بيروت-وكالات-توفي الفنان الموسيقي والمسرحي اللبناني زياد الرحباني عن 69 عاماً اليوم السبت، بعد مسيرة فنية استثنائية امتدّت لنحو خمسة عقود، شكّل خلالها أحد أبرز الأصوات في الثقافة والموسيقى والمسرح العربي. زياد الرحباني، المولود في 1 يناير/ كانون الثاني 1956، هو نجل المطربة فيروز والموسيقار الراحل عاصي الرحباني، لكنّه سلك خطاً فنياً وفكرياً خاصاً، تميّز بالنقد السياسي والاجتماعي اللاذع.
برز الرحباني في سنّ مبكرة، حين كتب مسرحية "سهرية" (1973) ولحّنها وهو في السابعة عشرة من عمره، قبل أن يُحقّق حضوراً جماهيرياً واسعاً من خلال أعمال مثل "نزل السرور" (1974)، و"بالنسبة لبكرا شو؟" (1978)، و"فيلم أميركي طويل" (1980)، و"شي فاشل" (1983)، و"بخصوص الكرامة والشعب العنيد" (1993)، و"لولا فسحة الأمل" (1994)، والتي حوّلت المسرح اللبناني إلى منبر سياسي واجتماعي يعكس واقع ما بعد الحرب الأهلية وتفكّك الدولة.
ولا يمكن الحديث عن الموسيقى العربية المعاصرة من دون التوقّف عند تجربة زياد الرحباني الذي شكّل، طوال أكثر من أربعة عقود، نبرةً متفرّدة. ومزج زياد الرحباني ببراعة بين الموسيقى الشرقية وموسيقى الجاز والبلوز والفانك والموسيقى الكلاسيكية الغربية.
كتب الراحل الكبير لوالدته فيروز ولحّن مجموعةً من الأغاني التي شكّلت تحوّلاً نوعياً في مسيرتها، وأدخلتها إلى فضاء جديد أكثر التصاقاً بالواقع والناس، بعيداً عن الصورة المثالية التي ارتبطت بها خلال فترة الأخوين رحباني. غنّت له فيروز: "كيفك إنت"، و"مش كاين هيك تكون"، و"عودك رنان"، و"قال قايل". ومن الأعمال الموسيقية الأخرى التي لحّنها لوالدته "أنا عندي حنين"، و"حبيتك تنسيت النوم"، و"سلّملي عليه"، و"سألوني الناس"، وغيرها من الأغاني التي طبعت مسيرة فيروز الغنائية.
وتعاون أيضاً مع ماجدة الرومي ولطيفة، وشكلت ثنائيته مع جوزيف صقر (1942 ــ 1997) علامة فارقة. عام 2018، افتتح زياد الرحباني مهرجانات بيت الدين الدولية في استعراض موسيقي لأعمال له وللأخوين الرحباني تخللتها لقطات تمثيلية وتعليقات ساخرة. وقدّم على مدى نحو ساعتين نحو 26 مقطوعة موسيقية وأغنية مع فرقة كبيرة.
ونعاه وزير الثقافة في لبنان، غسان سلامة، على حسابه عبر منصة إكس حيث كتب: "كنا نخاف من هذا اليوم، لأننا كنا نعلم تفاقم حالته الصحية وتضاؤل رغبته في المعالجة. وتحوّلت الخطط لمداواته في لبنان أو في الخارج إلى مجرد أفكار بالية، لأن زياد لم يعد يجد القدرة على تصور العلاج والعمليات التي يقتضيها. رحم الله رحبانياً مبدعاً سنبكيه بينما نردّد أغنيات له لن تموت".
الكاتب : جميل الشبيبي
تسرد رواية «الحب في ضراوة الاحتلال» (ببلومانيا للنشر والتوزيع، 2024) للروائي فاضل خضير، عودة المهاجر (سامر) إلى وطنه عشية الاحتلال الأميركي للعراق عام 2003، وتتناول الخراب الذي حل بالأمكنة والبيئة والناس نتيجة ما قامت به القوات المحتلة، وذلك من خلال عين هذه الشخصية بوصفها عين كاميرا تلتقط تفاصيل ما أحدثه الاحتلال. السارد، سامر، يجد نفسه طارئاً خارج زمن الحدث. لا يستطيع أن يكون فاعلاً في هذه الأجواء، محدثاً نفسه: «مع الاستمرار في السير رحت أفقد كثيراً من تصوراتي للأماكن حتى شعرت بالغربة من هول المتغيرات، أصبحت وكأني قد فقدت ذاكرتي أو ثمة هوس داهمني (ص 9)»، لكنه يصر على استثمار وجوده الطارئ في وطنه، للتعرف على ظروف أصدقائه والبحث عن حبه الأول (رقية) التي تذكره بـ«أيام العشق العذري».
لقد غاب سامر عن وطنه فترة سبقت الاحتلال بفترة طويلة تجاوزت ربع قرن من الزمان، وخلال هذه الفترة شهد وطنه حروباً ضاريةً تمثلت بالحرب العراقية الإيرانية وحروب التسعينات ونتائج الحصار على بلاده، وبهذا المعنى فهو يعود بذاكرة معطوبة أمدها عشرون عاماً، لم يعش فيها تفاصيل تلك الحقبة في بلده، وهي من أغزر الانتكاسات والجروح العميقة في حياة الإنسان العراقي، متمثلةً بالحروب الضارية وصولاً إلى الغزو الأجنبي لأرضه!
بهذا المعنى تكون عين سامر هي التقنية الأساسية في معظم فصول الرواية، يرى فيها الشواخص المدمرة، إضافةً إلى إحساسه الطاغي بالفقدان عبر سرد الأحداث بضمير الأنا التي تشخص الخراب، وهو خلال سرده، لما يراه، يتعمق لديه الإحساس بكونه شخصيةً طارئةً على وطنه المبتلى بالاحتلال وعلى شخوص الرواية الآخرين.
لقد كان حضور سامر إلى وطنه شهادة تسجيلية، جسدتها الفصول الأربعة الأولى من روايته وكان فيها هو السارد والشخصية الرئيسية، حين أصبح هو ومواطنو بلده حبيساً بعالمية قاهرة جبارة تجبره على الحصول على أوراق «موقعة بإذنها حتى لو أراد الخروج من باب بيته بالذات (ص 114)».
وقد تعمق إحساس الفقدان والخيبة والخسران باستثمار لغة شعرية مؤثرة وضعها الروائي على لسان شخوص الرواية الآخرين وحواراتهم كي يكشف موطن عطبهم الذاتي، وكانت هذه اللغة سمة متقدمة في الرواية تحسب لمؤلفها، فهي لغة مكثفة تشير إلى ماض ضاج بالإنسانية وحب الآخر، كما يعبر عنه صديقه الأعمى نصير في أول لقاء لهما «كانت قلوبنا رقيقة، هادفة ميالة إلى الثبور، وكانت تتقطر إنسانية... أما لماذا أنا أستأنف الماضي؟ لأني رأيت بأم عيني ماذا يعني الاضطهاد... ماذا تعني الإمبريالية (ص 15)».
اتسمت لغة السرد على لسان شخوص الرواية الآخرين الذين عاشوا ماضي التجربة وحاضرها بالإحساس الطاغي بالفقدان والحسرة، وتميزت بقدرتها على التأثير على المتلقي، وأخذت دورها بالتغلغل تجاه أعماق الإنسان وخصوصياته، نسبة إلى لغة السرد بلسان شخصية سامر، التي اختصت بتجسيد مواطن الخراب والدمار بعين حيادية تبصر ولا تعلق (عين الكاميرا).
وقد اتضحت هذه الإشكالية اللغوية أيضاً في حواراته الكثيرة مع حبيبته رقية، أو عبر رسالتها الوحيدة له، إذ يتضح لسامر حجم الخسارة التي أصابت رقية وهي تلخص تجربة حياتها بعباراتها البليغة: «حالياً أعيش في الخيال على الأيام التي مضت من عمرنا قبل رحيلك... كل ما أملك من ذخيرة عمري هو فترة شبابي معك، لا أريد أن ألوث الماضي العتيد بالمشوهات التي لحقت بجمالي وأنسي، كفاني من العمر الذي أعيش فيه من الإخفاق والتردي... (ص 50)»، ثم تقول: «رحيلك أنقذ حياتك ودمر حياتي (ص 50)».
إن حوارات رقية وصديقيه نصير الأعمى، وزهير الذي كان أسيراً في الحرب العراقية الإيرانية، تعلن عن لغة محملة بالإحساس والخسران، لغة مفارقة للغة السرد التي ينطق بها السارد (سامر) تغذيها قسوة الحاضر، وتهميش الذات العراقية المتطلعة نحو أفق الحرية، وتقييد حركتها بالفوضى وصعود النكرات والمنبوذين... وللكشف عن حاضر السرد يوظف الروائي تقنية اليوميات التي كتبها صديقه نصير قبل أن يصبح أعمى، وهي تضيء جانباً من الحراك الثقافي عبر تجمعات المثقفين في المدن العراقية بدايةَ دخول القوات الأجنبية وطموحهم في تأسيس تجمعات ثقافية وسياسية كانوا محرومين منها قبل دخول القوات الأجنبية، وتوفر أجواء تسمح بالكلام والنقد والتعبير عن الرأي، وهي شهادة تسجيلية لما جرى بداية الاحتلال، فقد كان ذلك «بمثابة دافع مشجع لترويض ما في داخل النفوس من انكسارات وتشنجات فرضتها علينا قوى خارجية (ص 27)»، لكن الحرية النسبية التي توفرت أثناء دخول القوات الأجنبية قد تحولت إلى فوضى كبيرة حين «تعددت وسائل القتل وخرق القانون، أصبحنا في محور العشوائية، أعني بإمكان أي فرد أن يبني بيتاً أو محلاً في أي مكان فارغ (...) تربعت مفاهيم الحرية على عرش مشيد من الخوف والجوع (ص 28)».
ومن خلال حواراته مع صديقه زهير، تتكشف أهوال الحرب العراقية الإيرانية بوقائع صادمة عاشها زهير الأسير وهو يصف مشهداً منها: «اختبأنا بساتر الشاطئ وكنا متعبين، قوانا منهكة من جراء السير في المنزلقات الرخوة. بعد حين رأينا من أعلى الساتر أنبوبة دبابة العدو يمتد، مشرفاً على رؤوسنا، لم يعد لنا حول، (...) قادونا كالأنعام، كانت برودة الطقس كالثلج، والرياح تصر بهبوبها، خلعوا من أقدامنا الأحذية العسكرية، ثم نزعوا من أكتافنا القماصل المغطاة من الداخل بالفرو، أجبرونا على الجري أمام دباباتهم، وجنودهم كانوا يسايروننا من الجانبين (ص 60)».
لقد حمل سامر أحلامه المؤجلة وبحث عن خلاص من شرك السلطة الجائرة التي جعلت حياته جحيماً اضطره للهروب إلى خارج الوطن تاركاً ذوات تنتظر منه الخلاص: «قصة الحب بينه وبين رقية»، مرض الأم وهي تعاني من غياب الابن، وضياع أمل الأخت في حياة مستقرة آمنة مع ولدها! كلها أسئلة أثيرت أمامه الآن وهو يتعرف على طبيعة الاحتلال وما رافقه من آمال ووعود في التغيير الموعود من قبل المحتلين قبل الاحتلال، الآن تسجل عيناه مظاهر الخراب الذي أحدثه الاحتلال على بنية بلاده وجعلها أنقاضاً لا حياة فيها، إضافةً إلى أسئلة تتعلق، بجدوى وجوده في مجتمع ينظر إليه باستغراب واستنكار وهو يرى «رتابة ملابسك، وهيئتك تدل على الكياسة والاحترام (ص 67)»، كما أشار له أحد الغرباء في المقهى، وأكدته رقية أيضاً في حوار خاص معه متعجبة من سعادته بوجوده في هذا الجو المخرب «أأنت سعيد في وجودك معي في هذه الغرفة الكئيبة؟ بالتأكيد يعد هذا المكان أشد كآبة إذا ما قورن ببذخ جلساتك المريحة هناك في بلد الغربة..! (ص 80)».
