الكاتب: الشاعر: د.يوسف حنا
.
في الغرفِ المغلقةِ
تُصاغُ مواسمُ النار،
هناك من يحرثُ الخرائطَ
بأظافرِ البارود،
في الطوابقِ العاليةِ
تُفصَّلُ للمدنِ أكفانُها،
أيادٍ بعيدةٌ ترتّبُ للريحِ اتجاهَها الدموي،
على موائدَ باردةٍ
تُقسَّمُ أعمارُنا كغنائم،
ثمةَ من يُدرِّبُ الفجرَ
على لونِ الدخان،
تُفصَّلُ الجهاتُ على صفيحِ الطاولات،
وتُطوى المسافاتُ كما تُطوى خرائطُ الغياب،
البيوتُ
تجرّبُ أَذرعُها الخشبية
على مقاساتِ الفقد،
وتتعلمُ كيف تصيرُ صدورًا
للأسماءِ التي سقطت.
الدمُ
لا يُرى… لكنه
يتبخّرُ من مسامِّ الحيطان،
بخورًا داكنًا
يعلّقُ ظلالَهُ في الهواء،
ولا ينصرف.
وأَنا —
في أقصى الجهةِ من هذا الكوكبِ المتعب —
أُقيمُ في فكرةٍ اسمُها أَنتِ.
يدي
تتلمّسُ الفراغَ
كما لو أنّه جلدُكِ،
وتحلمُ أَنْ تهتدي إِليكِ
كما تهتدي سفينةٌ محطّمة
إِلى نجمةٍ واطئة.
روحي
جرحٌ يتقنُ التنفّس،
سحابةٌ نسيتْ عنوانَ المطر،
تدفعُها شمسٌ بلا شفقة
وريحٌ فقدتْ طفولتَها،
تبحثُ عن وردةٍ
مدفونةٍ في خاصرةِ الرمل.
من نافذتي المفتوحة
أَرى ظلّين يلتصقان،
كأَنّ العناقَ
آخرُ ما تبقّى من اللغة.
وقُبلتي المؤجَّلة
لهيبٌ صغير
يرتعشُ فوق خشبِ الانتظار.
يمضونَ إِلى الحربِ
كأَنّهم إِلى صخبٍ احتفالي،
وأَنا أَتهيّأ
لرحلةٍ معاكسة:
إِلى حبٍّ مخبوءٍ بعناية،
كثوبٍ لا يُلبس
إِلا في سرِّ المساء.
امرأَةٌ الآن
تقلّبُ فنجانَها ببطء،
تراقبُ نشراتِ النار،
ولا تدري
أَنّ قلبي يقرأُ خطوطَ يدِها
كنصٍّ سريّ.
تقولُ: أَنا معك،
وأَسمعُ: أَنا مسكنُك.
نلتقي
في المسافةِ بين حرفين،
حيثُ البحرُ فكرةٌ،
والقصيدةُ شاطئ.
خسرنا؟
ربّما.
لكنّ الحربَ ظلٌّ عابر،
والحبُّ
أَثرُ الضوء.
ولا متّسعَ لقبلةٍ
تفيضُ حبرًا
من شقوقِ رسالةٍ
مخبّأةٍ
كجمرٍ حيّ
في قلبكِ.
.



