقيًا، بل يقول إن الدين يؤدي وظيفة محددة داخل بنية اجتماعية معينة، وهذه الوظيفة يمكن دراستها مثلما تُدرس أي ظاهرة اجتماعية أخرى، ومن ثم فإن تحويل تحليله الوظيفي إلى حكم عقدي عام على صدق الدين أو بطلانه هو نقل للكلام من مجاله إلى مجال آخر لم يكن هو موضوع بحثه، وبهذا المعنى فإن فهم مفهوم الدين عند ماركس يقتضي إبقاءه داخل حدوده بوصفه تحليلًا اجتماعيًا لتجربة دينية في سياق تاريخي، لا فتوى فلسفية نهائية في شأن الإيمان ذاته.
المحور الرابع
حدود معرفة ماركس بالأديان
غير المسيحية
عند الانتقال من تحليل كارل ماركس للدين داخل السياق الأوروبي إلى السؤال عن مدى انطباق رؤيته على أديان أخرى، وبخاصة الإسلام، تظهر حدود معرفية واضحة ينبغي الاعتراف بها قبل إصدار أي حكم، فماركس لم يكن باحثًا في تاريخ الأديان المقارن، ولم يتلقَّ تكوينًا علميًا في الدراسات الإسلامية أو في اللغات الشرقية، وكانت معارفه بالعالم غير الأوروبي تمر غالبًا عبر كتابات رحّالة ومستشرقين وتقارير سياسية واقتصادية، أي عبر مصادر وسيطة تعكس منظور أوروبا إلى الشرق أكثر مما تعكس البنية الداخلية لتلك المجتمعات.
معرفته بالإسلام تحديدًا كانت معرفة عامة ومجزأة، ولم يكتب دراسة منهجية في العقيدة أو الفقه أو الفكر الإسلامي، بل كان اهتمامه بالشرق يتصل أساسًا بقضايا الاستعمار، وأنماط الإنتاج، والعلاقات الاقتصادية، كما يظهر في بعض مقالاته الصحفية عن الهند أو الدولة العثمانية، وهذا يعني أن تحليله لوظيفة الدين تشكّل انطلاقًا من تجربة تاريخية محددة هي المسيحية الأوروبية داخل مجتمع صناعي ناشئ، لا من دراسة مقارنة شاملة لأنماط التدين في الحضارات المختلفة، ومن ثم فإن تعميم هذا التحليل على الإسلام أو غيره يفترض معرفة لم تكن متوفرة لديه فعلًا.
كما أن غياب الدراسة المقارنة للأديان جعله يتعامل مع «الدين» بوصفه فئة تحليلية عامة دون تفصيل كافٍ للفروق البنيوية بين الأديان، فالدين في أوروبا القرن التاسع عشر كان في جانب منه مرتبطًا بمؤسسة كنسية لها موقع خاص في النظام الاجتماعي والسياسي، بينما الإسلام، في نصوصه التأسيسية وتاريخه المبكر، يقدّم نفسه بوصفه منظومة تشريعية وأخلاقية ومجتمعية متداخلة مع تنظيم الحياة اليومية والاقتصاد والعلاقات الاجتماعية، وهذا الاختلاف في البنية والوظيفة يجعل النقل المباشر لتحليل ماركس من السياق الأوروبي إلى السياق الإسلامي نقلًا يتجاهل الفوارق الحضارية.
ومن هنا يظهر الخطأ المنهجي في تعميم تحليله الأوروبي، لأن كل تحليل اجتماعي يرتبط بشروطه التاريخية، فإذا أُخذ خارج هذه الشروط دون إعادة بناء المفاهيم وفق السياق الجديد تحول إلى إسقاط، أي إلى تطبيق إطار تفسيري صُمّم لواقع محدد على واقع مختلف في بنيته ومفاهيمه ووظائف مؤسساته، ولذلك فإن إنصاف ماركس يقتضي الاعتراف بأن تحليله كان موجّهًا إلى الدين كما كان يعمل داخل أوروبا الحديثة، كما أن إنصاف الإسلام يقتضي عدم إخضاعه لوصف وُضع ابتداءً لتجربة دينية أخرى، وبهذا الفهم يصبح التفريق بين حدود التحليل الماركسي ومجاله التاريخي خطوة ضرورية لمنع تحويل فكرة جزئية إلى حكم شامل لا يستند إلى دراسة مقارنة فعلية.
المحور الخامس
الدين في الإسلام — ليس عزاءً بل مشروعًا
عند الانتقال من التحليل الوظيفي الذي قدّمه كارل ماركس للدين داخل سياق أوروبي محدد إلى البنية الداخلية للدين في الإسلام يتبيّن أن الاختلاف لا يقتصر على التفاصيل بل يمسّ طبيعة الوظيفة ذاتها، لأن الإسلام لا يقدّم نفسه في نصوصه التأسيسية بوصفه عزاءً روحيًا يواسي الإنسان في عالم لا يتغير، بل بوصفه منهجًا شاملًا لتنظيم الحياة يربط بين العقيدة والتشريع والأخلاق والنظام الاجتماعي، بحيث لا يبقى الدين في مستوى الشعور الفردي بل يتحول إلى إطار مرجعي يُنتج قواعد للسلوك ويؤسس مؤسسات ويضبط العلاقات الاقتصادية والاجتماعية.
فالدين في الإسلام منهج تشريعي يضع أحكامًا تنظّم المعاملات والملكية والعمل والعقود والعلاقات الأسرية والحقوق والواجبات، وبذلك ينتقل من المجال الوجداني إلى المجال المؤسسي، فلا يكتفي بتخفيف الألم بل يسعى إلى إزالة أسبابه من خلال قواعد تُقيّد السلطة وتضبط السوق وتحدّد المسؤوليات، وهو ما يفتح الطريق أمام تصور للعدل الاجتماعي بوصفه مقصدًا دينيًا لا مجرد مطلب دنيوي، إذ يرتبط الإيمان بالالتزام بالقسط ومنع الظلم وإعطاء الحقوق، ويُنظر إلى الظلم لا كخلل سياسي فقط بل كاختلال أخلاقي وديني.
ومن هذا المنطلق يبرز مبدأ منع الاستغلال بوصفه عنصرًا بنيويًا في الرؤية الإسلامية، فتنظيم الملكية وتحريم صور من الكسب غير المشروع ووضع ضوابط للعقود والتبادل يهدف إلى منع تحويل الإنسان إلى وسيلة للربح المجرد، أي إلى الحد من الآليات التي تُنتج الفقر والاغتراب، وهو ما يجعل الدين هنا فاعلًا في بنية الاقتصاد لا مجرد مفسّر لمعاناة نتائجه، كما يتجلى التكافل في صورة نظام اجتماعي يعترف بمسؤولية المجتمع تجاه أفراده من خلال آليات مؤسسية وأخلاقية تعيد توزيع الموارد وتربط الغني بالفقير في علاقة واجب لا تفضّل، وبذلك يتحول التضامن من شعور أخلاقي عام إلى جزء من النظام.
وعبر هذا كله يجري تحويل القيم إلى نظام حياة، فالقيم كالعدل والرحمة والأمانة لا تبقى شعارات بل تُترجم إلى قواعد وإجراءات وممارسات يومية، وهو ما يمنح الدين وظيفة تأسيسية في بناء المجتمع لا وظيفة تعويضية عن عجزه، ومن هنا يتضح أن وصف الدين بأنه مسكن للألم قد يصدق على حالات تاريخية معينة حين ينفصل الدين عن تنظيم الواقع، لكنه لا يحيط بطبيعة الدين في الإسلام حين يعمل بوصفه مشروعًا لإقامة العدل وتنظيم الحياة على أساس قيمي وتشريعي، وبذلك يظهر الفرق بين دين يُستدعى لتفسير المعاناة ودين يُستدعى لإعادة بناء الشروط التي تنتجها.