إن وجوده في وطنه قد أثقل همومه وجعله غريباً حتى من ذويه: أمه وأخته وما شاهده وعاشه عن قرب لمصائر حلت بجيرانه، كالصراخ اليومي الذي يعلن عن قتل شاب من جيرانه أو فقدانه دون أمل بالعثور عليه.
في هذه الأجواء الغرائبية، تم حضوره شاهداً وفاعلاً لأحداث لم يكن طرفاً فيها، بل شاهد على تفاصيلها من ذلك: الجار الذي ينوي بيع ابنته الصغيرة إلى صديقه لقاء مبلغ من المال ينقذ به عائلته من خطر الجوع والفاقة!! وكان حدثاً مأساوياً: «لدي ثلاث بنات طلب صديقي أن أهديه واحدة، لأنه يعاني من العقم (...) مقترحاً علي مكافأة مالية، اقتنعت بالفكرة (...) فأنا رجل معوق من الصعب أن أتكفل بأكثر من طفلين، أين المعيب! أسألكم أين الخلل في ذلك...! (ص 73)».
أما السؤال الأهم الذي طرحه سامر على نفسه: «من أسهم في اضطهاد رقية... أنا أم النظام (ص 88)»، بعد أن عرف اتهامها له بتدمير حياتها عبر رسالتها القصيرة له: «رحيلك أنقذ حياك ودمر حياتي (ص 75)»، ويتعمق هذا الاتهام بحديث أمها العجوز التي أغلقت باب الصلح بينهما وأسدلت ستاراً كثيفاً على ذلك الماضي، قائلة: «لماذا لم تفكر آنذاك وأنت تغادر البلد بارتباطاتك السابقة مع الآخرين ها... أنت قد رجعت الآن بعد أكثر من عشرين عاماً، ورأيت الدمار أمامك، أنت أيضاً ساهمت بما حصل (ص 86)»، والعبارة الأخيرة تحمل مغزى أوسع: لقد كان هروبه وخلاصه الذاتي قد دمرا حياة حبيبته رقية وحياة عائلته: أمه التي أصابها الشلل وأخته التي فقدت مبررات حياتها، وكان خروجه قد مهد لدخول المحتل الأجنبي إلى بلاده لضعف من يدافع عنه!
إن معظم المشاهد التي سجلتها عين سامر تشي بخراب الوطن في بيئته وناسه، وتعلن عن ضياع هويته الوطنية، عبر بنية سردية تعكس ما فعله زمن الاحتلال بهذه الهوية، إذ أصبح المحتل «هو الدولة وهو القانون... (ص 111)»، وأصبح سامر متهماً بوطنيته بتهمة العمل مع جهاز مخابرات النظام السابق الذي هرب منه! وهي سخرية مرة أن يكون القتيل قاتلاً، وأن تصبح الهوية الوطنية متنازعاً عليها بين ماضٍ ملتبسٍ وحاضر طارد!
لقد طرحت رواية الروائي فاضل خضير «الحب في ضراوة الاحتلال» أسئلةً جريئةً عن الهجرة القسرية التي دفعت الآلاف من العراقيين إلى الهروب من وطنهم، تجاه البلدان الأجنبية، وحصولهم على الهوية الأجنبية، وموقف مواطنيهم منهم وهم يعودون إلى وطنهم القديم، للزيارة وتفقد ما بقي من آثار الماضي وشخوصه ثم يعودون إلى الملجأ الآمن.
وقد أوجزت كلمات «رقية» إشكالية «الوطني» الذي عاد إلى وطنه للزيارة وتفقد الماضي «الجميل» حين خاطبت سامر في رسالة قصيرة: «عش حياتك كما تشاء، ابتعد عن خصوصياتي، لم أعد أناسب زهوك الذي رأيتك فيه، وجه محمر، يزخر بنشوة الرفاه، وقامة ممشوقة، وهيكل صلد مهيوب، يسيل له لعاب النساء!! (ص 50)».
كتاب الشاعر المتوكل طه الجديد في الشعر الفلسطيني، من الثورة إلى الحرب: إبراهيم طوقان ابو سلمى، محمود درويش، وشعراء الضفة والقطاع
ثقافة " الثلاثاء الحمراء" في مواجهة ثقافة " السداسية الزرقاء"
الكاتب : د.مازن مصطفى-لندن
فور تصفحي لهذا الكتاب، استوقفتني شحنة الصدق فيه، وحرارته العالية في زمنٍ هبطت فيه السقوف، وتراجعت فيه القيم، وسادت فيه لغة الخنوع والتطبيع. هنا يعيدنا الصديق الشاعر المتوكل طه إلى وهج البدايات، إلى جذوة الشعر الفلسطيني المشتبك، عبر استحضار قصيدة “الثلاثاء الحمراء” بوصفها بيانًا شعريًا ضد ثقافة “السداسية الزرقاء” التي يلوّح بها اليوم بعض دعاة التطبيع والانكسار.
منذ أيام الدراسة والزمالة طلاباً في “ساح الوغى” ـ جامعة بيرزيت، وأنا أتابع المتوكل طه بشغف، قارئًا ومُصغيًا إلى ما يكتبه أو يُلقيه من شعرٍ ونثر، فقد كان ـ ولا يزال ـ الامتداد العضويّ للشعر الفلسطيني المقاوم، والابن الشرعيّ لذلك النسيج الوطنيّ الذي تشكّل في سبعينيات القرن الماضي، مع تصاعد الوعي الوطنيّ، سواء يساراً أو يميناً، وصولًا إلى الانتفاضة الكبرى، ثم إقامة السلطة الفلسطينية، فزمن الطوفان العظيم.
وإذا كنت أرى في المتوكل طه شاعرًا، فإنني أراه أيضًا جبهةً وطنيةً متكاملة من الشعراء، تُشبه في تكوينها وجوهرها حركة فتح ذاتها، التي ما زال المتوكل ممسكًا بجمرتها بيده، حارقًا بها ما التوى أو انكفأ أو تشوّه في النسيج الأول البهيّ.
وفي وفائه لهذا الامتداد، وهو الذي تربطه بالشعراء على اختلاف الأجيال علاقة شخصية هي جزء من " الشراكة الشعرية" لا يتردد المتوكل في العودة إلى الآباء المؤسسين للشعر الفلسطيني: إبراهيم طوقان، عبد الرحيم محمود، أبو سلمى، وفدوى طوقان، وكذلك وفي غير مكان إلى الأبناء المؤسسين: محمود درويش، توفيق زيّاد، سميح القاسم، طه محمد علي، راشد حسين، ورفاقهم من شعراء المقاومة، ثم شعراء ما بعد النكسة كعبد اللطيف عقل، وأسعد الأسعد، وحنان عواد، وجمال سلسع، وعطا الله قطوش، وغيرهم.
ويمتد السياق إلى شعراء المنفى والمنابر: من معين بسيسو، وخليل زقطان، وهارون هاشم رشيد، إلى عز الدين المناصرة، وعلي البتيري، ومريد البرغوثي، ومحمد لافي، وزكريا محمد، ومحمد القيسي، وغسان زقطان، ووليد الخازندار، ووليد الهليس، ويوسف عبد العزيز، وزهير أبو شايب، وصلاح أبو لاوي. وأعتذر من عشرات الأسماء التي لم تُذكر هنا، خشية الإغراق، وإن كان غناهم يستحق أن يُسرد كما يُسرد الشعر نفسه.
الفصل الأول من الكتاب يتناول قصيدة “الثلاثاء الحمراء” لإبراهيم طوقان في دراسة نقدية مستفيضة، تُعد من القلائل التي عالجت البنية البلاغية والدرامية للنص الشعري في ارتباطه بسياقه التاريخي (إعدام الشهداء الثلاثة: فؤاد حجازي، محمد جمجوم، عطا الزير). ويُبرز المتوكل الأثر الفعّال للقصيدة، التي دوّت أصداؤها في الشارع الفلسطيني، وأوقدت جذوة التظاهر والمقاومة، وبقيت أبياتها محفورة في الذاكرة الشعبية. وقد وصفها بأنها “تعبير عن المطلق الذي يُؤطّر الزمن والتاريخ والإرادة، ولا عجب أن اختار لها طوقان البحر الكامل، بما فيه من صخب موسيقي ونبرة عالية تُحاكي لحظة الدم والفداء" والقبس من المتوكل.
في الفصل الثاني، يعاين الكاتب “المفاهيم الثورية في شعر أبي سلمى قبل النكبة”، مُمهِّدًا لذلك بتحليل الواقع الاجتماعي والاقتصادي في فلسطين، وتحديدًا بروز طبقات اجتماعية جديدة: من العمال إلى الفلاحين الأحرار، الخارجين من قبضة الإقطاع. ويُبيّن كيف انحاز أبو سلمى لهذه الفئات عبر ممارسته ووعيه، ووجدت ان المتوكل جمع قصائد الشاعر وأعاد إحياءها ومنها ما كان منسياً.
أما الفصل الثالث، فهو الأجرأ والأعمق. بعنوان: “محمود درويش ونقيضه (المفتاح والقفل): لماذا على الشاعر أن يعترف بالواقع أصلاً؟ مأساة النرجس، ملهاة الفضة”. هنا، يدخل المتوكل حوارًا نقديًا مع درويش، لا بوصفه أيقونة لا تُمسّ، بل بوصفه صوتًا قابلًا للفحص والتحليل. يتتبع فيه موقف محمود من “الآخر”، ويُشير إلى ما يراه حيادية أو تماهيًا معه أحيانًا.
وفي تقديري الخاص أن انتماء درويش السابق للحزب الشيوعي (راكاح) يُفسّر هذا الموقف ـ فهو متطابق مع موقف رموز الحزب مثل اميل حبيبي اساساً و إميل توما، وصليبا خميس وسميح القاسم، وتوفيق زيّاد. ومع تطور لغة درويش وبنيته الشعرية، بعد خروجه من فلسطين وانفتاحه على القصيدة العربية والعالمية، إلا أن جذوره الفكرية بقيت على حالها.
ويُشار هنا إلى أن كثيرًا من الشعراء استشعروا في سطوع نجم درويش حجابًا حال دون نقده، ودرعًا كثيفًا غطّى على توهّج غيره من الشعراء، كما شمس كيم إيل سونغ أو ماو تسي تونغ، لا يُرى إلى جانبها نجم آخر. وكم كنتُ أتمنى لو كتب المتوكل دراسته هذه في حياة محمود، لنعرف بماذا سيرد، وكيف سيكون اصطفاف الشعراء حينها!( ولا اعلم إن كان هناك) .
الفصل الرابع يتناول تطور القصيدة الفلسطينية بعد نكسة 1967، ويرى المتوكل أن خصوصية الشعر الفلسطيني تُخرجه من المعايير النقدية الأوروبية الحديثة، لأن له وظيفة نضالية ومنبرية ترتبط بالمواجهة مع الاحتلال. وهنا أختلف مع الكاتب، إذ أرى أن المدارس النقدية الحديثة، من التفكيكية إلى ما بعد البنيوية، إذا ما تمثلناها جيدًا، يمكن أن ترتقي بالشعر الفلسطيني إلى مستوى العالمية، لا أن تُقصيه من ساحة التثوير فحسب.
