رئيس التحرير

فائض القيمة واستغلال الرغبة في البرستيج

7 مشاهدة
فائض القيمة واستغلال الرغبة في البرستيج
الكاتب : واصل الخطيب 

رئيس التحرير 

قبل ايام دعيت الى العشاء في مطعم ما على تخوم مدينة رام الله ، وبعد الانتهاء من تناول الوجبة المتواضعة بالمقارنة مع مطاعم في الخليل وجنين على وجه الخصوص ، تفاجانا بان الرقم المذيل في نهاية " الفاتورة" كان مذهلا حد فتح الافواه ، فما تم تقديمه من طعام بالكاد تصل تكلفته على صاحب المطعم " 70 شيكلا" في حين كانت الفاتورة ثمانية اضعاف هذه التكلفة الامر الذي اثار الدهشة والذهول حول الغلو في الابتزاز مقابل برستيج كاذب يصل حد الخديعة .

هذا الامر ينسحب على غالبية المطاعم التي تتخذ لنفسها اسماء غربية او تركية او ماشاكل ذلك ، في حين ان المحتوى المقدم للزبون لا يجافي الطبيعية الفلسطينية المحلية ، فمثلا " لايوجد مسخن تركي اوفرنسي .. ولا توجد مقلوبة امريكية ، ولا يوجد منسف صيني " على سبيل المثال . وهنا يبرز السؤال : لماذا يتم التعامل مع مرتادي المطاعم غير الشعبية سواء كانوا مدعوين او داعين بنظرة طبقية مقيتة هدفها الابتزاز والاستغلال ؟  

تحليل من منظور ماركسي ..

 تُعد المطاعم الفاخرة جزءاً من آليات إعادة إنتاج التراتبية الطبقية. وكما يوضح ماركس في "العمل المأجور والرأسمال"، فإن الأجر ليس ثمناً للعمل، بل لقوة العمل، والأجر الحقيقي هو ما يمكن شراؤه به، وليس المبلغ الاسمي . في هذا السياق، تُبقي المطاعم أسعارها مرتفعة لتخلق انقساماً طبقياً عبر بوابة الاستهلاك: من يستطيع الدخول ومن لا يستطيع. وهذا هو جوهر "خديعة البرستيج": دفع المواطن ثمناً باهظاً لشراء إحساس وهمي بالانتماء إلى طبقة أعلى، بينما هو في الحقيقة يدفع من قوته الحياتية .

كما يوضح التحليل الماركسي، ان فائض القيمة هو الفرق بين ما ينتجه العامل وما يحصل عليه كأجر . وفي حالة المطاعم الفاخرة، فإن "فائض القيمة" المستخلص من المواطن لا ينتج عن إنتاج حقيقي، بل عن تضخيم سعر الخدمة عبر وهم الرفاهية . إنها رأسمالية استهلاكية طفيلية تستغل حاجة الطبقة الوسطى للتماهي مع صورة البرجوازية، وتستنزف ما تبقى من مدخراتها في ظل تآكل قوتها الشرائية الفعلية.

يقول أحد المعلقين على منشور حول فاتورة مطعم في رام الله: "المطاعم كتيره وأسعارهم لا تطاق سواء في رام الله او غيرها، لا مبرر للأسعار الغاليه. وهذا التعليق يعكس وعياً متنامياً بالاستغلال، وإن لم يصاغ بمصطلحات ماركسية.

التكافل الاجتماعي بين النظرية والممارسة

إذا كان المفهوم الإسلامي للتكافل الاجتماعي يدعو إلى التراحم والتضامن، فإن واقع رام الله اليوم يشهد انكساراً لهذا المبدأ. في مجتمع يعاني من بطالة مرتفعة، وانقطاع الرواتب، وانهيار القطاع العام، يصبح وجود مطاعم تقدم وجبة إفطار بـ 300 شيقل لـ 5 اشخاص أشبه بإهانة للضمير الجمعي.

يلاحظ أن الطبقة الوسطى، التي يفترض أن تكون نواة التكافل الاجتماعي، أصبحت مسحوقة بين متطلبات البقاء وضغوط المحاكاة الطبقية . كما يشير تحليل الطبقة الوسطى الفلسطينية إلى أنها "طبقة ليس لها هوية مشتركة، ودورها السياسي ضعيف، ومرجعيتها منظمات دولية مانحة عوضا عن مؤسسات الدولة" . هذا التفكك يجعلها غير قادرة على المقاومة الجماعية للاستغلال، أو حتى على خلق بدائل استهلاكية قائمة على التضامن.