المحور السادس
لماذا لا تنطبق عبارة ماركس
على الإسلام؟
عندما تُقرأ عبارة «الدين أفيون الشعب» بوصفها توصيفًا لوظيفة الدين في سياق أوروبي محدد حيث كان الدين يؤدي دور العزاء داخل بنية اجتماعية لا تتغير جذريًا، يمكن فهمها في إطارها التاريخي، لكن نقلها إلى الإسلام بوصفه منظومة دينية حضارية يفضي إلى خلل معرفي واضح، لأن الإسلام في بنيته النصية والتاريخية لا يقدّم نفسه مبررًا للظلم ولا داعيًا إلى الاستسلام له، بل يضع مقاومة الظلم في قلب خطابه الأخلاقي والتشريعي، ويجعل العدل قيمة مركزية ترتبط بالإيمان نفسه، وبذلك فإن العلاقة بين الدين والواقع هنا علاقة تغيير لا علاقة تسكين.
فالإسلام لا يبرر الظلم بل يحرّمه ويعتبره خروجًا عن النظام الأخلاقي الذي أُمر الإنسان بإقامته في الأرض، ولذلك فإن الظلم لا يُفهم كقدر تاريخي ينبغي احتماله إلى حين الجزاء الأخروي فحسب، بل كاختلال يجب تصحيحه في الواقع، وهو ما ينعكس في الربط المستمر بين التقوى والعدل وبين العبادة والسلوك الاجتماعي، بحيث يصبح التدين الحقيقي مقترنًا بإعطاء الحقوق ومنع التعدي، لا بالاكتفاء بالطقوس، ومن هنا يتضح أن الدين هنا لا يوفّر غطاءً للواقع القائم بل يضع معيارًا أخلاقيًا يحاكمه.
كما أن الإسلام لا يؤجل العدالة فقط بل يفرض السعي إليها في الدنيا، فالآخرة ليست بديلاً عن إقامة القسط في الأرض بل أفقًا يوسّع معنى المسؤولية، ولذلك لا تنفصل العبادة عن المعاملة، ولا الإيمان عن الالتزام بالنظام الأخلاقي والاجتماعي، وبذلك لا يبقى الدين وعدًا مؤجلًا يواسي المظلوم فحسب، بل يتحول إلى قوة دافعة نحو إعادة بناء الواقع على أسس أقرب إلى العدل، وهو ما يخرجه من وظيفة التسكين السلبي التي ركز عليها ماركس في وصفه لتجربة دينية أخرى.
ومن هنا أيضًا يتضح أن الإسلام لا يعالج الألم نفسيًا فقط بل مؤسسيًا، لأنه لا يكتفي بإعطاء معنى للمعاناة بل يضع قواعد تنظّم السلطة والمال والعلاقات الاجتماعية بما يحد من إنتاج هذه المعاناة، فحين يتحول العدل والتكافل ومنع الاستغلال إلى مبادئ لها تجليات قانونية ومجتمعية، يصبح الدين جزءًا من بنية الحل لا مجرد لغة للتأقلم مع المشكلة.
وتؤكد التجربة التاريخية هذا البعد العملي، إذ لم يكن الدين في المجتمعات الإسلامية مجرد عزاء تحت الاحتلال بل كان عنصرًا في تعبئة الناس لمقاومته، كما يظهر في مقاومة الاستعمار الفرنسي في الجزائر بقيادة شخصيات دينية مثل عبد القادر الجزائري التي جمعت بين المرجعية الدينية والعمل العسكري والسياسي، وكذلك في مقاومة الاستعمار الإيطالي في ليبيا بقيادة عمر المختار الذي انطلق من خلفية دينية وجعل من مقاومة الظلم واجبًا، وفي هذه النماذج لا يظهر الدين كمسكن للألم بل كمصدر للشرعية الأخلاقية للفعل المقاوم، أي كطاقة تحرّر لا كآلية تخدير.
وبذلك يتبيّن أن العبارة الماركسية، بوصفها توصيفًا لدور الدين في سياق تاريخي معين، لا تنطبق على الإسلام حين يعمل بوصفه مشروعًا لإقامة العدل ومقاومة الظلم وتنظيم الحياة على أساس قيمي وتشريعي، لأن الدين هنا لا يكتفي بتخفيف الألم بل يسعى إلى تغيير الشروط التي تولّده، وهو فرق جوهري بين دين يُستدعى ليجعل الواقع محتملاً ودين يُستدعى ليجعل الواقع قابلاً للإصلاح.
المحور السابع
متى يصبح الدين فعلًا «أفيونًا»؟
إذا كان التحليل الذي قدّمه كارل ماركس قد وُضع في سياق محدد يصف وظيفة الدين داخل عالم اجتماعي قاسٍ، فإن القيمة النقدية لهذا التحليل لا تنتهي عند حدود أوروبا القرن التاسع عشر، بل يمكن أن تتحول إلى أداة لفحص أي تجربة دينية حين تنحرف عن مقاصدها الأخلاقية، إذ إن الدين لا يصبح «أفيونًا» بطبيعته بل في ظروف معينة تتعلّق بكيفية توظيفه داخل المجتمع، وهنا يلتقي النقد الماركسي مع نقد ديني داخلي يرفض أن يتحول الدين إلى أداة تخدير بدل أن يكون أداة تحرير.
يصبح الدين فعلًا أفيونًا عندما يُستعمل لتبرير القهر، أي عندما تتحول النصوص والمفاهيم إلى وسائل لإضفاء الشرعية على الظلم، فيُطلب من المظلومين الصبر على أوضاع لا تُبذل جهود حقيقية لتغييرها، ويُقدَّم الواقع القائم بوصفه قدرًا لا يُناقش، وهنا ينقلب الدين من معيار يحاكم السلطة إلى خطاب يخدمها، ومن قوة أخلاقية ناقدة إلى غطاء أيديولوجي، وفي هذه الحالة لا يعود الدين احتجاجًا رمزيًا على المعاناة بل أداة لإدامتها.
ويتحول الدين إلى أفيون أيضًا عندما يصبح خطاب تخدير، أي حين يُختزل في وعود أخروية منفصلة عن المسؤولية في الدنيا، فيُوجَّه الوعي نحو التعويض الغيبي وحده ويُفصل عن واجب السعي لإصلاح الواقع، وبذلك يُستخدم المعنى الديني لتسكين الألم دون مساءلة أسبابه، فتتكرس القناعة بأن وظيفة الإيمان هي الاحتمال لا التغيير، وهذا التحول لا يمثّل جوهر الدين بقدر ما يمثّل انحرافًا في فهمه وتوظيفه.
كما يصبح الدين أفيونًا عندما ينفصل عن العدل، لأن العدل هو المعيار الذي يمنع الدين من التحول إلى طقوس معزولة عن الحياة، فإذا ضعفت الصلة بين التدين والالتزام بالقسط وبحقوق الناس، تحوّل الدين إلى هوية شكلية أو شعور فردي لا ينعكس في بنية المجتمع، وعندها يفقد بعده الإصلاحي ويغدو ملاذًا نفسيًا أكثر منه قوة تغيير، وهنا تحديدًا يلتقي نقد ماركس مع النقد الداخلي الذي يرى أن فقدان البعد الأخلاقي–الاجتماعي للدين يفرغه من وظيفته الأصلية.
