الكاتب : أحمد دخيل
في مثل هذه الأيام من آب عام 2008، أغلق محمود درويش عينيه، لا ليغفو، بل ليفتح باب تأمل جديد.
ما كان الموت عنده ختامًا، بل استعارةً في قصيدة لم تنتهِ.
قالها كمن يوصي:
"لا أريد لهذه القصيدة أن تنتهي."
كأنه كان يعلم أن بعض الأرواح لا تُغلق الأبواب خلفها حين ترحل، بل تفتحها على مصراعيها للشعر، وللشوق، وللحنين.
لم يكن درويش سفير القضية فحسب، بل سفيرًا للبشرية، يصطاد نصوصه من أعماق الوعي، ويصوغ البلاد من ضوء، لا من تراب، ويعيد تشكيل الوطن لا كجغرافيا، بل كبوحٍ، كأمّ، وكسحابةٍ تمشي على ضوء.
وحين اقترب الموت منه، لم يرتجف.
استقبله كما يُستقبلُ الضيف العائد، ونثره كما يُنثر الفرح.
في "جداريته"، كتب:
"هزمتك يا موتُ، الفنونُ جميعُها..."
فأعطى للكلمة شكل النجاة، وجعل من النص طريقًا إلى الخلود.
كان الشاعر الذي انحنى للقصيدة دون أن يجعلها تعلو فوقه.
لم يكن صوفيًا بالمعنى الاصطلاحي، لكنه كان تأمليًّا عميقًا.
كان يدرك أن الكلمة إن لم تُطهّر سريرتك، فلن تُطهّر العالم.
وحين كتب عن البقاء والفناء، لم يسلك درب الجرأة العابثة، بل درب النقاء المعرفي، حيث تركع القصيدة من تلقاء نفسها.
قال:
"علّمني هذا الموت كلّه أن أحب الحياة."
فأعادنا من جحيم اليومي، لا بشعارات فارغة، بل بيقين الشعر، وبساطة المعنى، ومحبة الذين غابوا دون وداع يليق بهم.
فلسطين ودوام الحضور
لم يرفعها في شعار، بل حملها في دمه.
لم يكتب عنها كما يفعل الساسة، بل كما يكتب العشّاق المتوجّسون من الفقد.
في نصوصه، كانت فلسطين امرأةً، والقدس خيمةً، والمنفى مرآةً للدار.
وحين خُنقت القصائد، صاح بنا:
"على هذه الأرض ما يستحق الحياة."
فاسترجعنا إيماننا رغم البنادق، رغم الخراب، رغم الخوف.
لو عاد درويش...
لو سار في دروب غزة اليوم،
لكتب عن الشهداء كما يكتب عن العاشقين،
وعن الأطفال كما عن الياسمين،
وعن الركام كما يكتب عن الدور المهجورة الموعودة بالحنين.
لو رأى ما جرى في جباليا وخان يونس ودير البلح،
لما صرخ، بل ناح... ثم كتب.
لا رسائل غضب، بل رسائل تفيض نقاءً:
"هنا الموت ليس نبيًّا، بل خبز الفقراء،
هنا الحياةُ مجازٌ عاجزٌ عن النجاة..."
كان سيعيد لغزة نبوءتها، لا بالغضب، بل بالأمل.
كان سيقول من قلبه المجروح:
"أنا من هناك... ولي ذكرياتٌ."
ثم يُشير إلى الركام، ويتمتم:
"هنا وُلدتُ ثانيةً... من رماد القصيدة."
في ذكراه
لا نكتب رثاءً لدرويش لأنه غادر،
بل نحييه لأنّ نصّه ما زال يسند لغتنا من الانحدار،
ولأن كل من قرأه، صار أكثر أنسنة، وأقل استعدادًا للكره.
سلامٌ على محمود درويش،
في سمائه،
وفي نشيده،
وفي كل من تذكّره لحظة ألم،
فأغمض عينيه، وتلا له...
كما يُتلى الدعاء في سكوت الناجين.
* شاعر و صحفي فلسطيني لاجىء في سوريا / أمين سر منتدى محمود درويش الثقافي في مخيم جرمانا بدمشق