بل إن المظاهرات العالمية المساندة لفلسطين، كما شهدناها مؤخرًا، لم تخرج من فراغ، بل حرّكتها رياح فكرية نشأت من أسماء كدريدا، وفوكو، ولاكان، وإدوارد سعيد، والتوسير وليفي شتراوس، وهي أسماء باتت حاضرة في مناهج جامعاتنا الفلسطينية العليا. وربما من حسن الحظ أن هذه الجامعات قد فتحت نوافذها أخيرًا للهواء الفكري العالمي ، بعيدًا عن الانغلاق والتقليد.
وأخيرًا، لا يُخفي المتوكل كما يظهر من العنوان (في…) أن هذا الكتاب ليس أطروحة نقدية متكاملة، بل مجموعة من المقالات التي كُتبت في مراحل زمنية متباعدة، لكنها تتناغم ضمن نَفَسٍ فكري وشعري واحد، يتجذر في الأرض، ويرنو إلى الأفق.
مرحى لروحٍ وطنيةٍ صادقة، لا تكتب الشعر فقط، بل تكتب التاريخ من خلاله.
المتوكل طه هنا ليس ناقدًا فقط، بل وريثُ القصيدة الفلسطينية ورافعُ لوائها في زمن الهبوط العام
الكاتب : محمد زحايكة
أزعم ان الكاتب الكبير محمود شقير لم يترك شاردة ولا واردة في حياته الثمينة المليئة بالدهشة والادهاش، الا وقد غطاها من مختلف جوانبها، وتناولها بأسلوب السهل الممتنع وانار حولها نارا ونورا وأشعل مصابيح مقدسية لا تنطفئ. وها هو اليوم وهو على أعتاب الرابعة والثمانين من عمره المديد ينبش في دفاتره القديمة او العتيقة ويخرج لنا كنزا ثمينا يصور جانبا من حياة دفاترنا الفلسطينية، وكأنه يذكرنا بالشاعر الراحل المبدع معين بسيسو ودفاتره الفلسطينية. ولا يظنن احد، ان هذه المخطوطة او الرواية الموسومة ب " ربيع اخر " الصادرة عن دار النشر كل شيء في حيفا هذا العام 2025 ، هي دليل مكرر ومكرور وقد أخذت الرقم 81 من سلسلة منشوراته الإبداعية المتلاحقة في مختلف أشكال التعبير الأدبي والفني من رواية و قصة قصيرة وقصص قصيرة جدا ومسرحيات وسيناريوهات تلفزيونية وقصص فتيات وفتيان واطفال وسير ذاتية وغيرية وإنما هي عصارة مرحلة فائرة من عمره الملتزم بالهم العام والانخراط في النضال السياسي والاجتماعي والفكري منذ نعومة اظفاره وتسجيل وتوثيق هذه التجارب المرحلية بروح عميقة من الابداع والشفافية واتقان السرد اللطيف الخفيف المعجون بشيء من الخيال الشفيف المنطقي الواقعي.
والرواية التي تعالج فترة شبابية ومبكرة من حياة الكاتب الشغوف بالكلمة المكتوبة بماء الذهب، تصدر ايحاء ذكيا من خلال عنوانها " خريف اخر " في اشارة الى تقدم الكاتب في العمر وايغاله في خريفه، ولكنه خريف مثمر يشبه الربيع المزهر من حيث طرحه هذه الثمرات الشهية من الكتابات العابقة بروائح مقدسية متغيرة حسب الزمن الذي يتقلب على روح القدس باندحار عهد مقيم ومجيء غاز بهيم عتل زنيم..؟!
الرواية دفتر اخر من دفاتر الكاتب الصامد على خط الكتابة الأدبية المبدعة، والمتمسك بالقلم المعبر برشاقة ودفء عن كينونة الوطن والقدس زمانا ومكانا، وهنا يتذكر الصاحب أنه عثر في "كراكيب" بيته ذات سنة على دفتر ربما " دفتر انشاء" لمحمود شقير ويا لمحاسن الصدف وهو في الصف الثاني الاعدادي، ولا ندري حتى الان كيف انثال هذا الدفتر بين أصابع الصاحب الذي اعاده إلى صاحبه محمود شقير ، واغلب الظن انه ما زال مصمودا في ركن منزله ولم يذهب مع الكتب التي تبرع بها إلى مكتبة جامعة بيت لحم.. فهو لبنة من لبنات تاريخ ومسيرة هذا المبدع المتعدد وغني التجارب الحياتية مقيما في وطنه او مبعدا قسريا إلى العالم البعيد ؟!
ودعونا نعٌرج بكلمة مختصرة على ما خطه قلم الكاتب جميل السلحوت على غلاف الرواية الاخير، لنقف على كنه هذه الرواية التي بقيت حبيسة الادراج زهاء خمسة عقود قبل أن ترى النور بعد غربلة وتشذيب عميقين من لدن الكاتب، يسجل السلحوت " يتناول شقير في الرواية الحالة التي عاشها من بقوا على ارض الوطن، وكيف انقسموا ما بين متمسك بالأرض يحرثها ويزرعها ويعتاش من خيراتها، وبين ملتحق بالعمل الأسود لدى مجتمع الاحتلال، ومن راح يمارس الجنس المحرم مع المومسات اليهوديات معتبرا ذلك نوعا من النضال، كما تعود به الذاكرة إلى شارع بور سعيد، الذي غيٌر المحتلون اسمه إلى شارع الزهراء وكيف تحول في فترة ما إلى بارات ومقاهي تعج بالسكارى والمومسات. ويضيف السلحوت " ان عنصر التشويق يطغى على السرد الروائي كونه نابع من صدق المؤلف وان لغة الرواية ذات أصوات متعددة. ويختم السلحوت " بأن الاديب شقير يمتلك ثروة لغوية دسمة، وهي من السهل الممتنع المدجج بالبلاغة من صور شاعرية وتشبيهات واستعارات، والرواية خليط من الذكريات والسيرة الذاتية ومن مسيرة شعب عبر مرحلة حساسة من تاريخه الطويل ".
رام الله-واثق نيوز-عن دائرة سليمان الحلبي للدراسات الاستعمارية والتحرر المعرفي (وهي مجموعة تطوعية مستقلة للبحث والتعليم المجتمعي في فلسطين انطلقت من القدس في العام 2011)، صدر العدد الأول (صيف 2025) من 'الجنوب: المجلة الفلسطينية للدراسات التحررية'، وهي مجلة لا تُشرى ولا تُباع، تنشر بطبعة محدودة في فلسطين، وبصيغة إلكترونية على موقع "باب الواد". وتُعنى بالنتاجات والممارسات والسياسات في ميادين النظرية والمنهج والممارسة ذات العلاقة بالدراسات التحررية والبحث المحارب فلسطينياً وعربياً وعالمياً، مع تركيز خاص على قضايا الجنوب العالمي، والقضايا العابرة للجغرافيات السياسية. وتركِّز 'الجنوب' و'كتاب الجنوب' الذي يزامل أعدادها، بشكل خاص، على الصراع العربي الصهيوني الذي تقع فلسطين في القلب منه.
وجاءت افتتاحية العدد بعنوان "الجنوب: الحقيقة والأوجه الغائبة" وكتبها عبد الرحيم الشيخ، وفي باب 'مقال' ثلاث مساهمات استهلَّها خالد عودة الله بمقالة افتتاحية بعنوان "بيان جنوبي تحرري من فلسطين: من أكتوبر 1492 إلى أكتوبر 2023"، فيما كتب سنان أنطون "على هامش الجامعة: عن الحراك الطلابي"، وفارس جقمان عن "معنى الصمود في زمن الإبادة بين الضفة الغربية وقطاع غزة". وفي باب 'سجال'، كتب عبد الجواد عمر عن "الرغبة في الهزيمة". أما 'حوارية الجنوب'، بعنوان "غزة: بوصلة القلب" فقد كانت مع الصحافي الغزِّي يوسف فارس.
وقد اشتمل باب دراسة على أربع مساهمات، محورها الجامعة، لكل من: قسَم الحاج "تفكيك الخطاب الجامعي: نماذج من الأكاديميا التحررية الفلسطينية"، وبلال عوض سلامة "تدمير الثقافة الجامعة: من السلعنة إلى صناعة الخدمة السريعة"، والأسير باسم خندقجي "دراسات من السجن: الجرأة في إنتاج المعرفة"، وأنمار الرفيدي ووسام الرفيدي "القاموس الغربي للإبادة الجماعية: تحليل اجتماعي-سياسي للخطاب الغربي"... تبعتها، في باب 'ترجمة'، دراسة رنا بركات "كتابة/ تصحيح الدراسات الفلسطينية: الاستعمار الاستيطاني، والسيادة الأصلانية، ومقاومة أشباح التاريخ"، و'ريبورتاج' أماني سراحنة "الكتابة عن واقع الأسرى في زمن الإبادة".
وفي باب 'إبداع' تضمَّن العدد ست مساهمات لكل من: علي أبو عجمية "هيئة الجنوب"، وياسر خنجر "ليس للأبد هذا الخراب"، وناصر رباح "غابة الموتى"، وأنيس غنيمة "ترتيلة السأم والغبار"، وفداء زايد "امرأة تلوي ذراع الحرب"، وخالد شاهين "ضحايا لا صوت لهم". أما في باب ذاكرة فقد كتب منصور النصاصرة عن "البوابة الجنوبية لفلسطين بين غزة وبئر السبع". وفي بابي 'إعادة' و'مفهوم' اختارت الجنوب التذكير، وعلى التوالي، بمقالة سمير أمين "الجنوب يتحدى العولمة" ومقالة الشهيد فتحي الشقاقي "الاستقلال والتبعية في الحوض العربي-الإسلامي... رؤية نهضوية". كما تضمن العدد مقالة إبراهيم عزِّ الدين "البصمة الصوتية" في باب 'تقانة'. ومن مجموعة الهيئة العربية العليا "أرشيف ذاكرة فلسطين"، اختارت 'الجنوب' في باب 'وثيقة' مقابلة "مع بطل القطمون إبراهيم أبو ديَّة (17 نيسان 1949)".
أما في باب مكتبة، فقد تضمن العدد ثلاث قراءات بالإنجليزية والعبرية والعربية، كتبها على التوالي كل من: رنا بركات "أسرى الحاضر: لماذا التاريخ مهم؟" قراءة في كتاب رشيد الخالدي 'حرب المائة عام: تاريخ الاستعمار الاستيطاني والمقاومة 1917-2017'، وياسر مناع "أدوات غير تقليدية في ميادين الحرب" قراءة في كتاب رون شليفر 'ما بعد الحرب النفسية'، وعبد الرحيم الشيخ "الكتابة النثارية وكسوف الاسم" قراءة في كتاب فيصل دراج 'كأن تكون فلسطينياً: شذرات من سيرة ذاتية'.
ولمزاملة العدد الأول، جاء 'كتاب الجنوب' بعنوان 'ضد التاريخ، ضد الأرشيف: ترجمة وسجال في زمن الإبادة الجماعية'، وهو كتاب مشترك لكل من جيل النجار وعبد الرحيم الشيخ، يتناول تعقيب النجار النقدي على كتاب مارك نيشانيان 'التحريف التأريخي' (2009) الذي يتصدَّى لقضايا الإبادة الجماعية، والأرشيف. ويسعى الكتاب إلى تيسير قراءة نيشانيان من خلال ثلاثة عناوين، هي: "التحريف التأريخي" كنقطة انطلاق موجزة تضيء عمل نيشانيان الأصلي، و"ضد التاريخ" كخلاصة تنفيذية لمقاربة النجار النظرية، و"ضد الأرشيف—الإبادة الجماعية والأرشيف: استحالة التأريخ وإمكانية الترجمة" كمحاولة لقراءة ما يعنيه "التحريف التأريخي" للفلسطينيين وكيف يمكنهم أن يكونوا "ضد التاريخ"... وقد أصبح التاريخ ضدهم في غزة، وعموم فلسطين، وذلك من خلال فهم "مؤسسة الإبادة الجماعية" و"مؤسسة الحقيقة الجماعية" (الصيغة الجديدة لثنائية ابن خلدون عن "أهل السيف" و"أهل القلم") عبر دروس: التسمية، والمسؤولية، والأرشيف، والوثيقة، والشهادة.