بهذا المعنى لا يكون وصف الدين بالأفيون حكمًا مطلقًا بل تحذيرًا من إمكانية انحرافه حين يُفصل عن العدل ويُستخدم لتثبيت الواقع بدل إصلاحه، وفي هذه النقطة يمكن أن يتحول النقد الماركسي من هجوم خارجي إلى مرآة نقدية داخلية تُذكّر بأن الدين حين ينفصل عن مقاصده الأخلاقية والاجتماعية يفقد طاقته التحريرية ويتحول إلى ما يشبه المسكن الذي يهدئ الألم دون أن يعالج المرض.
المحور الثامن
من سوء الفهم إلى الحوار الحضاري
بعد تفكيك العبارة وإعادتها إلى سياقها التاريخي يتبيّن أن المسافة بين تحليل كارل ماركس ووظيفة الدين في الإسلام ليست مسافة صراع بالضرورة، بل يمكن أن تتحول إلى مساحة حوار إذا انتقلنا من مستوى الشعار إلى مستوى المقاصد، لأن ماركس لم يكن يعترض على العدل ولا على كرامة الإنسان بل على البنية الاجتماعية التي تنتج القهر وتدفع البشر إلى الاحتماء بعزاء روحي دائم، وفي هذا المستوى تحديدًا يمكن أن يلتقي نقده مع المقاصد الكبرى للعدل في الإسلام التي ترى أن الظلم اختلال يجب رفعه وأن إقامة القسط ليست مسألة سياسية عابرة بل جزء من المسؤولية الأخلاقية للإنسان في الأرض.
إن الفهم الحضاري للقرآن خاصة وللإسلام عامة يضع الدين في موقع الفاعل التاريخي الذي يوجّه حركة المجتمع نحو الارتقاء، فالدين هنا ليس مجرد إجابة عن القلق الوجودي بل إطار لتشغيل القيم داخل الحياة الواقعية، بحيث تتحول المبادئ الأخلاقية إلى نظم ومعايير تضبط السلطة والاقتصاد والعلاقات الاجتماعية، وعندما يُفهم الدين بهذا المعنى يصبح قوة تحرير لأنه يدفع الإنسان إلى تجاوز البنى الظالمة لا إلى التكيف معها، ويجعل من الإيمان دافعًا لإعادة بناء الواقع على أساس أقرب إلى العدل، وهو ما ينقل الدين من وظيفة التسكين النفسي إلى وظيفة الإصلاح المؤسسي.
وفي هذا الأفق يمكن إعادة قراءة نقد ماركس لا بوصفه نفيًا للدين بل بوصفه تنبيهًا إلى الخطر الذي يتهدد الدين حين يُفصل عن العدالة الاجتماعية، إذ إن تحوّل الدين إلى خطاب تخدير هو ما حذّر منه النقد الماركسي وما يحذّر منه أيضًا النقد الأخلاقي الداخلي حين يؤكد أن الإيمان بلا عدل يتحول إلى شكل بلا مضمون، ومن هنا يصبح الحوار الحضاري ممكنًا لأن الطرفين، رغم اختلاف المرجعيات، يشيران إلى نقطة مشتركة هي ضرورة تحرير الإنسان من البنى التي تسلبه كرامته.
وعندما يُفهم الإسلام في ضوء هذا الفهم الحضاري يتبيّن أنه لا يكتفي بمنح المعنى للألم بل يسعى إلى تغيير الشروط التي تولّده، فيربط العبادة بالعمل، والإيمان بالمسؤولية، والروح بالمؤسسة، وبذلك يغدو الدين طاقة لتحريك المجتمع نحو نظام أعدل لا وسيلة لتسكين ضميره تجاه الظلم، ومن هنا يمكن القول إن سوء الفهم الذي حوّل عبارة ماركس إلى سلاح ضد الدين يمكن أن يتحول، إذا أُعيدت قراءته علميًا، إلى جسر حوار يكشف أن المشكلة ليست في الدين حين يعمل بوصفه مشروع عدل، بل في الدين حين يُعزل عن وظيفته الحضارية ويتحوّل إلى تعويض رمزي عن عالم لا يتغير.
الخاتمة
العبارة التي أُسيء استخدامها
بعد هذه الرحلة عبر النص والسياق واللغة والتاريخ يتبيّن أن عبارة «الدين أفيون الشعب» التي ارتبطت باسم كارل ماركس لم تكن يومًا جملةً قائمة بذاتها ولا حكمًا ميتافيزيقيًا نهائيًا على الإيمان، بل كانت جزءًا من تحليل اجتماعي وفلسفي يصف وظيفة الدين داخل واقع أوروبي محدد اتسم بالقهر الطبقي والاغتراب وفقدان العدالة، وقد جاءت العبارة خاتمةً لسلسلة توصيفات إنسانية عميقة رأى فيها ماركس الدين تنهّد المقهور وقلب عالم بلا قلب وروح أوضاع بلا روح، ثم شبّهه بالأفيون بوصفه مسكنًا لألم تاريخي حقيقي، ومن هنا فإن العبارة في أصلها لم تكن سخرية من الإيمان ولا ازدراءً للمتدينين، بل قراءة لدور الدين داخل عالم مأزوم.
إن سوء الفهم نشأ حين اقتُطعت الجملة من هذا البناء التحليلي وحُوّلت إلى شعار يُستخدم خارج سياقه ليصبح سلاحًا أيديولوجيًا في مواجهة الدين عمومًا، بينما النص الأصلي يبيّن أن نقد ماركس كان موجّهًا إلى البنية الاجتماعية التي تُنتج المعاناة وتجعل البشر محتاجين إلى عزاء دائم، لا إلى الضمير الديني الفردي ولا إلى حقيقة الإيمان من حيث هو إيمان، ومن هنا فإن إنصافه يقتضي الاعتراف بأنه وصف دينًا يعمل داخل واقع ظالم ولم يكن يكتب حكمًا على كل الأديان.
وعندما يُنقل هذا التحليل إلى الإسلام دون مراعاة الفروق الحضارية يقع خطأ آخر، لأن الإسلام في نصوصه التأسيسية وتاريخه لا يقدّم نفسه عزاءً يبرر الواقع بل مشروعًا يطالب بإقامة العدل ويحوّل القيم إلى نظم حياة، وبذلك لا يكون الدين فيه مجرد استجابة نفسية للمعاناة بل إطارًا لتغيير الشروط التي تولّدها، ومن هنا فإن تعميم العبارة عليه بوصفها حكمًا شاملًا يتجاهل اختلاف البنية والوظيفة، ويحوّل تحليلًا تاريخيًا جزئيًا إلى مقولة مطلقة.
إن استعادة العبارة إلى سياقها لا تعني تبنّي فلسفة ماركس كاملة ولا التسليم بكل مقدماتها، بل تعني وضع الفكرة في حدودها المعرفية ومنع استخدامها خارج مجالها، وبذلك يتحول الشعار الذي استُعمل طويلًا لإشعال الصراع إلى مدخل لفهم أعمق للعلاقة بين الدين والمعاناة التاريخية، ويغدو النقد فرصةً للتصحيح لا للهدم، وللحوار لا للإقصاء، إذ يتضح في النهاية أن المشكلة ليست في الدين حين يعمل بوصفه طاقة عدل وبناء، بل في تحوّله، في ظروف معينة، إلى خطاب يهدئ الألم دون أن يسعى إلى إزالة أسبابه، وهنا فقط يصحّ التحذير، وهنا أيضًا يمكن أن يلتقي النقد الخارجي مع المراجعة الداخلية في خدمة إنسان يبحث عن معنى وعدل في آنٍ واحد.
