رئيس التحرير

ارتفاع أجور الشقق في القدس... أزمة معيشية تهدد الوجود الفلسطيني

16 مشاهدة
ارتفاع أجور الشقق في القدس... أزمة معيشية تهدد الوجود الفلسطيني

الكاتب : واصل الخطيب 

رئيس التحرير 

تشهد مدينة القدس في السنوات الأخيرة ارتفاعاً غير مسبوق في أسعار الشقق السكنية وأجور الإيجارات، حتى بات الحصول على مسكن مناسب يشكل هاجساً يومياً لآلاف الأسر المقدسية، في ظل أوضاع اقتصادية صعبة، وارتفاع معدلات البطالة، وتراجع القدرة الشرائية، واستمرار السياسات الإسرائيلية التي تستهدف التضييق على الفلسطينيين في مختلف مناحي الحياة.

ولم يعد ارتفاع أسعار السكن مجرد قضية اقتصادية أو سوق عقارات تحكمها قواعد العرض والطلب، بل تحول إلى قضية وطنية تمس صمود المقدسيين وبقاءهم في مدينتهم، إذ يدفع هذا الواقع أعداداً متزايدة من العائلات، خصوصاً فئة الشباب، إلى البحث عن مساكن خارج حدود القدس، سواء في بلدات الضفة الغربية أو المناطق المحيطة، هرباً من الإيجارات الباهظة وأسعار الشقق التي تجاوزت قدرات غالبية المواطنين.

عبء اقتصادي ينهك العائلات ..

تستهلك أجرة الشقة في كثير من الأحياء المقدسية ما يزيد على نصف دخل الأسرة الشهري، فيما تتطلب عملية شراء شقة مبالغ خيالية قد تستنزف مدخرات الأسرة لعقود طويلة. وأمام هذا الواقع، تجد العائلات نفسها مضطرة إلى تقليص إنفاقها على التعليم والصحة والاحتياجات الأساسية، أو اللجوء إلى القروض والديون، الأمر الذي يفاقم من الأعباء الاقتصادية والاجتماعية.

كما أن الشباب المقبلين على الزواج أصبحوا يواجهون صعوبة بالغة في تأمين مسكن، ما أدى إلى تأخير سن الزواج وزيادة المشكلات الاجتماعية، في حين تضطر بعض الأسر إلى السكن في منازل مكتظة أو الانتقال إلى مناطق خارج المدينة.

الهجرة الصامتة من القدس ..

تكمن الخطورة الحقيقية في أن أزمة السكن لا تقتصر على بعدها الاقتصادي، بل تمتد إلى بعدها الوطني والديمغرافي، إذ إن انتقال الفلسطينيين للإقامة خارج القدس بسبب غلاء السكن يؤدي تدريجياً إلى تقليص الوجود الفلسطيني داخل المدينة، وهو ما ينسجم مع السياسات الإسرائيلية الهادفة إلى تغيير الواقع الديمغرافي وتعزيز الأغلبية اليهودية.

فكل عائلة تضطر إلى مغادرة القدس بسبب العجز عن تحمل تكاليف السكن تمثل خسارة جديدة للوجود الفلسطيني، وتضعف من صمود المجتمع المقدسي في مواجهة مشاريع التهويد والاستيطان، خاصة في ظل القيود المفروضة على البناء الفلسطيني وشح الأراضي وارتفاع أسعارها.

بين الربح والمسؤولية الوطنية ..

من الطبيعي أن يسعى أصحاب العقارات إلى تحقيق عائد من ممتلكاتهم، إلا أن الظروف الاستثنائية التي يعيشها المقدسيون تفرض مسؤولية اجتماعية ووطنية لا تقل أهمية عن الاعتبارات التجارية. فرفع الإيجارات بصورة مبالغ فيها، أو المبالغة في أسعار بيع الشقق، ينعكس سلباً على المجتمع المقدسي بأسره، وقد يؤدي، من حيث لا يقصد البعض، إلى إضعاف الوجود الفلسطيني داخل المدينة.

ولا يمكن تبرير الزيادات الكبيرة بالقول إن "السوق يفرض ذلك"، لأن القدس ليست مدينة عادية، بل مدينة تواجه تحديات سياسية وديمغرافية تجعل الحفاظ على سكانها الفلسطينيين مسؤولية جماعية، يشارك فيها المواطن، والتاجر، وصاحب العقار، والمؤسسات الوطنية.

توصيات لتعزيز الصمود ..

في ظل هذه الظروف، تبرز الحاجة إلى مبادرات عملية من مختلف الأطراف، وفي مقدمتها أصحاب العقارات، ومن أبرزها:

-تخفيض أسعار بيع الشقق بما يتناسب مع القدرة الشرائية للمواطن المقدسي، وعدم المبالغة في تحقيق الأرباح.
-خفض أجور الإيجارات بصورة ملموسة، خاصة للعائلات الشابة وحديثي الزواج وذوي الدخل المحدود.
-اعتماد عقود إيجار مستقرة وطويلة الأمد، توفر الأمان السكني للمستأجرين وتحد من الزيادات السنوية الكبيرة.
-إطلاق مبادرات مجتمعية وصناديق دعم للإسكان تساعد الشباب على البقاء داخل القدس.
تشجيع المؤسسات الوطنية ورجال الأعمال على الاستثمار في مشاريع إسكان ميسرة تخدم المواطنين بعيداً عن المضاربة العقارية.
-تعزيز الوعي بأن المحافظة على الوجود الفلسطيني في القدس هي مسؤولية مشتركة، وأن كل خطوة تسهم في تثبيت المواطنين داخل المدينة تعد مساهمة مباشرة في حماية هويتها العربية الفلسطينية.
مسؤولية وطنية قبل أن تكون اقتصادية ..

إن القدس اليوم بحاجة إلى تضامن حقيقي بين جميع مكوناتها. فالمواطن الذي يصمد في مدينته يدافع عن هوية القدس بقدر ما يفعل المرابط في المسجد الأقصى أو المدافع عن الأرض. ومن هنا، فإن تخفيض أسعار الشقق والإيجارات لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره تنازلاً مالياً، بل استثماراً وطنياً في صمود الإنسان المقدسي.

فكل أسرة تبقى في القدس تعزز الوجود الفلسطيني وتحافظ على الطابع العربي للمدينة، بينما يؤدي استمرار الارتفاع الجنوني في أسعار السكن إلى دفع مزيد من العائلات نحو الهجرة القسرية الاقتصادية، الأمر الذي يهدد بإحداث تغيير ديمغرافي يخدم مشاريع التهويد والضم.

كما ان حماية القدس لا تقتصر على مواجهة الاستيطان وسياسات الاحتلال فحسب، بل تبدأ أيضاً من حماية حق المقدسي في العيش الكريم داخل مدينته، ومنع تحوّل أزمة السكن إلى بوابة تستنزف الوجود الفلسطيني وتُفرغ المدينة من أهلها. ولهذا فإن على أصحاب العقارات، إلى جانب المؤسسات الرسمية والأهلية والقطاع الخاص، أن ينظروا إلى ملف الإسكان باعتباره قضية وطنية بامتياز، تتطلب تغليب المصلحة العامة على المكاسب الآنية، حفاظاً على القدس وسكانها ومستقبلها.