رام الله - واثق نيوز - عن دار طباق للنشر والتوزيع في رام الله، صدرت اليوم الخميس، مجموعة شعرية جديدة للشاعر الفلسطيني خالد جمعة، بعنوان "واختلطت عليك الخيل".
وقعت المجموعة في 148 صفحة من القطع المتوسط، وكانت لوحات الغلاف للفنان الغزي ميسرة بارود، وصمم الغلاف أيمن حرب، وقد أهدى الشاعر المجموعة إلى الشاعر الشهيد سليم النفار.
ولد خالد جمعة، في رفح عام 1965، ويعمل محررا للشأن الثقافي في وكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية "وفا"، وأصدر قبل هذه المجموعة 10 مجموعات شعرية، و21 قصة للأطفال، وروايتين للفتيان، وكتابا عن عدوان 2014 بأربع لغات، ومجموعة قصصية، وكتاب مقالات، إضافة إلى كتاب عن الأغاني الشعبية وأغاني الصيادين في قطاع غزة، وصدرت مختارات من أشعاره بالبلغارية، كما كتب أكثر من مئة أغنية وعددا من المسرحيات، وحصلت مجموعته الشعرية "قمر غريب فوق صانع النايات" على جائزة الدولة للآداب لعام 2022، وتُرجمت مجموعة من أعماله إلى الإنجليزية والفرنسية والألمانية والبلغارية والدنماركية، وبعض اللغات الأخرى.
ميديين - واثق نيوز- وقع 46 شاعرا من كل أنحاء العالم، في ختام فعاليات مهرجان ميديين الدولي للشعر في مدينة ميديين بكولومبيا في نسخته الخامسة والثلاثين، بياناً تضامنياً مع فلسطين ورفضاً للإبادة الجماعية والثقافية في غزة وعموم فلسطين، والمطالبة بوقف الحرب ورفع الحصار عن غزة ووقف العدوان الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني.
جاء هذا الإعلان في سياق التضامن الواسع لشعراء العالم مع فلسطين الذين رفعوا القصائد بصوت واضح وعالً دعماً لفلسطين وقضيتها العادلة ورفضاً للاحتلال واغتياله اليومي لفلسطين وأهلها.
وأكد الشعراء في بيانهم، تضامنهم الأكيد مع الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة وثقافته الأصيلة الراسخة العميقة أمام ما يتعرض له من إبادة جماعية وثقافية في قطاع غزّة والضفة الغربية بما فيها القدس، لم يشهد التاريخ أبشع منها، حيث تمعن آلة القتل الإسرائيلية المحتلة بمواصلة غريزة قتل الفلسطيني التي امتدت منذ مائة عام باقتلاع الشعب الفلسطيني من أرضه، والسعي لاغتيال حلمه بمستقبل يستحقه عبر تدمير المدارس والجامعات ودور النشر والمكتبات والمتاحف وسرقة الآثار في غزة، ومواصلة الاستيطان وسرقة الأراضي وهدم المنازل والاعتقالات اليومية في الضفة الغربية، وتحويلها إلى سجن كبير من خلال إنشاء حوالي ألف حاجز عسكري وبوابة حديدية تفصل المدن والقرى والمخيمات عن بعضها، فضلاً عن جدار الفصل والعزل العنصري وتهويد مدينة القدس ومحو معالمها وآثارها المسيحية والإسلامية وتزييف تاريخها.
وأضاف البيان: لهذا كلّه وغيره الكثير، من هنا من ميديين موطن الشِّعر والجمال نرفع أصواتنا جرساً كونياً، ندعوكم إلى التوحد به، بالصرخة الكبرى الواحدة التي تقضي بوقف حرب الإبادة والتجويع ولجم نزعة التقتيل والتدمير الاحتلالية الإسرائيلية، لنؤكد أن الشِّعر هو ضمير الإنسانية ونداء الحقّ والحقيقة، وهو الحرية باكتمالها، وبؤرة إشعاع القيم العليا والأمل والعدل والفرح والخير والسلام في مواجهة الشر والقبح والسواد والموت والتوحّش. إنّ الشِّعر في جوهره انتصار للحياة.. ولعنة على صنّاع الموت، قد يكون لكلمة ما أثر إيقاف رصاصة مسددة لقلب طفل .
وتابع: إن الشعب الفلسطيني الذي كان وسوف يظل جزءاً أصيلاً في العائلة الإنسانية بما قدمه ويقدمه من تجليات ثقافية وحضارية لا يدافع فقط، عن المقدسات السماوية والإنسانية في أرضه المقدسة، بل يدافع عن المعاني والقيم الروحية التي تهمّ البشرية جمعاء. ولا يدافع عن حريته فقط، بل عن الحرية في العالم، إذ حرية الكون ناقصة دون حرية الشعب الفلسطيني.
الكاتب : الاديب والشاعر هيثم جابر
هنا في فلسطين السياسي جزء منا، فلا تجد فلسطينيين الا والسياسة ثالثهما،لذلك الكثير من الكتاب المبدعين تقلدوا مناصب سياسية ووزارية ،منهم الشاعر الرائع الاستاذ ايهاب بسيسو . الاديب المبدع عيسى قراقع . واخرين.
شغلوا مناصب وزارية في الحكومات المتعاقبة . لكن طغت شهرتهم السياسية على شهرتهم الأدبية . وبالتالي اصبح موقفنا منهم سياسي في كل شئ لأننا عرفناهم من خلال السياسة.وبما أن المواطن البسيط في الوطن العربي يكره السياسي ويكره الحكومات انعكس هذا على انتاجاتهم الأدبية وصارت الناس تحكم على ما يكتبون من منظور السياسة لا من منظور الادب ..
آخر الامثلة على ذلك ، الوزير عاطف ابو سيف ،الذي شغل وزير الثقافة في الحكومة السابقة .الكثيرون لا يطيقونه سياسيا . انا لا اتفق معه سياسيا لكنه أصدر الكثير من الإنتاج الادبية وقرأت عدة مقالات نقدية عن إصداراته .وكانت آخر ندوة حضرتها عن إنتاج الكتاب الغزين في الحرب .وكان رأى الدكتور الرائع والناقد الكبير الدكتور عادل الاسطة أن رواية "القبر 49" من الروايات الجيدة التي كتبت عن الحرب أو وثقت لحرب الإبادة لأنها لامست الواقع.
من يعرف الدكتور عادل الاسطة يعرف أنه لا يجامل وقلمه شديد في النقد .وانا اعتقد ان القارئ عليه أن يميز بين الاديب والشاعر . وبين المنصب الوزاري وبين موقف هذا الاديب السياسي، حتى لو كان مواطن عادي . ستجد من يقول لك أن الناس في مجملها بسطاء لا يفهمون في مجال النقد الادبي . اتفق مع من يقول ذلك ،لكن أيضا المواطن العادي متذوق ويعرف الغث من السمين ،لذلك انا احكم على الاديب من خلال ما يكتب في الرواية والشعر والأدب،لا من خلال مواقفه السياسيه. وقد يقول قائل ينبغي على الكاتب اوالروائي الذي يشغل منصبا سياسيا أو وزاريا أن تنسجم مواقفه مع مواقف الشعب والناس البسطاء. وهذا صحيح ينبغي على الاديب أن ينحاز إلى آلام الناس ومشاعرهم .لا أن يتجاهلها. لكن اشدد على أنه يجب أن نحكم على أي كان من الأدباء من خلال ما يكتبون لا من خلال مواقفهم السياسية .عاطف ابو سيف قال ذات مرة أن غزة مكان موبوء. وهذا التصريح لم يكن موفقا وكان سيئا لاينبغي لوزير او أي كان أن يهاجم نضالات شعبه خاصة إذا كان واقعا تحت الاحتلال كما في الحالة الفلسطينية . انا لم يرق لي هذا التصريح من الروائي الوزير عاطف ابو سيف . لكن الموقف مختلف من إنتاجه الأدبي الذي له ضوابط ومحددات ومناهج علمية . إذا أردت أن احكم على انتاجاته الأدبية والروائية والشعرية هناك الكثير من السياسيين حين نراهم على شاشات التلفزة يدلون بتصريحات سياسية إذا لم نشتمهم ،نقوم بتغير القناة إلى أخرى كي لا نسمع النفاق والدجل وهز الذنب للسلطات السياسة والوازارية .لكن قد يكون في داخل هذا السياسي أديب كبير ومبدع ،لذلك علينا التفريق بين الاديب المثقف، وبين السياسي الذي يشغل منصبا حكوميا .
بيروت - واثق نيوز- توفيت في العاصمة اللبنانية بيروت، اليوم السبت، المناضلة والمؤرخة بيان نويهض الحوت بعد مسيرة حافلة بالدفاع عن حقوق شعبنا الفلسطيني ونشر الرواية الفلسطينية في العالم.
ولدت الراحلة في مدينة القدس، ودرست في كلية شميدت للبنات، وفي أواخر خمسينات القرن الماضي أتمت دراستها العليا، ونالت الدكتوراة في العلوم السياسية من الجامعة اللبنانية وكان قد أشرف عليها أنيس صايغ، ثم اتجهت إلى التدريس في الجامعة نفسها.
عملت بالصحافة في مجلة الصياد، ثم رئيسة لقسم التوثيق في مركز الأبحاث الفلسطيني، وفي "مركز دراسات الوحدة العربية"، وللراحلة عدة مؤلفات حول فلسطين والقضية منها: القيادات والمؤسسات السياسية في فلسطين، 1917 – 1948، الشيخ المجاهد عز الدين القسام في تاريخ فلسطين" (1987)، فلسطين: القضية، الشعب، الحضارة: التاريخ السياسي من عهد الكنعانيين حتى القرن العشرين، مذكرات عجاج نويهض: ستون عاماً مع القافلة العربية، صبرا وشاتيلا: أيلول 1982. بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2003.
يذكر أن الراحلة هي زوجة المناضل الوطني الكبير شفيق الحوت عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير والممثل الاسبق لمنظمة التحرير في لبنان.
الكاتب والناقد : عمر رمضان صبره
يعيش الكادح وآخر الشيوعيين الاحرار ماجد ابو غوش حالة خاصة من الحب والتعبير عن الحب بعفوية وفق الفطرة السليمة لا تعقيد ولا مكياج ولا حتى مبالغة ويعبر بنصه الجميل عتبة الجنون عن الحب بقوله:
"يختلف قياس الزمن عند المحب عن قياس الزمن عند غير المحب، قياس الزمن عند المحب عن قياسه عند المشوشة عاطفيا، قياس الزمن عند المحب عن قياسه عند الذي لم يمنحه الله قلبا، حارما إياه نعمة الحب والشوق واللهفة".
يمكنك أن تصف ماجد ابو غوش بكل هذه الصفات فهو:
الكاتب/ الشاعر / الروائي / الصياد الماهر / الناقد / المسرحي / الصعلوك /العاشق / المجنون/ الأسير / الحكواتي /السياسي المستقيل / العمدة.
فهو المجنون العاشق والجنون صفة ملزمة له بروايته فقد عبر عن كل قضايا روايته بالجنون.