سلفيت-واثق نيوز- نظمت وزارة الثقافة في محافظة سلفيت، فعالية ثقافية في الحكاية الشعبية، قدمتها الحكواتية رحمة رداد، في بلدة دير استيا، بالتعاون مع بلدية هذه الاخيرة بعنوان : "البنت المظلومة"، وركز النشاط على غرس القيم الأصيلة كالعدل والصبر والانتصار للحق، وتعزيز الهوية الوطنية لدى الأجيال الناشئة.
كما نظمت الوزارة وبالتعاون مع منتدى الخبرات نشاطا توعويا قدمته المدربة حلا السرطاوي تناول قضايا الإعلام المعاصر وأدواته الرقمية، واستهدف مجموعة من الشباب اليافعين في المحافظة، وتضمن محاور حول مفاهيم الإعلام الحديث، وآليات التعامل الواعي مع المنصات الرقمية، وتأثير الإعلام الرقمي في تشكيل الرأي العام، ودوره في إبراز القضايا الثقافية والمجتمعية.
كما نظمت الوزارة لقاءا شعريا بمشاركة الشاعرين جبر صبرة وفداء عرار، والزجّالين عبد الفتاح أبو فتحي وعلي الأحمد . ومثّل اللقاء مساحة إبداعية لتبادل الخبرات الأدبية وتعزيز الحراك الثقافي والشعري .
الكاتب:محمد عبد الرحيم
تتواتر إلينا أهوال الحرب العالمية الثانية، من خلال أرشيفات مختلفة، سواء جاءت من الصحف أو الأفلام التي تم تصويرها خلال المعارك، إضافة إلى المذكرات الخاصة بقادة الحرب، أو أقارب ضحاياها، ناهيك من كم الأفلام التي تم صنعها عن هذه الحرب، مع مراعاة وجهات النظر المختلفة التي يتبناها كل صانع فيلم على حِدَة. إلا أننا على كل حال لم نتعايش معها إلا مع النتائج لا مع الأحداث نفسها. وفي المقابل ومع الفارق الشاسع، ومنذ غزو (العراق) من قِبل (قوات التحالف) في 2003 انتقلت الحرب مباشرة من جبهات القتال إلى شاشات الفضائيات، بمعنى المشاهدة اللحظية للرصاص والصواريخ والقنابل.. والضحايا. وبالتواتر أيضاً ـ وهو أمر مقصود ـ أصبحت تلك المشاهد اعتيادية، وهو ما حاولت قوات الكيان الصهيوني بثه وتمريره أثناء حرب غزة الأخيرة، التي لم تنته بعد. فصور الأشلاء والصراخ والأكفان المتراصة ـ رغم تأثيرها ـ دخلت بدورها في طور الاعتيادية ـ رغم سخف اللفظ ـ ولا تمتلك الشعوب العربية ــ دون أنظمتها الحاكمة ـ إلا الغضب والدعاء لكشف الغُمّة وإغاثة الأمة.
فماذا يمكن أن تقدم السينما ونحن نعيش الحدث، دون الاقتصار على استحضاره، سواء من تاريخ قريب أو بعيد؟ ربما حاول فيلم «صوت هند رجب» أن يصنع شيئاً مختلف.
الفيلم سيناريو وإخراج كوثر بن هنيّة ومن أداء.. سجا كيلاني، معتز ملحيس، عامر حليحل، وكلارا خوري. حصل الفيلم على جائزة الأسد الفضي في مهرجان فينيسيا الـ(82) هذا العام، كما رُشّح للقائمة القصيرة لجوائز الأوسكار لأفضل فيلم دولي.
حياة انتهت
في التاسع والعشرين من يناير/ كانون الثاني 2024 جاء نداء من طفلة لم تُكمل عامها السادس بعد، كانت محاصرة في سيارة، تم قتل جميع مَن في داخلها من أبناء عمها، الذي لقى مصرعه بدوره هو وزوجته، هكذا هي.. طفلة وحيدة تستغيث من خلال هاتف محمول ـ لم يزل هو الآخر على قيد الحياة ـ بمتطوعي الهلال الأحمر الفلسطيني، وبعد محاولات استمرت لثلاث ساعات، حتى يمكن تأمين عربة إسعاف تصل إليها، حيث تستغرق المسافة حوالي 8 دقائق، ولكن.. ساعات من الرعب تعيشها حيث تختبئ وتشاهد اقتراب دبابة من السيارة، التي أصبحت نعشاً، حيث كانت تظن في البداية أن أقاربها قد أصابهم النوم، ثم اكتشفت أنهم ماتوا جميعاً، هكذا تعرف في لحظاتها الأخيرة الحقيقة. وبمجرد وصول سيارة الإسعاف ينضم طاقمها إلى أقارب الطفلة، وقد تم تفجير سيارة الإسعاف وسيارة الطفلة مرّة أخرى عن آخرها، ربما الخلاص الوحيد من الرعب في حالتها ليس تجاوزه بالنجاة، بل بالموت. هكذا انتهت حياة الطفلة هند رجب (3 مايو/أيار 2018 ــ 29 يناير 2024).
حصار الساعات الثلاث
الحكاية معروفة، وتمت إذاعتها من خلال القنوات ووسائل التواصل، فقط.. صوت هند والمتواصلين معها من فريق الهلال الأحمر الفلسطيني ـ فريق تلقي الاستغاثات ــ ليبدأ الفيلم صياغة السيناريو من خلال حصار كل منهما.. طفلة في سيارة مع أجساد تغطيها الدماء، كانت منذ لحظات تتحدث إليها، وربما تبادلها الضحك أو حتى الابتسام، وفريق الإنقاذ المُحاصر بدوره بين غرف من زجاج، وخطوط إدارية لا يستطيع أن يتخطاها، إضافة إلى إنهاك نفسي لا يُحتمل. فالجميع محاصر إذن ولا أدنى أمل في حدوث معجزة. وبين الحوارات المتبادلة بين هند وبينهما، يُصاب الرجل والمرأة بالانهيار، لتأتي المعالجة النفسية بالمكان وتحاول أن تجعل الأمر مُحتملاً، من خلال إرشادات التنفس ببطء، وهكذا تعاليم لن تجدي شيئاً، حتى إنها في النهاية تتورط مع صوت هند وتكاد تنهار.
على الجانب الآخر يبدو مدير المكان، الذي لا يريد أن تتم عملية الإنقاذ إلا من خلال الترتيب الكامل والآمن مع جميع الجهات (الصليب الأحمر الدولي، السلطة الفلسطينية، القيادات الصهيونية) فالدائرة مغلقة، والطفلة بينها، متعلّق مصيرها بإجراءات غاية في التعقيد. يبدو الرجل من الخارج أنه اعتاد مثل هذه الحالات، من بداية الاستغاثة إلى مآلها المعروف.. الموت، ولكنه في الحقيقة لا يريد فقد آخرين من طاقم الإنقاذ، وقد أصبحت صورهم معلّقة أمامه، ولا يريد أن يُضاف إليها أحد الشهداء. وهكذا صراعات أخرى تدور بين الرفاق في وحدة تلقي الاستغاثات، والاتهام تارة بالتهاون، وصولاً إلى العمالة!