خديعة البرستيج: الترف كآلية للسيطرة

تتجلى الخديعة الكبرى في تسويق المطاعم الفاخرة نفسها كرمز للتحضر والنجاح، بينما هي في الحقيقة أداة لإفقار الطبقة الوسطى وسحب سيولتها النقدية المحدودة. كما توضح بعض المصادر، فإن الطبقة العليا في فلسطين (البرجوازية) قد أدخلت إلى المجتمع "سلوكيات وأنماط استهلاكية لا تنسجم مع الواقع الاحتلالي الذي يعيش، وسهّلت على باقي الطبقات محاكاة أنماطها الاستهلاكية (من سيارات فارهة وقصور وفنادق ومطاعم وماركات).

هذه المحاكاة ليست بريئة؛ إنها تخدم مصالح البرجوازية التي "لا تأبه على الأغلب بمدى مشروعية الكسب، وقد تستحل المال العام" . إنها صورة من صور الصراع الطبقي الرمزي، حيث يُستخدم الاستهلاك كسلاح لإعادة إنتاج الهيمنة.

نحو رقابة شعبية وتدخل حكومي ..

انطلاقاً من هذا التحليل، تبرز مجموعة من التوصيات العملية التي تتجاوز الشجب الأخلاقي إلى الفعل السياسي والاقتصادي:

أولاً: تفعيل الرقابة على الأسعار. المطالبة الحكومية بالرقابة على الأسعار ليست جديدة، كما يوضح أحد المعلقين: "الأهم ان الحكومة تملك حق الرقابه على الأسعار في كل أنحاء الوطن من بيع وشراء وتأجير وغيره.. ليه ما بتقوم بواجبها؟. يجب أن تتجاوز الرقابة مجرد المراقبة إلى وضع ضوابط سعرية عادلة للسلع والخدمات الأساسية، بما فيها المطاعم، على أن تكون هذه الضوابط متصلة بمؤشرات حقيقية للدخل والقدرة الشرائية.

ثانياً: تشجيع المقاطعة الواعية، اذ يجب توعية المواطنين بأن المقاطعة ليست مجرد فعل استهلاكي، بل هي شكل من أشكال الصراع الطبقي السلمي.يمكن للمواطنين عبر خياراتهم الاستهلاكية أن يرسلوا رسالة قوية: إما أسعار عادلة أو مقاطعة شعبية. وقد لاحظنا أن بعض التعليقات على منشورات الفواتير المرتفعة تعكس بالفعل هذا الوعي .

ثالثاً: إعادة تعريف البرستيج ، حيث ان هناك حاجة لحراك ثقافي يعيد تعريف النجاح والمكانة الاجتماعية بما يتجاوز الاستهلاك. البرستيج الحقيقي ليس في تناول القهوة بمطعم فاخر، بل في الصمود والتكافل في وجه الأزمات. ويمكن للمؤسسات التعليمية والإعلامية والمجتمعية أن تلعب دوراً في هذا التحول.

رابعاً: تفعيل المسؤولية الاجتماعية للقطاع الخاص، فبدلاً من التهرب من المسؤولية الاجتماعية، يمكن للمطاعم الفاخرة أن تتبنى سياسات تخفيض الأسعار أو تقديم وجبات مدعومة للفئات المتضررة، كجزء من التضامن المجتمعي، بدلاً من الانكفاء وراء هوامش الربح الفاحشة. وهنا نشير الى ان بعض المبادرات المجتمعية يمكن أن تشجع القطاع الخاص على تبني "ممارسات مسؤولة تتجاوز العمل التجاري التقليدي نحو أهداف شاملة تخدم البيئة وتدعم الكفاءات" .

النضال من أجل الأسعار العادلة 

في تحليل ماركسي خالص، فإن المعركة ضد أسعار المطاعم الفاخرة ليست معركة أخلاقية فقط، بل هي معركة طبقية بامتياز . إنها جزء من صراع أوسع ضد استغلال الطبقة الوسطى لصالح البرجوازية القابضة، في ظل ظروف احتلالية تجعل الاقتصاد الفلسطيني هشاً ومعتمداً على عوامل خارجية.

الطبقة الوسطى في رام الله، هذه الطبقة المسحوقة، يمكنها أن تجد في وعيها الطبقي الجديد قوة لمقاومة وهم البرستيج . المقاطعة، المطالبة بالرقابة، وإعادة تعريف القيم، كلها أدوات نضال يمكن أن تعيد تعريف العلاقة بين الاستهلاك والعدالة الاجتماعية. وبينما يصرخ البعض بأن الأسعار في رام الله مرتفعة، فإن الحقيقة الأعمق هي أن هذه المدينة هي رمز للخديعة، وأن الوقت قد حان لنزعها، ليس بقوانين حكومية فقط، بل بإرادة شعبية واعية تعيد إلى الاستهلاك معناه الحقيقي بعيداً عن فخاخ البرستيج .