إن الجنون هو الأصل، كما قال الفيلسوف نيتشه الذي قال أيضاً: "في كل مكان تقريباً الجنون هو الذي مهد الطريق للفكرة الجديدة، وتخلص من العادة ومن الخرافة المبجلة".
أما أفلاطون قال من قبل: "إن الجنون هو ما جلب كل المنافع على اليونان".
أما ماجد أبو غوش قال: "والذئاب عادة تتربع على قمة هذه العتبة، عتبة الجنون، فالذئاب حرة".
يقول ابو غوش "في مقهى رام الله، مثقفين واشباه مثقفين، ثوار وأشباه ثوار، متقاعدين جدد يصطفون مباشرة في صيف المعارضة الوهمي فور تقاعدهم، يذمون رب عملهم السابق، ويطلقون تصريحات جيفارية، وأن القيادة لو إستمعت لاقتراحاتهم لسداد الأمن والأمان، وصلح حال التعليم وحال المشافي، وتحررت البلاد قبل سنوات، بعدها لا أعلم كيف ينعطف الحديث نحو أصناف الأكل والنساء وأنواع السيارات، ثم مباشرة تتدحرج الأمور إلى النميمة وهناك عشاق الأرجيلة، يمضون ساعات طويلة في التدخين وللتحديق بدوائر الدخان الكثيفة في سماء المقهى، يردون التحية بحركات خفيفة لا تكاد تلحظها، باياديهم أو عيونهم أو مبسم الأرجيلة". صفحة 12 وما بعدها.
يستطرد ابو غوش روايته حول معاناة الإنسان الفلسطيني وهي تعبر عن حالنا منذ النكبة الأولى حتى اليوم مستمرا فيعتبر بالنص:
"أمي، لماذا ليس لدينا بحر؟
من أخبرك بهذا يا بني؟ لدينا بحر، بل لدينا أجمل بحر في هذا الكون، قبل زواجها من أبي، قضت طفولتها وثباتها على شاطئ يافا، كان بيتنا في منطقة المنشية، أمام البحر مباشرة، كان صوت الموج يدق نوافذنا كل ليلة، هناك تعرفت على والدك، كان سائق حافلة وكان يحب البحر، من زالت رائحة البحر تعبق جسدي، في نكبة ال 48 طردنا من البلاد وتحديدا من مدن السواحل، وهذا المخيم ليس بيتنا، هذه محطة حتى نعود". صفحة 91.
يمزج ابو غوش روايته الصادرة عن منشورات مكتبة كل شيء ناشرون، حيفا، الطبعة الأولى 2024، باسلوب أدبي سهل الممتنع وبكلمات تعبر عن الواقع المرير وآمال المستقبل وحلم الاستقرار والعودة إلى بحر يافا، ويمزج بالرواية الشعر ويجملها بابيات من الشعر، مثالا من كلمات محمود درويش وهاني نديم قاسم حداد وعادل محمود وكلمات اغاني فيروز أدونيس مظفر النواب.
فهذه كلمات من اشعار هاني نديم.
(احتاجك كي أعبر
لست ضريرا؛
لكنني مستوحش،
وهذا الدرب معتم).
ختاماً: تعتبر رواية تسجيله لشاب يعيش صراعات الحياة ومعاناتها من قسوة الرحيل الى قسوة السياسية والحياة الحزبية وتجربة الشيوعيين مع الحزب وصراعاتهم حتى صراعات التناقضات العائلية.
يبدوا ان الجنون هو أصبح طريق من طرق الحياة.
(خبروني إنك نص مجنون، ما صدقت)
(واسا؟)
مجنون على الآخر، مع هذا أحبك.
الكاتب : تحسين يقين
"السلام على بلادنا، وعلى البلاد السلام، البلاد التي ما زالت تكتب حكايتها من مداد الذاكرة المحفورة في تاريخها". بهذه الكلمات صدرت وزارة الثقافة ملتقى فلسطين للرواية العربية، بما حملت من قيم الوطن والسلام والذاكرة والتاريخ، وبما حمل من دلالة الارتباط بالأرض، حيث تمثل الذاكرة هنا رافعة البقاء والوجود، فقد كنا هنا وما زلنا، ولن نبرح المكان.
التقاط الأدب للحياة التقاط مدهش، وجاذب، يرينا ما نرى ولا نرى، وهو يفوق حتى التقاط الكاميرا؛ فقد نبع القصّ والحكي والسرد، وكل ما استخدمته الشعوب في رواية حياتها، ليس من منطلق التسلية وتمضية الأيام فقط، بل ولا من أجل التوثيق فقط، بل لعله انطلق من منطلق إنساني وجودي، يتجلى بأن ما كان من حياة لا بد أن يظل حيا، للأحياء القادمين، لتستمر الحياة كأجمل ما تكون.
ثمة علاقة بما تهتم به الشعوب التي تتعرض للاستلاب، وبين فعل الكتابة، وهكذا فقد واكبت الكتابة الأدبية حياة الشعب الفلسطيني على مدار أكثر من قرن، منذ تعرض فلسطين للأطماع، وصولا لنكبتها عام 1948، التي استولدت نكبات مستمرة حتى الآن، حيث نكبة غزة الكبرى.
لذلك لم يكن ظهور الرواية في فلسطين شكلا رياديا قادما من صدفة؛ فقد كان صدور رواية "الوارث" للكاتب خليل بيدس كأول رواية فلسطينية، والتي كتبت عام 1920، دلالة عميقة في التاريخ الأدبي، خاصة في تحليل علاقة التاريخ العام والتاريخ الأدبي وتطور أشكال السرد. وتزداد الأهمية حينما نعرف أن رواية "زينب" لمحمد حسين هيكل كأول رواية عربية، قد سبقت رواية "الوارث" لخليل بيدس بسبع سنوات، ما يعني ريادة فلسطين في عالم الرواية، وليس في ذلك ما يفاجئ المؤرخون، فقد كانت حواضر فلسطين خاصة حاضرتي يافا والقدس، تقعان ضمن أهم حواضر النهضة العربية الحديثة. لقد كانت فلسطين رائدة في مجالات متنوعة، ولولا نكبة عام 1948، لاستمر التطور الحضاري الى مدى كبير.
انضم ملتقى فلسطين للرواية العربية للملتقيات الأخرى، أكانت للرواية العربية بشكل عام، أو للرواية في هذه الدولة الشقيقة أو تلك، ليؤكد على تداخل الأدب بحياتنا ومصيرنا القومي، من خلال هوية الملتقى في فلسطين، والهوية العربية.
لذلك نجد أن ملتقى فلسطين الثامن هذا العام جاء تأكيدا على الهوية في الرواية العربية، ما يعني البعد الاستراتيجي والوجودي معا، بما يتعلق بمصير فلسطين والأمة العربية، فكلاهما رواية واحدة وإن تمت وفق فسيفساء الخصوصيات الجمالية المتنوعة؛ ففي استلاب الأرض استلاب للإنسان، وذاكرته، ولعل بعدي المكان والزمان هما الأكثر حضورا وتأكيدا على حياة البشر.
يحمل ملتقى فلسطين للرواية العربية اسم غسان كنفاني، وهو يتزامن مع ذكرى استشهاده في بيروت في الثامن من تموز عام 1972بعيدا عن مدينته عكا، لما لروايات غسان كنفاني وقصصه من أهمية أدبية ووطنية. ولعل تلك الأهمية تتجلى في موهبة كنفاني في كتابة الرواية التي تحمل الوعي والجمالية معا، بما جعلها تؤثر عميقا في الوجدان والفكر الفلسطيني والعربي. لذلك يحفل الملتقى هذا العام بقراءات جديدة لروايات غسان كنفاني، قادمة من باحثين ودارسي شبابا وشابات، درسوا الروايات من ناحية الأسلوب والمضمون، بما يفتح المجال لإعادة اكتشاف الاحتراف العالي لدى كنفاني في الكتابة المكثفة التي استخدمها، لتكون شيفرات دائمة لفهم الإنسان الفلسطيني في ظل هذا الصراع الطويل. وليس هذا فقط، بل يتم عرض لوحات فنية تشكيلية تم استلهامها من روايات غسان كنفاني، وبذلك فقد لبت وزارة الثقافة منظمة ملتقى فلسطين للرواية العربية وعدها قبل عامين حين تم اقتراح تضمين الملتقى بمعرض فني.
في ملتقى فلسطين الثامن، الذي يصله عن الملتقى السابع الحرب البشعة على غزة، وعلى شمال الضفة الغربية، التي ما زالت مستمرة في سياق الإبادة، فإنه يمثل أحد أشكال مقاومة الإبادة الثقافية المرتبطة بالشعب العربي الفلسطيني. وهكذا فإن الاحتلال الذي تضرب آلته العسكرية المدنيين لإزالتهم من وطنهم، فإن وجودهم يزداد سطوعا هنا وفي العالم أيضا. لقد سررنا فعلا بإقامة الملتقى كفعل مقاوم، يؤكد على استمرار الرواية الفلسطينية، واستمرار الرواة.
لقد صدر عدد من القصص والروايات التي كان مكانها قطاع غزة، والتي كان جزءا من زمانها آخر عامين، بينما يتم الآن لدى روائيين وروائيات نعرفهم ولا نعرفهم كتابة روايات تنتمي للرواية الجديدة، التي سترتبط بأكتوبر 2023، والتي نزعم أنها ستأتي بإبداعات جديدة، تنسجم مع التحولات التي تمت خلال عامين، وما سوف يتلوهما. أي إننا أمام عقدين كاملين وربما أكثر، ستتأثر فيه الرواية الفلسطينية (والعربية) بما كان ويكون، حيث ستمثل الحرب وصمود الشعب الفلسطيني أداة تغيير للشكل التقليدي الآن، ربما يذكرنا بما جدّ من حداثة أدبية وفنية (جماعة السينما الجديدة في مصر، والتجريب المسرحي في فلسطين)، حيث من الممكن أن تشكل الحرب صدمة للمبدعين الباحثين عن شكل أدبي وفني يتجلى فيه المضمون الإنساني لشعب يباد.
وفي ظل الحضارة والهمجية، فإن الملتقى دعوة للكتاب والكاتبات في بلادنا العربية لتأمل فعل الحضارة وفعل التدمير، فيكون الأدب العربي مقاوما للاحتلال والاستلاب والإبادة.
وهكذا، تعيدنا ملتقيات الرواية الى تأمل هذا الشكل المتكامل الذي مثّل أهم تطور أدبي في تاريخ الأدب العالمي، لذلك فإن تأمل ما وصلت له أشكال السرد في الأدب والفنون التمثيلية والمرئية، يؤكد دلالة إنسانية وحضارية في آن واحد، يتعلق باستفادة الكتاب من إنتاجات الحضارات، وتلك هي قصة الحضارة، وهي قصة الأدب، وبالطبع هي تاريخ الرواية. وهكذا فإن دراسة كل أمة لها ثقافة خاصة لأشكال السرد المختلفة، يدلنا على أن هناك خيطا سحريا تشابه به الرواة مع تطور المجتمعات باتجاه العلم، ودليل ذلك هو اتفاق العالم على الرواية كشكل أدبي يلائم الشعوب كافة.
وبذلك، فإن الاحتلال سيجد نفسه، وهو المدجج بالأسلحة المتطورة خارج الحضارة الإنسانية، وسيجد شعب فلسطين نفسه باقيا في التاريخ الحضاري باتجاه مستقبل مشرق، يكون للأدب فيه دور إنساني.