النهاية المحتومة
اجتهد الفيلم في خلق حالة من التعايش مع صوت (هند) والمتعاملين معها، ولم يفرق بينها وبين الذين ستتم إبادتهم معها في النهاية، فقد كان التواصل معهم من خلال مكالمات صوتية، لم نستمع إليها، ولكن من الردود عليها نستكشف طبيعة هذه الشخصيات من المُسعفين، فهم أيضاً ضحايا كما العديد من الضحايا الذين لا نعرف عنهم شيئاً. ويأتي صوت الطفلة هند رجب، أو (هنّووود) كما كانت أسرتها تناديها، وكذلك فريق تلقي الاستغاثات بعد ذلك، ليحاول المتلقي أن يستشعر ــ محاولة فارغة في النهاية ــ أو على أقل تقدير (يتخيّل) ما مرّت به هذه الطفلة قبل صعود روحها إلى خالقها من معاناة ورعب وألم، فسمعناها.. تقرأ سورة الفاتحة، وفي أي صف وأي مدرسة، وما لديها من أخوة، وبين الحين والآخر تقول باكية.. «أنا خايفة». لك أن تستشعر ثقل هذه الكلمة من طفلة، هذه الحالة التي ستظل معك وقتاً طويلاً، والتي ستتحول من التعاطف والتأسي إلى غضب، وربما يحاول الغضب أن يُغيّر شيئا.. ربما.
الكاتب : المتوكل طه
صدر كتاب جديد للمبدع وحيد تاجا، بعنوان"جمر الكلام"، ضمّ قرابة ثلاثين لقاء، مع عدد من الشعراء والنقاد الفلسطينيين، على اختلاف أجيالهم وتجاربهم، مقدّما حمولة متنوعة، ستساهم، بالضرورة، في فهم وإضاءة وتفكيك الشِعر الفلسطيني، عبر أعوامه الستين الأخيرة.
ومع أنّ الصديق تاجا افتتح كتابه بغير سؤال "ثقيل"، وأشار إلى خلاصات شبه نهائية، إلا أنه دعا القارئ إلى استخلاص الإجابة على تلك الأسئلة، وتبيان صحّة الاستخلاصات، من تضاعيف الإجابات التي قدّمها مَن حاورهم..مع أنّ المقابلات ليست على وتيرة واحدة. وعزاؤه أنه يريد أن يتتبّع الخطّ التاريخي "الكرنولوجي" للشِعر، ويُظْهر تحوّلاته..فكانت بعض "العيّنات"، على قلّتها، لا تعبّر، بالفعل، عن حقيقة وصفاء وامتلاء نهر الشِعر، الذي خاضه الشعراء المكرّسون بجدارة حاسمة.
إن الشِعر الفلسطيني قد تميّز بأنه ذو خلفيات ومرجعيات كثيرة، بسبب الشتات مرّة، وبسبب الأيديولوجية مرّة أخرى، وبسبب السياسة أيضاً. ولهذا فإنه ليس نسيجاً واحداً أو تجربة واحدة. فالتحديات المختلفة والقضايا المتعددة التي فرضت نفسها على هذا الشِعر، جعلت منه متعددَ الأشكال والأساليب والذروات. ويكاد لا يَجمَع بين هذا الشِعر سوى مقاربته للقضية الوطنية على تفاوت هذه المقاربة.
إن القصيـدة التي ولـدت في الأرض المحتلة بعـد احتلال العام (1967)، كانت بصورة أو بأخرى، قصيدة الجماعة وقصيدة المكان وقصيدة التحريض بشكلها المهم، وبهذا الصدد يمكن القول؛ إن الواقع كان يقدم نماذج مذهلة في عبقريتها وتعبيرها عن روح الجماعة، الأمر الذي جعل من القصيدة - بشكل عام، تظل أقل بهاءً وحضوراً من النموذج - بمعنى آخر، ليس هناك معادل موضوعي للحياة أبداً، الفن صورة مختصرة، فيها حذف كثير وفيها اقتصاد كثير وفيها تعمّد كثير. وفيما نقدم الحياة نفسها مرة واحدة بكامل التفاصيل مشعلة جميع الأحاسيس، فإن الفن يكتفي من كل ذلك البهاء بإطار واحد يحاول تجميع الصورة الأولى.
وبعد العام (1993 أوسلو)، وما جرى من زعزعة المفاهيم وموت بعض القديم وميلاد جديد آخر، وتغيّر المزاج واللغة والمصطلح والمرجعيات، وما طرأ على المجتمع الفلسطيني من تغيرات بنيوية، فإن القصيدة الفلسطينية في الداخل- حيث طعمت بأصوات وتجارب جديدة عليها- واجهت قضايا ومسائل أخرى مختلفة، كان عليها أولاً أن تتوازن؛ بمعنى البحث عن لغة جديدة وآفاق جديدة ومرافئ للعودة إليها، وكان عليها أن تردّ، بشكل أو بآخر، على تحديات من نوع ثقافي لم تتعوّد عليه، كالعلاقة مع الآخر، والعلاقة مع السلطة، وكان عليها، أيضاً، أن تقارن نفسها بالتجارب العالمية التي ذهبت بعيداً بالتجربة الشعرية. بعد العام (1993) كان هناك مخاض على المستوى السياسي والاجتماعي، والشِعري، أيضا.
ما نريد أن نصل إليه، هو أن المقاربة النقدية بما تتضمن من عمليات تحليل وتفكيك وتقييم للشِعر الفلسطيني، وخاصة شعر الداخل (الضفة والقطاع والأرض المحتلة العام 1948)، يجب أن تكون نابعة من البيئة التي صدر منها هذا الإبداع الشِعري، بمعنى أن النقد يجب أن يستخدم ذات المصطلحات وذات المزاج وذات القضايا التي تناولها النص المقارَبْ.
وعليه فإن المقاربة النقدية لمثل هذا الأدب الخاص، المحكوم بالزمان والمكان والظرف التاريخي والحضاري، يجب أن تنبع من داخله، ومن شروطه، ومن نسقه العام.
إنّ المنهج الخاص، والخاص جداً، الذي نحاول الإمساك به أو الإشارة إلى ملامحه يتمثل في أبعاده الثلاثة: السيكولوجية، والتاريخية، والسوسيولوجية. هذه الأبعاد التي تضمّها روح الجماعة، حيث تسيطر هذه الروح طيلة الوقت على معظم النتاج الشعري الفلسطيني، وكأنّها كلمة السرّ في ذلك النتاج.
المنهج الخاص يعني فهم الظاهرة من الداخل وليس من الخارج. ولأنّ الإبداع الشِعري الفلسطيني في الأرض المحتلة، كان إلى هذه الدرجة خاصاً، ومختلفاً، كان لا بدّ للمنهج النقدي أو يكون، أيضاً، إلى ذلك الحدّ خاصّاً ومختلفاً. وأعتقد أن "الشهادات" التي قدّمها معظم الشعراء والنقاد في هذا الكتاب، تتماهى مع ما ذهبنا إليه، وتشفع له وتؤكّده.
فالمنجز الشِعري الفلسطيني، وخلال السنوات الأربعين الماضية، التي بدأت متفائلة وانتهت إلى نبرة التساؤل أو التشاؤم، كانت بحقّ خير دليل سوسيولوجي وتاريخي على التحوّلات العميقة التي أصابت البنى الفكرية والثقافية والسياسية في فلسطين والعالم العربي.
كان شكل القصيدة ولغتها وموسيقاها وصورتها الشعرية تعبيراً عن تغيّر تاريخي بالأساس. هذا التغيّر الذي خلق صورة شِعرية هي جزء من رؤية العالم الذي تغيّر، هذا ما حاولنا أن نتتبعه وأن نلمسه وأن نتذوقه.
ستظلّ في بالنا مناهج النقد ولكن - بالدرجة نفسها- ينبغي أن تبقى عيوننا وقلوبنا على النصّ.
