الكاتب : هيثم جابر
عندما صعد ..تشي جيفارا.. منصة الأمم المتحدة في العام 1964 في أقصر خطاب في تاريخ الأمم المتحدة،القى جملتين ونزل عن المنصة،لم يستغرق هذا الخطاب سوى ثواني معدودة،حيث قال (الحرية أو الموت)بهذه الكلمات لخص جيفارا مفهوم الدولة التي تريدها الشعوب المقهورة الواقعة تحت الاحتلال. لخص مفهوم الدولة التي يجب أن تكون لها سيادتها وقرارها السيادي ،على أراضيها مياهها وسمائها وحدودها وشعبها ،والاهم من ذلك قرارها السيادي وإلا الموت هو الخيار الآخر. الدولة التي يسعى لها أي شعب تحت الاحتلال، ولديه مشروع تحرري يجب أن تمتلك قرارها السيادي في كل شيء ولا تكون تابعة لأي دولة أخرى ،خاصة الدول الاستعمارية ،التي نهبت خيرات الشعوب والأمم ،ولم تعترف بإستقلال الدول المقهورة والشعوب المغلوبة على أمرها الا عنوة .
يجب أن تكون هذه الدولة مستقلة تمتلك إرادتها واستقلاليتها في اقتصادها ..في مناهجها التعليمية..في فكرها..لا أن تكون تابعا لشرق أو غرب يفرض عليها ماذا تعلم ابنائها ..يفرض عليها من يحكم ومن لا يحكم .
المسألة السيادية والقرار المستقل هو جوهر هذه الدولة،لا الحجارة ولا الحدود ولا الشوارع وغيرها..البشر والشعب هم أعمدة هذه الدولة وهم من يصنعون مستقبلها وحاضرها.
والانكى من ذلك هو أن يفرض عليك المستعمر إقصاء وإبعاد من كانوا وقودا لمشروع التحرر والاستقلال .الفئة المناضلة من الشعب . أولئك الذين ضحوا بأعمارهم وابنائهم واسرهم من أجل أن تعيش شعوبهم بحرية وكرامة.
خلال مشروع التحرر لاي شعب في العالم كانت الفئة المناضلة والمثقفة هي في مقدمة الصفوف لبناء الدولة و مشروعها التحرري ،لان استقلال الدول لايبنى ولن يبنى الا على أكتاف الشهداء والأسرى والجرحى ومن ضحى بالغالي والنفيس من أجل حرية شعبه.
في كوبا عندما قاد ثوارها مشروعها التحرري ضد الإمبريالية العالمية كان هؤلاء الثوار والمناضلون هم قادة الثورة والمرحلة.
الوفد الفيتنامي في باريس في ستينات القرن الماضي عطل المفاوضات مع الامريكان لاشهر عديدة بسب مسائل بروتوكولية ،من بينها شكل طاولة المفاوضات وترتيب الجلوس حيث أراد كل طرف أن يعكس شكل الطاولة اعترافا سياسيا بمكانة الأطراف المشاركة، وفي النهاية تم التوصل لأن يكون شكل الطاولة مستديرة كبيرة . وخضع المستعمر الأمريكي للمفاوض الفيتنامي.
الخلاف على شكل الطاولة عطل المفاوضات لاشهر عدة،فما بالك لو طلب هذا المستعمر من المظلوم والمقهور إقصاء مناضليه أو أسراهم أو جرحاهم أو تغير المناهج التعليمية بحجج السلام ونبذ الإرهاب.ماذا سيكون الرد؟
الرد الوحيد ما قاله تشي جيفارا الحرية أو الموت ..هذه الدولة التي يريدها المظلوم والمقهور الواقع تحت الاحتلال.
على مدار التاريخ لم يخضع شعب مقهور للمحتل ولا يجوز أن يخضع.
خرج الأسير المناضل نيلسون مانديلا ليقود بلاده ،ليقود دولة بعد ثلاثين عاما من الأسر .هكذا كافأه شعبه وأمته بأن انتخبوه ووضعوه في رأس الهرم الذي يستحقه.ولم تقم ثورته باقصائه لانه ارهابي ومتمرد .
الثورة أو الدولة التي تستجيب لمطالب المحتل والمستمر باقصاء أسراها ومناضيليها وتتنكر لشهدائها ،هذه دولة تكرس الاحتلال والتبعية للمستعمر ولا علاقة لها بالتحرر أو الاستقلال.
هي دولة تبحث عن القشور ودولة الحجارة والحدود لا دولة الإنسان والشعب ،في المقابل هذا المستعمر لم يعط شيء ،ولا يعترف اصلا بوجودك كمفاوض تمثل شعبا آخر . ويريد إنهاء ظاهرة اسمها شعب يطالب بحقوقه الوطنية كما في الحالة الفلسطينية.
المحتل اليوم يريد اقتلاع شعبنا من جذوره ويرفض اصلا أن يجلس مع أي كيان فلسطيني مهما كان . والشواهد على الأرض بادية للجميع ويعرفها الجميع من قتل ،وتشريد، وإبادة، جماعية لشعبنا ، والزحف الاستيطاني ،ومصادرة الأراضي وملاحقة الناس حتى في قوت يومها.
استقلالنا الحقيقي هو الاستثمار في شعبنا وأمتنا وقرارنا السيادي المستقل وتكريم الفئة المناضلة من أسرى وشهداء وجرحى واختيار المنهج التعليمي الذي نريد
لا بنائنا وليس الاستجابة لمطالب الأمريكي والصهيوني بإقصاء مناضلينا واسرانا ووسمهم بالإرهاب ،لاننا اذا قبلنا هذه المعادلة لن يكون لنا حاضر ولا مستقبل ولا وطن ولا مشروع تحرري وانما كيان هش يحمل عن الاحتلال المسؤولية .
الثورة التي تريد التحرر تحترم ابنائها وأسراها وشهدائها ولا تفرط في قطرة دم من دمائهم وعذاباتهم ..الدولة الحقيقية هي القرار السيادي المستقل ..دولة الإنسان..
يجب أن نحرر عقولنا وتحرر الإنسان قبل الحدود والحجارة والأرض.



