الكاتبة : سهير سلامة
حين تهفو القلوب إلى البيت العتيق، وتشد الرحال نحو أطهر بقاع الأرض، تبدأ رحلة ليست كسائر الرحلات، رحلة تتجاوز حدود المكان والزمان، لتغوص في أعماق النفس الإنسانية، باحثة عن الصفاء والنقاء والقرب من الله. إنه الحج، ذلك الركن العظيم الذي تتجلى فيه أسمى معاني العبودية والخشوع، وتلتقي فيه الأرواح، على مائدة الإيمان والمحبة.
في موسم الحج تذوب الفوارق بين الناس كما يذوب الملح في الماء، فلا غني يتقدم بماله، ولا صاحب منصب يعلو بسلطانه، بل يقف الجميع في ثوب الإحرام الأبيض، رمز الطهارة والمساواة، وكأنهم صفحة واحدة كتبت عليها معاني الأخوة الإنسانية بأجمل حروفها.
هناك في بقعة ارضية، ليست كباقي البقاع، تتوحد الوجوه نحو قبلة واحدة، وترتفع الأكف بالدعاء نفسه، وتنبض القلوب بأمل واحد هو نيل الرضا والعون والمغفرة.
انه بعد اجتماعي عظيم، لا يقل شأنا عن بعده التعبدي، فهو مؤتمر إنساني عالمي، تتلاقى فيه الشعوب والثقافات، وتتعارف فيه الأمم على اختلاف ألسنتها وألوانها. وفي زحام المشاعر المقدسة تلك، يتعلم الحاج الصبر والإيثار والتعاون، ويكتشف أن الإنسان لا يكتمل إلا بأخيه الإنسان، وأن الرحمة والتسامح هما أساس العمران وبناء المجتمعات.
الوقوف على صعيد عرفة، وحده عالم اخر، تتجسد صورة مهيبة من صور الوحدة البشرية، ملايين القلوب تخفق بخشوع، وملايين الألسنة تلهج بالذكر والدعاء، في مشهد يذكر الإنسان بحقيقته الأولى، ويعيد إليه وعيه بأن الدنيا مهما اتسعت تبقى محطة عابرة، وأن الخير هو الزاد الذي يبقى أثره بعد الرحيل.
يعود الانسان إلى أهله ووطنه، وقد غسل الإيمان ما علق بروحه، من أدران الحياة، وعادت نفسه أكثر صفاءا ورحمة وتواضعا، فيحمل معه قيما جديدة تنعكس على افعاله كلها، فيغدو موسم الحج وسيلة لإصلاح الفرد وبناء المجتمع معا.
ويبقى الحج مدرسة إيمانية وإنسانية خالدة، تتعانق فيها الأرض بالسماء، ويلتقي فيها السلوك بالعبادة، وتشرق من خلالها معاني الوحدة والتكافل والمحبة. نعم، إنه نداء الروح إلى خالقها، ورسالة الإسلام الخالدة التي تؤكد أن البشر جميعا إخوة، وأن أعظم ما يجمعهم هو الإيمان والقيم النبيلة.
انه موسم الطاعات العظام، رحلة الروح ووحدة المجتمع، هو ليس مجرد انتقال من مكان إلى آخر، بل رحلة روحية عميقة، يتجرد فيها الإنسان من مظاهر الدنيا وزينتها، متوجها بقلبه وعقله إلى خالقه الواحد الاوحد.
في موسم الطاعات تتجه تلك الأنظار، والقلوب، من مختلف بقاع الأرض، إلى البيت الحرام، أنه مدرسة تربوية متكاملة تهذب النفس وتنمي القيم الإنسانية الرفيعة.
وتبقى هذه الشعيرة العظيمة، رمزا للوحدة، والتسامح والتجرد، من الأنانية، ومناسبة عظيمة يتجلى فيها التلاحم بين المسلمين. إنه رحلة تجمع بين عبادة الخالق وخدمة الإنسان، وتؤكد أن الدين ليس طقوسا فحسب، بل منظومة قيم تبني الفرد وترتقي بالمجتمع بأكمله.