والآن؛ وبعد هذا العدوان على غزّة، وبعد ما أفرزته نظرية الرّعب الصهيونية من نتائج، وما آلت إليه الحال في قطاع غزّة..سنرى واقعا جديداً مخيفا وصادما، وسنقرأ نصوصا، وستُكتب أخرى، ستكون معجونة بالدماء والهباء، كما ستكون مطعّمة بالأساطير والحدّة والمفارقات والذهول..ما يجعلنا لا نتعجّل في إطلاق أيّ حُكمٍ نقدي، لأن ذلك استباقا للحقيقة، على رغم توفّر كمٍّ كافٍ من الشواهد الإبداعية، التي تمثّل إرهاصات لظاهرة جديدة في الأدب الفلسطيني،هي "أدب الحرب"..مع أنني كتبت عن "شعراء غزة،الآن".
وأُكرر؛ ما الذي يجعل من إبداعٍ ما..شِعراً؟ علماً أن النقّاد القدماء والمحدثين قد أشبعوا هذا السؤال أجوبةً، جعلت للشِعر تعريفات بعدد البشر! إضافةً إلى أنهم، قديماً، ميّزوا بين النَّظم والشِعر، على اعتبار أن الوزن الشعري لا يكفي وحده لأن يجعل من النّظم شِعراً، وعلى أساس أن ثمة عناصر لا بدّ إلاّ أن تتوفر في "البناء" حتى نشير أليه ب "الشِعر".
ومنذ عقود؛ تتباين الآراء حول قصيدة "النثر"، وتتقاطب ما بين معترف بها، بشروط صارمة، وما بين ناظرٍ إليها باعتبارها نصّاً أدبياً لم يرقَ إلى مجد الشِعر، لأنها لم تنهض على قوام التفعيلة وبحور الخليل، وكأن الموسيقى هي الشرط الأكبر والأساس لأن تكون هذه الكتابة شِعراً ! وباعتقادي، فإن قصيدة "النثر" ما زالت تُكابد على طريق شرعنة ذاتها، ولم تتوصّل بعد إلى شاطئ يجمع شعث الآراء المتباعدة حولها، حتى وهي تعترف جميعها بهذا النوع من الكتابة، ذلك أن قصيدة النثر لا شكل نهائيا لها، ولا حدود لها، حتى اللحظة، إذ نرى هذه القصيدة تتزيّا مرّة ب "الهايكو" أو"القصّ" أو "التدوير"..لتصل إلى "الكُتلة"، وتتكئ كثيراً على أشكال الإبداع الأخرى، وتقدّمه على اعتبار أنه قصيدة "حداثية"، لا يحقّ لناقدٍ أن ينال من شرعيتها، أو من حقّ الشاعر في أن يذهب عميقاً في "التجريب"، وكأنه سابق لعصره. مع أنّ الحداثة "موقف"، وليست "زمن".
إن ضرورة التجريب، والحرية المقترنة، أبدياً، مع الإبداع، تعني معرفة ووعي أدواتنا التي سنشكّل بها ملامح كتابتنا، ونبني عوالم إبداعنا، الذي يتغيّا سلامة كلّ خليةٍ ولونٍ وحرفٍ وإيقاعٍ واستطالة، في سياق الانسجام والتكامل..ما لم نتجرّأ على أُسس واجبة صارمة، هي أرض الكتابة، إلاّ إذا كنّا نقصد "دادائيّة" جديدة، قد لا نعرف دوافعها ومقاصدها، أو نقصد ترجمات يقوم البعض بتحويرها، ثمّ يتبنّاها باعتبارها نصّه الخاص!
وإن الموسيقى في الشِعر ليست إيقاعا فحسب، إنها روح الزمن الذي يصعد إلى المتن، ويعبّر عن اللحظة ويعرّفها. وللحديث بقيّة، إن لزم الأمر.
شكرا جميلا للمبدع الصديق وحيد تاجا على انشغاله بالأدب الفلسطيني، علما أنه سبق وأصدر كتابه المميز"الرواية الفلسطينية - حوارات نقدية"، ليكمل دائرة الضوء على مشهد الأدب، عبر مجترحيه من المبدعين الفلسطينيين.
الكاتب : المتوكل طه
في رام الله، ومن متحف الشهيد الرئيس ياسر عرفات، وما يحمله المكان من رمزيّة عالية، تمّ الإعلان، رسميا، عن جائزة فلسطين العالمية للشِعر، بالشراكة مع التجمّع الدولي للكُتّاب، وحركة الشِعر العالمية برئاسة الشاعر فرناندو ريندون رئيس الحركة ومهرجان مديين الدولي للشِعر، واتحاد عموم إفريقيا الذي يضمّ أربعة وخمسين اتحادا، برئاسة الكاتب النيجيري والي أوكيديران. وأُعلن عن إطلاق فرع فلسطين في التجمّع الدولي للكتّاب، ومقرّه موسكو، بحضور رئيس التجمّع الكاتب والمسرحي البارز يوري بونوليكانيكوف.
إن هذا الحشد الكونيّ الذي يلتقي على أرض فلسطين، يعني أنها قِبْلة الدنيا المُعافاة والصحيحة، وأن العالَم الحُرّ قد تأكد أنها عتبة راسخة مضيئة لإطلاق روح الإبداع العالمي، من خلال هذه الجائزة السامقة، عبر الشِعر، باعتباره حالةً تبشّر بكلّ ما هو إنسانيّ، وينحاز للقيم المطلقة، ويزدهر في أزمنة المقاومة والصعود، والجموح المتوثّب نحو الخلاص، ويتغيّا الجَمال، في مواجهة البشاعة والاحتلالات والاستلاب، ويعلو بغنائه ليظلّل الكون بعروقه الساطعة.
إن هذه الجائزة هي انتصار لفلسطين، التي تواجه كلّ أشكال الفاشية والمحو والإبادة، وقتل الإرادة، بكلّ الطرائق الحضارية والمفردات الإنسانية. كما أن الشِعر ينتصر بفلسطين، التي أضحت نموذجا لقوّة الحياة، ومجابهة القوى العمياء والعنصرية المتغطرسة، التي تسعى إلى القضاء على مناحي الاستقرار والسلام والأمن والتنمية، في شتّى الدول، بمسوّغات استعمارية ومرافعات خائبة. وأعتقد أن هذا الحدث يعبّر عن أهمية الثقافة الفلسطينية، وخاصة الشِعر، الذي استطاع أن يُطبّق الآفاق، ما يستوجب أن تنهض المؤسسات المعنية لمواصلة الإفادة من زخم التضامن الدولي مع فلسطين، بعد أن أصبحت شوارع العالَم فلسطينية. وهنا أُسجّل الشكر والتقدير لما قام به اتحادنا، بجهود متواصلة حاسمة وجادّة، عبر حراك قارّيٍّ دؤوب ومنتم، للأمين العام للاتحاد أخي الاستاذ مراد السوداني، الذي ولدت على يديه هذه الاقتراحات الجَمالية والمساندة والكبيرة. وكان الاتحاد العام للكتاب والأدباء الفلسطينيين، قد أعلن في تموز الماضي عن إطلاق "جائزة فلسطين العالمية للشِعر" من كولومبيا، بالتعاون مع مهرجان ميديين الدولي وحركة الشِعر العالمية، كمنصة دولية تضامنية، وتستهدف الشعراء الملتزمين بالقضية الفلسطينية، مع جوائز مادية وترجمة للقصائد الفائزة. وتمّ الإعلان في ختام الدورة الـخامسة والثلاثين لمهرجان ميديين الدولي للشعر في كولومبيا، عن توقيع ستة وأربعين شاعراً عالمياً على بيان تضامن مع فلسطين..ما يعزّز الجبهة الثقافية العالمية المساندة لفلسطين ضد الاحتلال، وتوثيق جرائم الإبادة في غزّة.