الكاتب : د.علي خليفة
كتاب مسرح العبث مثل: يونسكو وبيكيت وأداموف وأرابال لم يكتفوا بالثورة على الموضوعات التي كان يتناولها كتاب المسرح قبلهم، بل إنهم أيضًا ثاروا على الشكل المسرحي؛ وإذا كانت الحياة عندهم تخلو من المعنى، ويفقد الإنسان فيها الاتصال الحقيقي مع غيره في نظرهم – فقد عكسوا هذه الأفكار في موضوعات مسرحياتهم، وفي الوقت نفسه نرى الشكل المسرحي في كثير من مسرحياتهم لا يوجد حدث متصاعد فيه؛ وهذا نتيجة أنهم يرون أن يكون الشكل المسرحي متجاوبًا مع الموضوعات التي يطرحونها في مسرحياتهم في خلوه هو أيضًا من السير المنضبط ومن التماسك في العقدة.
وهناك أمثلة كثيرة لمسرحيات كتاب العبث تخلو من العقدة ومن الأحداث المترابطة، مثل: مسرحية "الناسك" لأرابال، ومسرحية "الأيام السعيدة" لصمويل بيكيت، ومسرحية "المغنية الصلعاء" ليوجين يونسكو.
ومع ذلك فهناك بعض مسرحيات لكتاب العبث الغربيين نرى فيها خطوطًا درامية، وبها قدر من التصعيد الذي يدعو المشاهد لها للشعور بالتشوق لمعرفة تتابع الأحداث فيها.
ونرى هذه الخاصية في بعض مسرحيات يونسكو الطويلة، مثل: مسرحية "ماكبت"، ومسرحية "الخرتيت". ولعل يونسكو قد رأى أن وجود الخط الدرامي المتصاعد في هذه المسرحيات مما يدعو المشاهد للقدرة على متابعتها دون الشعور بالملل. وغالبًا ما يكسر يونسكو الأحداث المتصاعدة في مثل هذه المسرحيات ببعض المفاجآت والأمور التي تبدو خارجة على السياق، وتسير في إطار فكره في خلو الحياة من المعنى والهدف؛ ولهذا فلا يوجد خط منضبط فيها بشكل كامل.
ومسرحية "الخرتيت" تسير في خط درامي به قدر كبير من التشويق، فنرى في بدايتها بيرنجيه وصديقه جين يقفان في مكان عام، وينتقد جين بيرنجيه انتقادًا شديدًا؛ لإهماله في لبسه، ولإسرافه في شربه، ولحياته التي تخلو من النظام والانضباط، ويحثه على أن يغير حياته؛ ليكون شبيهًا به في انضباطه.
ثم يفاجأ الصديقان وبعض المارة والمتجمعين في هذا المكان بمرور خرتيت، ويتناقشون في هذا الحدث الغريب، ونرى من بينهم شخصًا منطقيًّا، يتحدث عن قياس أرسطو بأسلوب فيه سخرية شديدة منه، ولا شك أن يونسكو يعبر عن سخريته من المنطق من خلال هذا الشخص الذي يدعى علم المنطق، وهو يرى أنه مجرد عبث، ولا نفع منه.
ثم نرى بيرنجيه في عمله في مكتب مطبوعات قانونية، ويتحاور مع رفاقه في هذا المكتب عن الخرتيت الذي رآه البعض، ويكذب الموظف بوتار من يدعي أنه رأى خرتيتًا في تلك المدينة التي يعيشون فيها، ويرى أن هذا يتعارض مع المنطق وتصور الأمور بشكل علمي.
ثم نرى إحدى الموظفات في هذا المكتب تشكو من أن زوجها قد مرض، وتكتشف مع العاملين في هذا المكتب بأنه قد تحول لخرتيت.
وحين يزور بيرنجيه صديقه جين في بيته يراه مريضًا، ويلحظ تغير ملامحه وتغير نبرة صوته، وأخيرًا يصبح خرتيتًا.
وكذلك يتحول المنطقي وبوتار إلى خرتيتين، وهكذا يكون الأشخاص الذين يميلون للمنطق وللانضباط في حياتهم – من وجهة نظر يونسكو –
هم أقرب الناس للتحول إلى خراتيت؛ لأنهم يحاولون أن يصبغوا على الحياة أسلوبًا في التعقل والانضباط لا يتوافق معها، فيتحولون لخراتيت؛ ليتكيفوا مع هذه الحياة بما فيها من فوضى ولا معنى، كما يرى يونكسو.
أما الشخصيات التي تعيش في فوضى، وبوهيمية، مثل: بيرنجيه فهي – في رأي يونسكو – لا تحتاج إلى أن تتحول إلى خراتيت؛ لأنها تعيش الحياة بالأسلوب الذي يتناسب معها، وهي تشبه الخراتيت في بوهيميتها .
أعتقد أن هذا ما أراد يونسكو أن يقوله في هذه المسرحية؛ وهو بهذا يدعو الإنسان إلى أن يتعامل مع الحياة على أنها عالم يخلو من الانضباط ويغمرها الفوضى، وإذا لم تكن بوهيميًّا فيها، فلن تنسجم في العيش بها إلا بأن تتحول إلى خرتيت بالفعل.
ونلاحظ أن يونسكو في هذه المسرحية قد حول الاستعارة إلى حقيقة، فقد كان كتاب المسرح قبل تيار العبث يشبهون الشخص البوهيمي والفوضوي بالخرتيت، ولكن يونسكو هنا لا يكتفي بالتشبيه، بل إنه يحوله لحقيقة، ولكنه – كما قلت – يرى أن الأشخاص البوهيمين ليسوا في حاجة لهذا التحول، ولكن الأشخاص الذين يحاولون أن يصبغوا على العالم انضباطًا ومعنى وقيمًا هم الذين في حاجة لهذا التحول.
وهذا تصور يونسكو في هذه المسرحية، ولا شك أنني لا أتفق معه في ذلك.
الكاتبة : د. فاطمة كورتي
تظهر فلسفة سبينوزا الأخلاقية تحت ضوء البحث عن السعادة كغاية قصوى، غير أن هذه السعادة لا تدرك إلا من خلال فهم عميق لميكانيزمات الفرح كحالة وجودية تسعى الذات إليها باستمرار. فالإشكال الأخلاقي في منظوره لا ينفصل عن مسألة كيفية تحصيل لحظات الفرح بنسب أكبر؛ وذلك عبر خطط عقلانية تقلص من احتمالية الحزن الذي يعد عارضا لنقص الفهم أو مخالفة النظام الطبيعي للعقل.
إن الإنسان ككائن انفعالي يوجد حسب سبينوزا في تأرجح بين قوى الفرح والحزن، غير أن قدرته على التأثير في العالم الخارجي تظل محدودة إزاء تأثيراته المتعددة عليه، فالانفعالات وإن بدت متصلة بحرية الإرادة، فإنها في حقيقتها خاضعة لشبكة معقدة من العلل الضرورية التي تندمج في بنية الكون الكلية، هذه العلل تشكل معا نسيجا لانهائيا يتجلى في النظام الطبيعي، الذي لا ينفصل عند سبينوزا عن جوهر الطبيعة الإلهية، حيث الإرادة الإنسانية ليست إلا تجلّيا محدودا لهذا الكيان الأعظم.
ينظر سبينوزا إلى الانفعالات بوصفها المحرك الأساس لمسيرة الإنسان نحو السعادة أو الشقاء، فهي ليست مجرد تفاعلات عرضية، بل انعكاسات لحركة النفس بين الازدهار والانحدار، فالفرح كما يراه هو حالة ارتقاء النفس نحو كمال أعظم، بينما الحزن يعبر عن انحدارها إلى مستوى أدنى من الاكتمال، بينما يتكامل الفرح مع الجسد والنفس في آن واحد، يظهر في صورة الدهشة أو البهجة بينما يتجلى الحزن في حالته المماثلة كألم أو كآبة تدل على حيوية النفس.
ترتكز الأخلاق في فكر سبينوزا على التوازن بين الحاجات الأساسية للإنسان ومتطلبات بقاء النوع البشري، حيث تلعب العوامل المرتبطة بالغذاء والمأوى دورا في هذا التوازن، إلا أن العقل هو المرشد الأعلى الذي يضمن استمرار هذا البقاء، فالفضيلة عند سبينوزا ليست مجرد سلوك خير، بل تتجسد في السعي للحفاظ على الذات بوصفها المهمة الأسمى للوجود. فالأنانية التي يدعو إليها ليست تلك المذمومة إنما هي أنانية معتدلة وعقلانية، هدفها الحفاظ على الحياة واستمرارها.
1.الخير والشر عن سبينوزا:
أ. الخير:
يتناول سبينوزا مفهوم الحرية كمرآة تعكس القوانين الإلهية، حيث يعتبر الخير في جوهره تجسيدا للحقائق الإلهية التي توجه الإنسان نحو غايات سامية، في هذا الإطار يفصل سبينوزا بين القوانين الإلهية والقوانين البشرية، مشيرا إلى أن الأولى تهدف إلى تحقيق الخير العام، أو ما يمكن تسميته بـ "الخير الأسمى". ويتمثل هذا الخير في حب الله ومعرفته؛ إذ إن هذا الحب يعتبر أعلى غاية يسعى إليها الإنسان في بحثه عن السعادة الأبدية.
لهذا، ينبه سبينوزا إلى ضرورة التفكير في طبيعة الخير والشر، ويدعو إلى تجاوز المظاهر الزائفة والتركيز على القيم الحقيقية التي تؤدي إلى المعرفة الإلهية، وإلى عيش حياة تتسم بالعمق والاتزان.
ب. الشر:
يعبر الشر عن غياب الخير او نقصه. ويفهم عند سبينوزا كحالة من الفوضى أو عدم النظام التي تنجم عن انحراف الإنسان عن الوعي بالخيرات الحقيقية، والشر ليس كيانا قائما بذاته، إنه فقط نتيجة للجهل وعدم الفهم الصحيح لطبيعة الخير. ومن هذه الزاوية، يتم اعتبار الشر نتاجا للجهل والانحراف عن المعرفة، مما يؤدي إلى انغماس الإنسان في شهواته ورغباته السطحية.
وفي ضوء هذا الفهم، يبرز سبينوزا أهمية المعرفة كوسيلة للتحرر من قيود الشر؛ فالمعرفة الصحيحة تساعد الأفراد على التعرف على القوانين الإلهية والقيم الخيرية، مما يمكنهم من التصرف وفق مصالحهم الحقيقية ومصالح المجتمع. إن السعي نحو المعرفة يعتبر سبيلا للتخلص من الجهل والشهوات، مما يؤدي إلى حالة من الوعي تدفع بالفرد نحو بلوغ السعادة.
هكذا إذن، يظهر سبينوزا كيف تتداخل مفاهيم الخير والشر في حياة الأفراد، فالخير يعبر عن القيم التي تعزز من الرفاهية الفردية والجماعية، بينما يعتبر الشر نتيجة للجهل والانحراف عن هذه القيم. إن تحقيق الخير يتطلب من الفرد أن يسعى نحو المعرفة والحكمة، وأن ينفتح على الآخرين، معززا بذلك الروابط الإنسانية والقيم التي تساهم في خلق مجتمع متماسك. وبهذا الشكل، يمكن للإنسان أن يتجاوز الأنانية ويسعى نحو سعادة جماعية تحقق السلام والانسجام في الوجود.
2.السعادة:
تعد السعادة في فلسفة سبينوزا حالة من الازدهار والرفاهية النفسية، وهي نتاج طبيعي للفهم الصحيح للعالم والوجود؛ ذلك أن سبينوزا يشدد على أن السعادة ليست مجرد شعور عابر، بل هي حالة عقلية مستمرة تنبع من تفاعل الفرد مع العالم بطرائق تعكس قيم الوجود.
