رام الله - واثق نيوز- أصدر الاتحاد العام للكتّاب والأدباء الفلسطينيين، اليوم السبت، بيانًا بمناسبة اليوم العالمي للشعر، جاء فيه:“ثمانون ألف قصيدةٍ ويزيد لكل روحٍ ارتقت إلى ربها في فلسطين، تشتكي ظلم الظالمين، تركت أرضها للدمار والخراب على يد طغاةٍ جبابرةٍ من غير عدلٍ ولا رحمة. ثمانون أغنيةً كانت تُلوّن الحياة سعيًا للسلام والطمأنينة، وتركض خلف عقارب الوقت لآمالٍ كثيرة، تجعل من الشعر تعبيرًا عن فرحها، وتتويجًا لمسعاها. وهي اليوم خزينةُ غيماتٍ، وأسرارُها دُسَّت في ترابٍ أسمر. ولو لم يبطش الاحتلال الإسرائيلي ويرتكب الإبادة الوحشية، لكانت كل روحٍ زهرةً تحت الشمس، أو بذرةَ ضوءٍ في دروب العتمة، لكانت نايًا لنوتة سعادة، وماسةً في بطن البحر تنتظر شاطئها.
في اليوم العالمي للشعر، لن نترك المخرز في العين، ولن نُسلِّم الخدَّ لكفّ القاتل، بل نجعل من الإرادة منهجًا، وكفاحًا، ومواصلةً لمواجهته، وتتويجَ الدم المقدس أوسمةً للصاعدين إلى الخلود. هو الشعر خميرةُ خبز البقاء لسموّ الذائقة البشرية، وتطهيرُ الأسماع من صوت الموت الكثيف، وتلميعُ نجوم الأرض من غبار العابرين الثقال. وبالشعر نرفع أجراس حناجرنا لتنتصر اللغة على القنبلة المجرمة، وينتصر الحرف على الصاروخ المدمّر، وتنتصر العبارة على الطائرة القاتلة، ولتنتصر بندقية الثائر على جور المحتل الغاصب. وبالشعر نعيد ترتيب كتف المعاجم المائلة، وننتصر للمكتبات المحروقة، والكتب المدفونة، والحبر المدفون بين الركام.
ولأننا ننتصر بالشعر وللشعر، فقد تعمّدنا في الاتحاد العام للكتّاب والأدباء الفلسطينيين أن نبرهن على مسح الهوامش عنه، بتوقيع اتفاقية “جائزة فلسطين الدولية للشعر”، بالشراكة مع التجمع الدولي لاتحادات الكتّاب، وحركة الشعر العالمية، واتحاد كتّاب عموم إفريقيا، تثبيتًا للمقولة المقاومة، وللنور الجسور في صخور الظلام، ودفعًا لسكين القاتل عن رقبة الحياة المشتهاة، وانتصارًا للشهداء الشعراء في ربوع الوطن، وعلى مذابح الحرية الممتدة في الكون والفضاء. كانت الجائزة النداء الأخلاقي القادم من خارج اللغة العربية، ومن غير الناطقين بها، لتجلس على متكأ الحق الفلسطيني، وتسود في زمن الانهيارات المؤلمة، وتغوّل الخارجين عن الإنسانية، وصنّاع الموت الأسود.
لتنطلق جائزتنا وهي تحمل أسماء الشهداء الشعراء في قطاع غزة: سليم النفار، وعمر فارس أبو شاويش، وهبة أبو ندى، وعصام اللولو، وكوكبةٍ مضاءةٍ في سماء الفداء والتضحية، ارتقت في زمن الإبادة الدموية المدمّرة. ولم تكن الجائزة مجرد ديكورٍ في صالوناتٍ فخمة، ولن تكون، بل هي رسالة نبيلة يحمل أمانتها كل شاعرٍ عالميٍّ ملتزمٍ بقضايا الشعوب، وفارسٌ من فرسانها، دون وجلٍ من دبابة، أو رصاصة، أو حتى موجة بارجة. فالشعر أقوى من الفناء، وهو روح الذاكرة، وألوان البقاء الزاهية.
وسنُعلِّم بالشعر القتلة كيف يعودون إلى إنسانيتهم، ويتركون الأحزمة الناسفة بعيدًا عن بيوت الأبرياء، وكيف يسمعون موسيقى النقاء بعيدًا عن أصوات المدفعية العمياء والذخيرة الفتّاكة. سنعلّمهم كيف يستغفرون، ولا يواصلون قتل الينابيع الساحرة، في قصيدةٍ وُلدت مع نور الشمس لتسلّم على سنابل الروابي الواسعة. كيف يعودون عن سفك الدماء بمعزوفةٍ صنعت الحياة من رموش حسناء استحقت الكرامة وغدرتها أمية القتلة. سنمحو أمية الشعر برفع مشاعله فوق تلال الزيتون، ليتكلم الزيت من أغصانه، وسنُرجِع بناء السكينة بالشعر، ولن نستسلم لرغبة القتلة، بل سنُعلِّم دفن القتل السريع والظالم إذا ما تمّت ملاحقتهم ووضعهم في محاكم العدل، لينتصر الضحايا ويُهزم البطش المسموم.
في يوم الشعر العالمي، نحيّي الشعراء في كل بقاع الأرض الذين انتصروا لفلسطين، القضية العادلة، ووقفوا مدافعين عن حقوق شعبنا في ميادين الأدب والثقافة والشعر والكلمة الصادقة. نحيّي محبّي الشعر في العالم، ونطالب من ضلّ من الشعراء ووقف مع الباطل بالتوبة العاجلة، والعودة عن الغيّ، وتلميع وجه القاتل، ومسح سكينه الناحرة. كما أننا نطالب المطبّعين مع الاحتلال الإسرائيلي من أولي الضلال بالعودة إلى شعوبهم الطاهرة، وإعادة الإرادة الصافية لتحقيق عدل الله في الأرض، وترك المصالح الآنية.
ليحيا العالم بالشعر الداعي إلى الحياة، صانع الجمال في أزمنة الطيش والفوضى.
ولأن يوم الشعر العالمي يصادف يوم عيد الأم، نحيّي كل أم شهيدة، وابنة شهيدة، وجارتها، وكل أم فلسطينية نسجت بمغزلها حلمًا للأجيال القادمة، ووقفت أمام خيمتها، من بعد دمار بيتها، صابرةً صامدةً، لتهزم الموت وتعلّم الغزاة أبجدية الحياة ولو بصمتها. كل عام لكل أم في الوجود حفظت الأمانة وضحّت من أجل العدالة.
الرحمة للشهداء في فلسطين والمعمورة
الشفاء للجرحى والمصابين
والحرية للأسرى البواسل
والمجد كل المجد لشعبنا الصابر المحتسب
وليبقَ الشعر عين الغزالة، وانعكاس الشمس في سهول الحياة”