إنّ فلسطين، ومع هذه الجائزة الاستثنائية، تثبت أنها قادرة على الفعل والتجاوز، وعلى اختراق الأسوار وصدّ الكوابح، وتستطيع أن تجد المسارب الممكنة لتحضر في كلّ مربّع، وتكون بكامل حمولتها وسرديّتها وخطاباتها، لتواجه تهويد المعرفة الذي صبغ الأدبيات في أماكن حيوية وكثيرة، ومكّنت النقيض من تمرير سياقاته المزوّرة ومقولاته الناتئة الفوقية، وجعلته يحتكر صورة الضحية، عقودا ثقيلة.
إن ما تنادي به هذه الجائزة هو أن تهبّ كلّ المؤسسات "الخاملة" الرسمية والأهلية الفلسطينية، لتجد الأبواب المناسبة، لفتحها على المشهد الدامي، للتخارج مع الملايين الشرفاء، على هذا الكوكب، الذين يؤمنون بفلسطين، باعتبارها عنوان المظلمة والملحمة.
وإن ما تقترحه هذه الجائزة العظيمة؛ يكمن في أننا لم نستنفذ أوراقنا، ومكوّنات قوّتنا الناعمة، ودبلوماسيتنا الشعبية، وأننا قادرون إن أردنا!
وإن حصول أيّ شاعر أو مبدع على جائزة، إنما هو تشريف لكل الشعراء والمبدعين، ووثيقة اعتراف موقرة، بكل ما أنجزه أدباؤنا وكتّابنا، وفي كلّ المجالات. كما أن هذه الجائزة سنوية، من أجل استقطاب كلّ الشعراء في العالم. وقد قام اتحادنا بتأسيس فرع حصري للتجمع الدولي للكتاب في فلسطين، وهو أول فرع للتجمع الدولي. ويأتي هذا الانجاز في إطار اتفاقيات تعاون تزيد على عشرين اتفاقية، وقّعها الاتحاد، خلال السنوات الماضية، في إطار خلق جبهة ثقافية عالمية من أجل فلسطين.
وسيظلّ الشِعر قادراً على الاختراق والحضور بهالته وسطوته وأناقته، رغم حالات الزبد والتشظي والحدود، وغياب النقد ودور النشر والمنابر، ورغم نداءات الإعدام الصادرة بحق هذا المقدّس المهيب.
ومع الألفية الثالثة، التي تتصدر بواباتها العولمة والكارتيلات الطائشة على الدماء، والاقتتال والتمزّق الإقليمي، والوباء الغامض المخيف، والأسواق المتحكّمة، والأسلحة المرعبة والتقنيات، وحيث تسعى التكنولوجيا إلى التقليل من حجم العالم، والتعمّق فيه، وتفكيك مكوّناته ودقائقه، وتغيير أشكاله بما في ذلك من توجيه من "إهانات" للطبيعة بقصد "تصحيحها"، وحيث تسعى السياسة إلى تقريب الحدود أو إلغائها، وإلى تجميع الكيانات من خلال بنك واحد أو صندوق مالي مشترك أو جوازات سفر لها قوّة السياحة والانسياح، وحيث يسعى الاقتصاد إلى تقزيم الحكومات وتفريغ الشعوب إلى مجرد مستهلكين، وحيث يتم السعي"للمهارة" و"الكفاءة" على حساب كل شيء وأي شيء، وحيث تسعى الفلسفة إلى فهم أو محاولة مقاربة هذه "النهاية" أو البحث عن أعداء محتملين أو كامنين، أو معرفة اتجاه التاريخ، وكأن البشر وصلوا حقاً إلى النهاية! وحيث يتّجه العقل البشري، مرة أخرى لفهم الأسطورة بوساطة التكنولوجيا، التي تؤسس أسطورتها، لأن للتكنولوجيا أساطيرها أيضاً..تبرز أهمية الابداع، لأن الشِعر سيجد نفسه قبالة تحديات أخرى كبيرة، بدءاً مما أفرزته دول العالم الأول في القرن العشرين، من صناعات لها وميضها النافذ، إلى ما أفرزته الإبداعات الأخرى من "متعة" و"فن" و "لذة"، وخصوصاً أن الألفية الثالثة، ستزيد من قوة الإبصار، وسيشكل البصر الدعامة الأولى والأكثر أهمية في تلقّي مكوّنات العالَم، وستشكل "الشاشة" قناة اتصالنا الأكثر ضرورية لنا، فكل شيء يتحوّل إلى معلومات على الشاشة، وكل شيء سنراه في الجهاز، وستتم رؤيتنا من خلال شاشة، ليس إلاّ! وستشكل هذه الشاشة علاقتنا مع العالم الذي سيتحوّل هو الآخر إلى صورة، وليس إلى كلمة. سنتحول إلى البصري على حساب المقروء. وفي هذه الأثناء، يطوّرون لغة عالمية تعتمد الصورة وليس الحرف "ليتعارف" البشر فيما بينهم، وما لغة الكمبيوتر المتعددة إلا جزء من لغة عالمية تشيع وتنتشر معتمدة في ذلك على "قوة البصر". وسيبقى أمام كلّ ذلك الشِعر، لأنه جميل، فيه فانتازيا حرّة، انسيابية، سائلة، وغرائبية لا حدود لها، ومنطق تختفي فيه الحدود والجغرافيا والمنطق، ما يجعل الشعر مغريا للآخرين "لاستغلاله".. فيفتحون نصوصهم على عروق الذَهب وشرايين البرق المضيئة فيه، لإكساب هذه النصوص تلك المسحة الخارقة من جنون الكلام، وشبق الركض في غابات من الغرائبية الرائعة.
إن "استلاب" الشِعر من قبل نصوص أخرى يدل دلالة قاطعة على أن ما في الشِعر، ذلك الغامض، والساحر في آن معاً، يشكل دائماً تلك الساحة الخلفيّة التي نتعرّى فيها أمام الشمس والريح، لندع أجسادنا تلتقط راحتها، ولأرواحنا أن تفيض كما تريد وترغب.
وإن ذهاب الفنون باتجاه الشعر، يدل أيضاً، على أن للشِعر قوة لا تنتهي.
وأقول؛ إن ما قام به اتحاد الكتّاب عبر أخي مراد، وبإصرار لافت وعناد وطنيّ، وما تركه الأدباء والمبدعون الفلسطينيون، طيلة سنوات صعبة، من خطوات وبصمات مضيئة، يفتح الآفاق إلى مزيد من تنظيم الأداء، وتضافر الجهود المخلصة، بعيدا عن الحرائق الصغيرة والمناكفات والصغائر، حتى نليق بفلسطين وتليق بنا.
مبارك لنا هذا الانجاز العظيم، ومبارك للشِعر. ومبارك أبا سيف.
الشِعر بريء، بدائي، غامض، ذاتي، تلقائي، مجنون. الشِعر اختراع قديم قديم، بل حاجة لا بدّ منها. الشعر ابن الخوف والتضرّع والتأمل، والشعر ابن النزعات والرغبات والخلجات الأولى.
وكما هو الأمر دائماً..الشعر يبقى، وما بعده يزول .
