الكاتب : واصل الخطيب
رئيس التحرير
لم يعد السؤال داخل حركة فتح: كيف نحافظ على الحركة؟ بل كيف نعيد إنتاجها كحركة تحرر وطني قادرة على قيادة شعب يعيش واحدة من أخطر مراحل قضيته منذ النكبة. فالمؤتمر الثامن، مهما كانت نتائجه التنظيمية، يأتي في لحظة تاريخية يتكسر فيها النظام الإقليمي، وتدخل فيها إسرائيل طورا أكثر تطرفا واستعمارية، بينما يعيش الفلسطيني حالة إنهاك سياسي واجتماعي وتنظيمي عميقة.
لقد تأسست حركة فتح باعتبارها “حركة الشعب الفلسطيني”، لا مجرد حزب سلطة أو جهاز بيروقراطي. قوتها التاريخية لم تكن فقط في السلاح أو الكاريزما، بل في قدرتها على تمثيل مختلف الطبقات والفئات والتيارات داخل المجتمع الفلسطيني. كانت “الكتلة التاريخية” التي تحدث عنها غرامشي بصيغة فلسطينية؛ إطارا جامعا للثائر والعامل والطالب والأسير والمثقف واللاجئ.
لكن التحولات التي أعقبت اتفاق أوسلو نقلت الحركة تدريجيا من منطق الثورة إلى منطق الإدارة، ومن دينامية التحرر إلى حسابات السلطة. هنا بدأت الفجوة تتسع بين “فتح الجماهير” و”فتح المؤسسات”. ومع مرور السنوات، ترسخت داخل الحركة ثلاث أزمات كبرى:
أزمة هوية سياسية.
أزمة عدالة تنظيمية.
أزمة ثقة شعبية.
فكثير من أبناء الحركة باتوا يشعرون أن التنظيم لم يعد يعبر عن تضحياتهم، وأن الترقي التنظيمي لم يعد قائما على النضال والكفاءة، بل على شبكات النفوذ والولاءات. كما أن الأجيال الجديدة لم تعد ترى في الحركة ذلك النموذج الكفاحي الذي صنعته تجربة الشهداء والأسرى والانتفاضتين.
ومع ذلك، فإن الحديث عن نهاية فتح يبقى تبسيطا ساذجا. فالحركة ما تزال تمتلك ما لا تمتلكه أي قوة فلسطينية أخرى:
الشرعية التاريخية.
الامتداد الشعبي.
الإرث الكفاحي.
الحضور داخل مؤسسات الشعب الفلسطيني.
والأهم: ذاكرة الأسرى والشهداء.
إن كتلة الأسرى تحديدا تمثل اليوم الخزان الأخلاقي والتنظيمي الأهم القادر على إعادة الاعتبار لفتح. ففي السجون أعيد إنتاج المعنى الأصلي للحركة: الانضباط، التضحية، الثقافة الوطنية، الوحدة، ونظافة اليد. الأسرى لم يكونوا مجرد ضحايا للاحتلال، بل مدرسة سياسية وتنظيمية كاملة. ومن داخل المعتقلات تشكلت أكثر التجارب الفتحاوية صلابة ووعيا.
لذلك فإن أي مشروع حقيقي لإعادة بناء الحركة يجب أن يبدأ من إعادة الاعتبار للكوادر التاريخية والحركة الأسيرة، لا بوصفهم رموزا احتفالية، بل شركاء فعليين في القرار والتنظيم وصياغة المشروع الوطني.
أولا: إعادة تعريف فتح كحركة تحرر لا كإطار سلطوي
المطلوب هو استعادة التناقض الرئيس مع الاحتلال باعتباره مركز البوصلة السياسية والتنظيمية. فالحركة فقدت جزءا من صورتها عندما بدت منشغلة بإدارة التفاصيل البيروقراطية أكثر من قيادة الاشتباك الوطني.
وهنا لا بد من اجراء التالي :
إعادة بناء الخطاب التعبوي.