وعلى هذا النحو، ترتبط السعادة ارتباطا وثيقا بالمعرفة، حيث يظهر سبينوزا أهمية العقل كوسيلة لتحقيق السعادة. فكلما كان الفرد أكثر قربا من معرفة الله كان أكثر قدرة على إدراك مكانه في الكون، مما يؤدي إلى حالة من الرضا الداخلي. ويعتبر حب الله ومعرفته عنصرين أساسيين في تحقيق السعادة؛ إذ تعبر هذه المعرفة عن فهم عميق لروابط الوجود وعلاقاته. هذا الفهم السامي للسعادة يتجاوز الشهوات أو اللذات الحسية التي يسعى إليها الكثيرون، ليعكس توجها نحو القيم الروحية والعقلانية التي تعزز من الرفاهية.
كما يدعو سبينوزا إلى مفهوم السعادة الجماعية، حيث يتحقق الرخاء الفردي من خلال الرخاء العام، هذه الفكرة تشير إلى أنه لا ينبغي لسعادة الفرد أن تكون على حساب الآخرين، إنما يجب أن تتناغم مع مصلحة المجتمع ككل. وهذا يتطلب من الأفراد العمل نحو تحقيق قيم الخير والتعاون، مما يساهم في بناء مجتمع متناغم ومزدهر.
وختاما، تعد السعادة عند سبينوزا بمثابة فهم القوانين الإلهية والعلاقات الإنسانية، ويتطلب تحقيق السعادة الاستنارة العقلية، والتفاعل الإيجابي مع الآخرين، والقدرة على تجاوز الشهوات، وبدلا من ذلك يتم التركيز على القيم الروحية؛ ذلك أن السعي نحو المعرفة والحب الإلهي يحقق للفرد حياة مليئة بالمعنى والرفاهية، مما يساهم في تحقق سعادته وسعادة مجتمعه ككل."
* المراجع المعتمدة:
باروخ سبينوزا، علم الأخلاق، ترجمة: جلال الدين سعيد، المنظمة العربية للترجمة، ط1، بيروت 2009
الكاتب : د. خليل عيسى
في ظلالِ البيوتِ المُهدّمةِ، وعلى ألسنةِ الحجارةِ المُحطَّمةِ، ينبعثُ هَمسٌ لا يعرفُ الصمتَ: همسُ غزّةَ التي تُحاصَرُ بالحزنِ والدمعِ.
هنا، حيث تختلطُ رائحةُ الترابِ بنشوةِ الصمودِ، ويختبئُ الأملُ خلفَ جدارٍ متصدّعٍ، ينهضُ عيسى قراقعُ بفكرِهِ وقلمِهِ ليكتبَ ملحمةَ الألمِ والكرامةِ.
"الكتابةُ بينَ الجثثِ على جبينِ غزّةَ" ليس كتابًا عاديًّا، بل نافذةً على قلبٍ ينزفُ، وصوتًا يصدحُ من عمقِ المعاناةِ البشريّةِ؛ فكلُّ صفحةٍ فيه صرخةٌ مدوّيةٌ، وكلُّ فصلٍ روايةٌ من وجعٍ وأملٍ متجدّدٍ.
وإذْ قلتُ في إشهارِ كتابِ "امرأةِ الساعةِ السادسةِ والثلاثينَ" قبلَ ستةِ أعوامٍ: "نسجَ عيسى حُلَلًا مرقَّشةً بخيوطٍ من حريرٍ، لغةً من رحمِ الموتِ، وقعرِ الزنازينِ، وجلبةِ السجونِ، وعذاباتِ المظلومينَ، فإنَّه، في هذا الكتابِ، يَخيطُ أكفانَ الموتِ والموتى، ويسيرُ بينَ الجثثِ، يصوغُ المشاهدَ المروّعةَ بلغةٍ حروفُها الدمُ والجثثُ والموتى والقتلى والشهداءُ والأجسادُ المتطايرةُ والمقطّعةُ والمسلوخةُ والمحترقةُ والمتفحمةُ والمتبخّرةُ والمُمزَّقةُ والمتناثرةُ والمَفرومةُ والمطحونةُ، للخُدّجِ والرّضعِ والأطفالِ والنساءِ والرجالِ والشيوخِ.
وإذْ قلتُ في المناسبةِ نفسِها: إنَّ تجربةَ الأسرِ أضافتْ لعيسى قراقعَ بعدًا تفصيليًّا في تصويرِ دقائقِ الأسرِ، وجعلتْه طبيبًا يجسُّ أوجاعَ الأسرى وهمومَهم وآلامَهم، وجعلتْه مُصوِّرًا مُحترِفًا ينقلُ واقعَ الحركةِ والسكونِ، والهمسِ والبوحِ بعيونِ الأسرى وحدقاتِهم، فإنَّه، في هذا الكتابِ، يصوغُ ديباجةً مُحبَّرةً بعذاباتِ الأسرِ والسجونِ والأقبيةِ والزنازينِ والتعذيبِ والشّبحِ والاغتصابِ وقهرِ النفسِ، وسحقِ المعنوياتِ، وقتلِ الروحِ، بلغةٍ مُوجعةٍ تَعزفُ لحنَ الآهاتِ والأنّاتِ، مُثقلةٍ بصراخِ المُعذَّبينَ والمُعذَّباتِ.
لغةٌ واصفةٌ دقيقةٌ، وصِبغةٌ أدبيّةٌ ضافيةٌ حينًا، ولغةٌ سياسيّةٌ عسكريّةٌ خشنةٌ فظّةٌ قهريّةٌ حينًا آخر، لغتانِ مبنيّتانِ على حسنِ اختيارِ المفرداتِ، وسردٍ مُتتبَّعٍ مُبدعٍ دالٍّ على قراءةٍ واعيةٍ لكلِّ التفاصيلِ والأقوالِ والأحداثِ، على ذاكرةٍ حافظةٍ تتّسعُ لكلِّ التصريحاتِ والتعليماتِ وما قالته الوثائقُ والأشعارُ تطعيمًا وتدسيمًا وتزيينًا.
بين الخبريةِ المباشرةِ، والإنشائيّةِ البارزةِ، والأدبيّةِ الجميلةِ، والجملِ الاستفهاميّةِ والاستغرابيّةِ والاستعجابيّةِ والاستنكاريّةِ والتهكميّةِ والتقريعيّةِ، وكلِّ فنونِ الكتابةِ بأشكالِها وأنواعِها وألوانِها وسماتِها، تُنسَجُ خيوطُ هذه الكتاباتِ كشبكةِ عنكبوتٍ مُحكمةِ الخيطِ، دقيقةِ الصنعِ.
بالصورِ المتلاحقةِ والتشبيهاتِ والمِخيالاتِ والنصوصِ المُضمّنةِ والاقتباساتِ، أشعارًا وأقوالًا وآياتٍ، وبالتفاصيلِ الموجعةِ التي تعجُّ بها نصوصُ الكتابِ يُمَجِهِرُ الكاتبُ، التفاصيلَ النفسيّةَ والجسديّةَ التي لا تُلحِظُها عينُ كاميرا، ولا عدسةُ مصوِّرٍ، ولا هيئاتُ الأممِ المتحدةِ وحقوقِ الإنسانِ مثقوبةُ الأعينِ والعدساتِ، مثقوبةُ المشاعرِ والأحاسيسِ، مثقوبةُ الإنسانيّةِ القرارِ.
بين صورتينِ وموقفينِ وشخصينِ وحدثينِ يتنقّلُ الكاتبُ، يعيشُ الدورينِ ويمثّلُ الواقعينِ، يحكي عن خلجاتِ النفسِ ونفثاتِ الضميرِ والتواءاتِ القلبِ، يقرأ الأنا عميقًا، والآخرَ أعمقَ، يغوصُ في الخلايا، ويسبحُ في الأنسجةِ، ويتنقّلُ بين تلافيفِ العقلِ، ويقفزُ على حبالِ الأفكارِ.
قدرةٌ على تذكّرِ التفاصيلِ والأحداثِ والأشخاصِ، واسترجاعِها، وسردِها بعنايةِ دودةِ قزٍّ تصنعُ قطعةَ حريرٍ لا ترى فيها نشازًا أو نفورًا؛ اتّكاءً على ثقافةٍ واسعةٍ، وسعةِ اطّلاعٍ على الكتبِ والكتاباتِ، على الوثائقِ والآراءِ، قديمِها وحديثِها، وفهمِ النفسيّاتِ والتوجّهاتِ، وقدرةٍ على استحضارِ الوقائعِ والأحداثِ وتسييلِها في مجرى الأحداثِ كماءٍ يجري في نهرٍ، تارةً، وشلّالٍ مُنصبٍّ من علٍ، تارةً أخرى.
المُضحكاتُ المُبكياتُ، والتناقضاتُ الغريبةُ في نصوصٍ تكشفُ هشاشةَ العدوِّ، وساديّتَه، ونازيّتَه، وفاشيّتَه، وضعفَه، وخوارَه، وتشظّيَه، وتلاشيَه، وتُبرزُ قوّةَ الفلسطينيِّ، وشمَمَه، وأنفتَه، وعنفوانَه، وتحدّيَه، ونهوضَه من الرمادِ كطائرِ الفينيقِ.
تكرارٌ للصورِ والمشاهدِ، للعباراتِ والكلماتِ؛ حفرًا عميقًا في الوعي واللاوعي، والذاكرةِ والمكانِ واللامكانِ، والشعورِ والإحساسِ، رصفًا ووصفًا كمشهدٍ سينمائيٍّ متعدِّدِ الأبعادِ والأصواتِ، على امتدادِ فضاءٍ زمانيٍّ ومكانيٍّ، من النهرِ إلى البحرِ، ومن الجنوبِ إلى الجنوبِ.
عشقٌ حتى نُخاعِ العظمِ لفلسطينَ، بغزّتِها وضفّتِها، بمدنِها ومخيّماتِها وقراها، بشوارعِها وأزقّتِها وحواريِها، نزعةٌ إنسانيّةٌ عاليةٌ لكلِّ باقٍ في هذه الأرضِ، مستحقٍّ لهذه الحياةِ، ولكلِّ تارك لها صاعدٍ في السماء.
سجلٌ حافلٌ بأقوالِ الفاعلينَ السياسيّينَ والاجتماعيّينَ والإعلاميّينَ والأدباءِ والكتّابِ والمفكّرينَ والرسّامينَ والمغنّينَ والأطبّاءِ والممرّضينَ والمسعفينَ وعباراتِهم، وتوظيفٌ صحيحٌ للكتبِ والرواياتِ والموسوعاتِ والوثائقِ والبياناتِ.
الكتابةِ بينَ الجُثَثِ على جَبينِ غَزَّةَ، كتابٌ لا يَكتُبُ بالحِبرِ، بل بالدَّمِ والوَجَعِ، لا يَسْرُدُ حِكايةً، بل يُبعَثُ شَهادةً حَيَّةً مِن بَينِ الأَنقاضِ، ويَنقُشُ على جَبينِ الإنسانيَّةِ عارَ العالَمِ وصُمودَ غَزَّةَ.
إنَّهُ لا يُؤَرِّخُ لِحَربٍ عابِرَةٍ، بل يُخَلِّدُ شَرَفًا مُقيمًا، ويُحَوِّلُ الجُثَثَ إلى كَلِماتٍ، والخَرابَ إلى سَردٍ مُقاوِمٍ، والدَّمارَ إلى أَدَبٍ يَنحَني لهُ التَّاريخُ.