الكاتبة : أسماءناصر أبو عياش
قد يبدو الحديث عن الثقافة والفن في زمن القصف والدمار وكأنه خيانة للواقع، أو ترفٌ لا يليق بظل المجازر والدم النازف. لكن، في خضم المجزرة التي يرتكبها الاحتلال الإسرائيلي بحق الفلسطينيين، ينهض سؤال أكثر جذرية: هل الحديث عن الثقافة أمر غير أخلاقي؟ أم أن التمسك بها هو من أشكال المقاومة القليلة التي لا يمكن قصفها؟
في كل نضال خاضته الشعوب من أجل البقاء، كانت الثقافة في صميم المعركة لا على هامشها. من جنوب أفريقيا، إلى الجزائر، إلى أميركا اللاتينية، وحتى في قلب أوروبا زمن الحرب، لم يتوقف الشعراء عن الكتابة، ولا الفنانون عن الرسم، ولا المسرحيون عن الوقوف على الخشبة، ذلك لإداكهم أن المعركة الحقيقية لا تُخاض فقط بالسلاح، بل في حقل المعنى، والمعنى هو جوهر الثقافة، فالثقافة ليست ترفًا، بل هي شرط من شروط الوجود، فحين يُقال إن الفن ترف، يُفترض ضمنًا أنه بعيد عن الجوع، والسياسة، والألم، والاحتلال. لكن الحقيقة أن الثقافة هي ما يُبقي الشعوب متماسكة حين تتكسر المدن؛ إنها البنية الرمزية التي تحفظ الذاكرة وتُعيد ترتيب الفوضى.
عدوان ممنهج على الذاكرة والبنية الثقافية ..
منذ نكبة 1948، استهدفت العصابات الصهيونية المنجز الحضاري والثقافي الفلسطيني، فمحَت الحواضر، وهدمت المكتبات، وطمست المعالم. ويكفي أن نعلم أن مدينة يافا، التي كانت عاصمة للثقافة العربية قبل الاحتلال، تعرضت لعملية محو ممنهجة شملت شوارعها ومكتباتها ومسارحها وإرثها الحضاري.
واليوم، في ظل المقتلة التي يعيشها قطاع غزة بفعل العدوان الإسرائيلي المتواصل، يتكرر المشهد نفسه لكن بأدوات أكثر تدميرًا. فالعدوان الأخير لم يضرب فقط البيوت، بل دمّر بنية ثقافية عريقة لطالما تميز بها هذا القطاع الصغير في الجغرافيا، الكبير في رمزيته وتاريخه.
أولاً: تدمير البنية التحتية الثقافية
تعرّضت مراكز ثقافية ومكتبات عامة ومسارح ومتاحف للقصف الكلي أو الجزئي. مراكز كانت تحتضن العروض والمواهب والذاكرة، سُويت بالأرض، أُغلقت مدارس الفنون والموسيقى، وتوقفت أنشطة ثقافية كانت تُعد متنفسًا وحاضنة لأجيال من المبدعين.
ثانياً: تقييد حرية التعبير
في زمن الحرب، تصبح حرية التعبير مهددة من جهات متعددة: الخوف من القصف، الرقابة الاجتماعية، والانهيار العام في بنية الحياة. كثير من الفنانين والكُتّاب باتوا عاجزين عن التعبير، بعضهم يمارس رقابة ذاتية خشية أن يُساء فهم عمله الفني. يقول أحد الرسامين في غزة: "لا أستطيع رسم ما أشعر به، لأن اللوحة قد تُفسَّر كتهديد، أو تُستخدم ضدي."
ثالثاً: ضياع التراث المادي وغير المادي
تعرضت مواقع تاريخية في غزة لأضرار مباشرة منها بيت العَلَمي في حي الشجاعية، ومسجد السيدة رقية الذي يعود لمئات السنين، إذ أن القصف لم يميز بين الحجر والبشر، فطال المعالم التي تحفظ ذاكرة المكان.
أما التراث غير المادي، من حكايات وأغاني وأمثال ولهجات، فقد بدأ يتآكل، فقد أدى النزوح والخوف وغياب البيئة الداعمة، إلى تراجع حضوره في الحياة اليومية. تقول الدكتورة نهى عطا الله، أستاذة التراث الشعبي: " في كل مرة تُقصف فيها غزة نخسر شيئاً من ذاكرتنا، ليس فقط البيوت بل الأغاني والقصص واللهجات والمناسبات."
رابعاً: مقاومة ثقافية رغم الدمار
ورغم كل هذا، لا تزال غزة تُبدع من قلب الرماد؛ الفنانون يرسمون على الجدران المهدّمة، الشعراء يكتبون في الظلام وناشطون يطلقون مبادرات مثل "فن على الحيطان" و"غزة تقرأ"، في محاولة لصون الهوية من وسط الأنقاض.
تقول الشاعرة إسراء حلس: "نحن لا نكتب شعراً فقط، نحن نكتب وجودنا. فالكلمة عندنا ليست ترفاً، بل أداة بقاء."
تُشير تقارير "اليونسكو" إلى أن أكثر من 50 منشأة ثقافية دُمّرت أو تضررت خلال العدوان الأخير، من بينها مركز رشاد الشوا، أحد أبرز مراكز الثقافة في القطاع. هذا ليس "أضرارًا جانبية"، بل استهداف ممنهج للذاكرة.
نحو دعم ثقافي وإنساني حقيقي ..
ورغم كل الخراب، لم يستطع الاحتلال أن يُطفئ نور الثقافة في غزة، ولا أن يصادر الحكاية. فهذه الأرض التي تنزف كل يوم، ما زالت تُنجِب شعراء، وتُقيم المعارض على الركام، وتُعيد رسم الذاكرة فوق الجدران المهدّمة.
الثقافة هنا ليست زينة، ولا رفاهية، بل فعل مقاومة يومي ولغة للبقاء نتمسك بها كي لا ننكسر، ونكتب كي لا نُمحى.
وفي ظل استمرار المجزرة، وعشرات آلاف الشهداء من أطفال ونساء وعُزّل، ومئات آلاف الجرحى والمشرّدين الذين سُلبت منهم بيوتهم ومساحاتهم الآمنة، بات واضحًا أن غزة لم تَعُد تصلح للعيش! لكننا، رغم ذلك، نعيش. نُصرّ على أن نحيا، ليس فقط بالخبز والماء، بل بالمعنى.
ولأن الثقافة لا تُبنى على أنقاض القهر وحدها، بل تحتاج إلى رئة تتنفس منها، فإن الحاجة اليوم ملحّة أكثر من أي وقت مضى إلى:
* دعم حقيقي لإعادة تأهيل المراكز الثقافية، ليس كترف، بل كضرورة لإعادة بناء الإنسان.
* إطلاق برامج بالشراكة مع "اليونسكو"، "الألكسو"، وغيرها، لترميم ما تهدّم، وتدريب جيل جديد على الفنون والإبداع كوسيلة للشفاء من الندوب.
* حفظ التراث غير المادي، عبر مشاريع توثيق رقمية، حتى لا تتبدد وتتلاشى الحكايات في هواء الشتات.
* إنشاء منصات إلكترونية للفن والأدب الفلسطيني، كي يكون لمن تبقّى من كتّاب وشعراء ورسامين صوت يسمعه العالم، بعيدًا عن ويلات الحرب.
نحن بحاجة إلى أن تُدمج الثقافة في خطط الإغاثة، لا كإضافة، بل كجزء أساس من ترميم ما هو أعمق من الحجر؛ ترميم الروح.
فحين تُقصف المكتبات والمراكز الثقافية، لا تُقصَف فقط المباني، بل تُستهدف الذاكرة، وحين يُسكت الفن، تُخنق الحكاية، وحين نكتب، نُنجو بأنفسنا من المحو.
العدوان على غزة لم يكن فقط على الناس، بل على المعنى، وعلى هذا المعنى بالذات، يجب أن نقاتل بالكلمة، بالصورة، باللحن، بكل ما فينا من حياة.