استعادة ثقافة المقاومة الشعبية.
تعزيز الحضور الميداني في القرى والمخيمات والجامعات.
إعادة الاعتبار للعمل التطوعي والخدماتي والتنظيم القاعدي.
ثانيا: ثورة تنظيمية داخلية
فتح تحتاج إلى مراجعة بنيوية حقيقية، لا مجرد تغييرات شكلية. ومن أهم المقترحات:
تحديد سقف زمني للمواقع القيادية ومنع احتكار المواقع التنظيمية.
إعادة الانتخابات الداخلية الدورية على أساس الكفاءة والتاريخ النضالي.
تفعيل الرقابة التنظيمية والشفافية المالية.
إعادة بناء الأقاليم والمناطق على أساس الفعل الجماهيري لا التوازنات الشخصية.
إنشاء مدارس إعداد فكري وتنظيمي لإنتاج كادر سياسي مثقف.
إدماج الشباب والمرأة في مواقع القرار بصورة فعلية.
لقد أدرك لينين مبكرا أن التنظيم الثوري لا يعيش على التاريخ فقط، بل على “إنتاج الكادر”. بينما رأى ماركس أن أي حركة تفقد صلتها بالطبقات الشعبية تتحول إلى جهاز منفصل عن المجتمع. وهذا ما يجب أن تتنبه له فتح اليوم.
ثالثا: إعادة الاعتبار لمناضلي فتح القدامى
الكثير من الكوادر التاريخية جرى تهميشها أو دفعها إلى الهامش رغم ما تمتلكه من خبرة ورصيد نضالي. هؤلاء ليسوا عبئا على الحركة، بل ذاكرتها السياسية والأخلاقية.
ولذلك نرى انه من الضروري:
تشكيل مجلس استشاري ثوري من القادة التاريخيين والأسرى المحررين.
الاستفادة من خبراتهم في التأهيل والتنظيم.
إنهاء حالة القطيعة بين الأجيال.
توثيق التجربة النضالية الفتحاوية وتحويلها إلى مادة تثقيفية للأجيال الجديدة.
فالحركات الثورية التي تفقد ذاكرتها تتحول بسرعة إلى هياكل خاوية.
رابعا: المصالحة مع الشارع الفلسطيني
استعادة ثقة الناس لا تتم بالشعارات، بل بالممارسة اليومية. المواطن الفلسطيني يريد أن يرى حركة:
تدافع عن الفقراء.
تنحاز للعمال والموظفين.
تقف مع المخيمات.
تواجه الاستيطان.
تحمي القدس.
وتعيش معاناة الناس لا فوقها.
لقد تغير الوعي الشعبي الفلسطيني، وأصبح أكثر حساسية تجاه قضايا العدالة والفساد والامتيازات. وأي محاولة لاستعادة الشعبية دون إصلاح داخلي حقيقي ستكون مجرد عملية تجميل سياسية مؤقتة.
خامسا: نحو فتح جديدة لا تنكر تاريخها
المطلوب ليس الانقلاب على فتح، بل العودة إلى روحها الأولى:
فتح التي صنعتها الكرامة، لا الامتيازات.
فتح التي بنتها المخيمات، لا البيروقراطية.
فتح التي قادها الأسرى والشهداء والمثقفون والمناضلون.
إن المؤتمر الثامن يمكن أن يكون لحظة عبور تاريخية إذا امتلكت الحركة شجاعة النقد الذاتي، وأعادت بناء علاقتها مع شعبها، وفتحت المجال أمام جيل جديد يحمل الروح الكفاحية ذاتها.
أما إذا تحول المؤتمر إلى مجرد إعادة إنتاج للتوازنات القديمة، فإن الأزمة ستتعمق، لأن الشعوب لا تمنح شرعية دائمة لأي حركة مهما كان تاريخها.
وفي زمن التحولات الكبرى، لا يكفي أن تمتلك الحركة ماضيا عظيما؛ بل يجب أن تثبت أنها ما تزال قادرة على صناعة المستقبل.