هذِهِ لَيسَت صَفَحاتِ كِتابٍ، بل شَظايا أَرواحٍ تَتَناثَرُ في العُيونِ، ونِداءاتُ حُرِّيَةٍ تَصرُخُ مِن بَينِ الرُّكامِ، وعَهدُ كاتِبٍ لَمْ يَتَراجَعْ أَمامَ العاصِفَةِ، بلِ اختارَ أَنْ يَكتُبَها، أَنْ يَشهَدَ عَلَيها، وأَنْ يَتْرُكَنا نَقرَأَ الحَقيقَةَ كما هيَ: مُضَرَّجَةً، نازِفَةً، شاهِدَةً، شَهيدَةً.
في زَمَنٍ تُخْتَزَلُ فيهِ فِلَسطينُ إلى أَرقامٍ وإِحصاءاتٍ، يُعيدُنا هَذا الكِتابُ إلى جَوهَرِها: إنسانٌ يُقاوِمُ، وأَرْضٌ تُحِبُّ، وكَرامَةٌ لا تَموتُ.
* مسؤول قسم الادب العربي بجامعة بيت لحم
الكاتب : محمد زحايكة
يدهشنا الكاتب والشاعر والباحث المحامي اسامة حلبي ابن دالية الكرمل، بقدرته الفذة على التلاعب بالألفاظ والصور او الومضة الشعرية او ما يصنفها هو بنصوص أقرب لأقوال غير مأثورة ونصوص شبه ثائرة. وكأن المبدع حلبي في كافة اصداراته الإبداعية النثرية والشعرية يريد ان يقول لنا بأنه ما زال متأرجحا بين الشك واليقين ليس في هذه الدنيا ومراميها الفلسفية العميقة وإنما أيضا في تصنيف انتاجاته الأدبية التي تتميز بنكهة جمالية محيرة، فالموسيقى تتبدى حائرة تلهث بين كلماته الوميضة الوسيعة المسرعة نحو المجهول، وكلماته الغضة البضة تتراقص بانفعال ظاهر على صفحة الحياة، تروم دغدغة العواطف والمشاعر واللغة الثقافية ماثلة للعيان، تنبئ عن انسان مثقف وملهم وحالم عنيد. ثم يعطف على كل ذلك بعبارات مموسقة لاهثة تعكس صورا مدهشة الإيقاع وفريدة وطازجة وكأنها ولدت على التو واللحظة.
يحار القارئ والكاتب الانطباعي في كيفية تلقي هذه النصوص المتمردة بعد اعتراف كاتبها بضبابيتها وعدم التزامها بالجرس الشعري المتعارف عليه، الا انها مصاغة بطريقة جذابة ومتقنة وفيها روح الحياة ومتعة الدهشة والشغف الظليل الوارف.
اقرأوا هذه الومضة واحكموا بانفسكم . تحت عنوان " أجمل الحروب.. يصدح الكاتب" أجمل الحروب حروب المطر... تنبت الورود وتحيي البشر " .. هل تردد في آذانكم هتاف عمر الخيام في رباعياته الخالدة.. " أفق خفيف الظل هذا السحر .. نادى من الغيب غفاة البشر .. هبوا ..املاوا كأس المنى .. قبل أن يستفيق القدر.." فهل كاتبها الحلبي كاتب نصوص وومضات فلسفية؟! جائز .
ثم اقرأوا روح الحكمة والفلسفة في هذا الهتاف الحلبي بعنوان - كي تبدع-" كن شمسا .. كن نجمة .. كن شمعة.. كن مصدرا للنور .. لا تكن ظلا لأحد".
ثم استمعوا إلى صوته الجهوري وهو يناديكم ويبوس الارض تحت اقدامكم كما هتف الشاعر الناصري توفيق زياد ذات مرة " فاتحدوا على محبة الوطن" . ثم يصٌرح ويبصم بالعشرة " لا يلتئم جرح انتظاري الا اذا أطل وجه انتصاري، من نافذة صبري .
انه الشاعر الجليلي المقدسي صانع الأدب والابحاث والثقافة. صدر له حتى اليوم اثنا عشر كتابا في الأدب والشعر والثقافة والابحاث الرصينة. عشق القدس ، فسكنها وسكنته، وعاش فيها واطلق من روائح أنفاسها اشعاره إلى الدنيا وكلماته الثائرة الحائرة لعيونها وعيون الوطن المكلوم.
الكاتب : د.بشير عصمت
اقتباس للراحل الكبير : “المشاركة الديمقراطية هي أساس كل حركة ثورية، وقيادة الفرد تبقى ناقصة دون تعبيرها عن إرادة الجماعة.” “نريد أن يكون هذا الساحل العربي منبعًا لحركة وطنية واعية وأكثر سلامة تحتل مكانة ريادية بين الحركات الوطنية في الأقطار العربية الشقيقة” .
في ساحة صغيرة، يقف تمثال بلا صوت.
وجهٌ يحدّق إلى الأمام، كأن لا شيء خلفه يستحق الالتفات.
لكنّ فرج الله الحلو لم يكن تمثالًا.
ذكرى اغتياله ليست طقسًا مكرّرًا للحديث عن البطولة والمأساة، بل لحظة صادقة لمراجعةٍ متأخرة، لنطرح السؤال الأهم: لماذا لا يزال فرج الله حيًّا؟
في الخامس والعشرين من حزيران، لا نحيي شهيدًا، بل نواجه مرآتنا.
في مثل هذا اليوم من عام 1959، اقتيد فرج الله الحلو من بيتٍ لم يكن بيته، إلى زنزانة لم تكن زنزانته وحده، بل زنزانة لوطن كامل كان يُجرَّد من حريته.
لم يُمنح حق المحاكمة، ولا اعترافًا بحق الاختلاف، ولا حتى مكانًا يُزار فيه جسده.
لكنه بقي. لأنه لم يكن جسدًا، بل فكرة.
ولأن الذين أرادوا له الغياب، ما زالوا يغيبون في كل محفلٍ للحرية.
لم يمت فرج الله
والقتلة طواهم النسيان، وهو، صار مقياسًا.
لم يمت فرج الله
ليس لأننا قرأناه جيدًا، بل رغم أننا فشلنا في قراءته.
لم يمت فرج الله
لأننا غالبًا نُخلّد صورته، ولا نُجيد الاقتداء بوضوحه.
نردّد أنه صمد في زنزانته، وننسى أنه كان جريئًا حيث تُغتال الجرأة: في الحزب، وفي الكلمة، وفي الرأي المختلف.
لم يتم إعدامه لأنه خان، لقد قتل لأنه لم يخن، لأنه بقي منفتحًا على الآخر، مؤمنًا بأن الحوار لا يُقصي، بل يُبني.
لقد اغتيل فرج الله لا على يد عدوّ واضح، بل بأيدي أنظمة سمت نفسها تقدمية، وخنقت أنبل من فيها.
كان القاتل أحيانًا خصمًا معلنًا… وأحيانًا شريكًا في الخطاب، رفيقًا في الشعار، لكنه خصمٌ للحريّة.
وما جرى لم يكن مفاجئًا له.
لقد كان يعلم أنّ النظام الذي لا يحتمل رأيًا مختلفًا، سيتخلص من صاحبه.
لكنه بقي على الموقف، لا هروب ولا مراوغة.
والمأساة الكبرى ليست أن نفتقد فرج الله، بل أن لا نُترجم دمه سياسة.
أن نُحيله إلى أسطورة نعلّقها، لا مشروعًا نُحييه.
أن نتلو مرثيته، دون أن نُعيد بناء حزب بمقاييس “أبو فياض”.
فرج الله لم يكن فقط ضميرًا، بل كان مدرسة سياسية كاملة، لم تُدرَّس بعد كما يجب.
مدرسة في الوضوح، في الانفتاح، في الشجاعة، في الثبات دون تعصّب، وفي الفكر دون تبعية.
تمثاله لا يحتاج ورودًا، بل انفتاحًا على المختلف، وصدقًا في الالتزام بقضية الشعب والوطن.
لا نريده تمثالًا، بل ميزانًا:
هل نملك الشجاعة لممارسة أفكاره؟
هل نجرؤ على نقد أنفسنا كما كان يفعل؟
هل نمتلك وضوحه، حين قال:
“على مواطنينا أن يتذكروا أن الغاية ليست الحزب، بل الوطن الحر، والشعب السعيد.”
أيّ حزب لا يراجع نفسه، لا يستحق فرج.
أيّ رفيق لا ينحاز إلى الناس، لم يقرأ فرج.
أيّ خطاب لا يضع الحرية فوق التنظيم، يفقد البوصلة.
فرج الله لم يكن نبيًا، بل بشرًا أحب الناس، وصدّقهم، ودفع ثمن ذلك.
حاجة البلاد إلى من يشبهه اليوم ليست نوستالجيا، بل ضرورة وطنية.
في زمن المذهبية، والفساد، والانهيار، نحن بحاجة إلى من يعيد السياسة إلى معناها الأول:
خدمة الإنسان، لا خيانته.
تحية لفكر فرج ولكل من يعرف أن الذكرى ليست طقسًا سنويًا، بل وصية مفتوحة للغد
* فرج الله الحلو (1906-1959)، قائد شيوعي عربي بارز قتل على يدي جلاديه وذوبوا جسده بالاسيد. لبناني الجنسية كان قائد بارز في الحزب الشيوعي اللبناني السوري، وما زال رمز للشيوعيين السوريين، واللبنانيين حتى بعد انفصال الحزب الشيوعي اللبناني عن الحزب الشيوعي السوري.
رام الله-واثق نيوز-نعى الأمين العام للاتحاد العام للكتّاب والأدباء الفلسطينيين الشاعر مراد السوداني، اليوم الجمعة، الشاعر والمناضل الكبير محمد لافي، الذي ترجّل عن صهوة الدنيا بعد عمر مديد قضاه نضالًا وإبداعًا من أجل فلسطين وشعبها، وحقّ الإنسان في الحياة دون احتلالٍ ولا قهر.
وجاء في النعي:
“ عشت وحيداً .. ورحلت وحيداً وغريباً يا أبا ذر الشعرية الفلسطينية ، يا أمير الصعاليك .. عاليةٌ رايتك على التلال، ولا غبش في المسيرة ولا السيرة المباركتَين، وأنت سيزيف الرواية، الجسور على نفسك، لم يغلبك حجر الوادي وإن غالبك، بقيتَ تردّد الجهد على حديد المنع، ولم تمانع المواجهة لأنك رائدها في الطواف والمسعى، ولم تتراجع عن علوك البهيّ في القصيد، ولم تغب حتى قبل أنفاسك الأخيرة، لأنك أنت، اسمٌ بلحم ودم من الأسماء الحسنى الماضية في حياتنا، لأنك أنت: محمد لافي.
من هيبتك تتلاشى منسأة الغياب، فنكون الأجدر على تجرّعه بمرارة قاسية في زمن المرارات العميقة، وغزّة والضفة والديار على انتباهة حمراء في المصير والوجود، ويأتي رحيلك لغصّة في ضيق الرئة، والهواء رصاص ودخان كثيف، ولا نقول إلا ما يُرضي الله في يومنا هذا، وأنت الراحل الشهم، والفارس الأشمّ، فرحمةُ الله عليك حيث أنت وحيث ستكون؛ رحمةٌ ومغفرةٌ واسعة، لم تجدها في الدنيا الزائلة.
تفقد فلسطين شعريا ونضالياً اسماً رفيع الإشارة والعبارة وشاعراً أوقف حملته الشعرية المقاومة على ثابت فلسطين والأمة ودفع أكلاف ذلك. الجوع والفقر المدقع والعوز الشديد وما بدل تبديلا .
وسيظل أثر محمد لافي باقياً في وعي الأجيال بما هو جدير به من فضائل عليا .
خالص العزاء وأصدقه طهارةً ونقاءً لعائلة الراحل الكبير محمد لافي، ولأحبابه، وللكتّاب والأدباء، وكل معارفه.