الكاتب : أحمد دخيل
في فسحةٍ من هذا الكوكب الذي جَهِلَ كيف يحزن،
بدا زيادُ كما يكون وليٌّ في المقهى،
يشرب الحزن ويؤلفُ منه نشيداً...
كان نصًا من نصوص الكتب القديمة،
عازفاً يرتِّلُ الشوق على بيانو لا ينىسى المقام الفلسطيني.
ما كان ابن فيروز فحسب،
ولا الوارث الشرعي ل "سنرجع يومًا"،
بل وليّ الحسرة الذي عشق فلسطين لا لتكون شعارًا،
إنّما ليرتلها كما يرتلُ صوفيٌّ ألمه في صدرهِ،
ويمشي به ليتسع المدى.
زياد لم يمت...
لكنه أصبح خفياً مثل الأغاني التي لا تُبث،
وأصبح رسمه صورةً ولدت في عصر الزندقة الاعلانية.
نفتقده لأننا لم نستطيع فهمه وهو بيننا،
لأنه نطق الصدق كما تنطقه الأنهار... دون حناجر.
لأنه حين صاح، خِلنا صياحه همسًا.
وحين سكت، خِلناه نفاق .
كان غريبا كأولياء الهمس،
يسير بلؤلؤتين باكيتين، ويبتسمُ،
لكن جرحهُ كان ينزفُ فلسطينًا، في كلّ فاصلةٍ بين نكتةٍ وموال كان يهوى كل ما في الجنوب إلى اقصاه.
هل كان زياد "مع القضية"؟...
لقد كان قضيةً بصوتٍ مكلوم.
كان الفلسطينيّ الحالم بلا جنسية،
يكتب "تل الزعتر" بحرقة،
ويغنّي "صبرا وشاتيلا" كما يدعو الصوفيّ قنوته عند الفجر.
ما رفع الكوفيةَ على المنبر، بل تركها قرب القلبِ وصمت،
غنّى:
"فلسطين انتِ السبب، بدمّك علّمتيني"
وغنّى:
"في شي لازم يصير..."
وكان حرفه أكثر من رصاصة،
أكثر من تصريح...
يعني أن تبقى بشرياً، ولو في كوكب الذئاب.
وحين ذكَر "الثورة الفلسطينية"،
لم يكن ممتناً لخيال رصاصةٍ فقط،
بل لشهداء عبروا بيروتَ في الشوارع الخلفية،
لأرواح لم تكن أبطال اخباريات،
بل أولياء على الأرضِ التي حملت الكلمة والرصاصة معًا.
كان يبتسم للثورة لا لأنّها "الحاكمة"،
بل لأنّها – في لحظةٍ ما – كانت النصَّ التي لم يُولد بعد.
لكنّه حين رأى غزّة تُشنق من قلبها،
قال كما يقول الجريح من كثرة الوجع:
أيُّ إلهٌ هذا الذي يحكمُ باسمِه الظلم؟
لم يكن ضدّ "حماس" كمسمى،
بل ضدّ أن يكون الدمُ أداةَ السلطة،
أن يُشنق اللحن لأنه ليس "مديحاً نبويًّا"،
أن يُرجم المُحب لأنه لم يسجد في محراب الفصيل.
كان ضدّ أن تسهو الثورةُ في جنةٍ من ظلم،
أن تُحاكَم القصيدةُ في رفح باسمِ الدين،
وأن يُصلبَ الصوفيُّ لأنّه رأى الإله في نشيدٍ لا يُجيدُون عزفه.
في عصرٍ تُشغلُ فيه الأغاني على قياس الطاغية،
ظلّ زياد يُرتّل "اللا"،
ليس كما يقولها الثائرون
بل كما يهدهدها الولدُ الجائعُ في سواد الخيام.
في فلسطين، حيثُ الحزنُ وليٌّ يُولدُ كلَّ لحظة،
عرفناه.
وفي المخيّمات،
حيث لا فضاءَ لغيرِ الغبار،
كانت موسيقاه لحن ترتيلتنا الحبيبة.
شربَ من ماء الوحدة،
وتنَفّسَ الكون بين نوتتين،
ويكتبُ كلامًا يُشبهُ "التسابيح" حين لا يراهُ إلا الله.
كان عفيفًا...
لا تملق عنده، ولا تزلف،
هو محضُ خجلٍ من الإله،
أن يرى الأرض تُباد،
والاملَ يجف،
و يبقى صامتًا.
أمات زياد؟
لا، عرج إلى مقامِ العاشقين،
و ابتعد، كما تفعل القلوب النقية حين يَخونُ المكان.
ونحن في رثاء الاسم،
لا الفكرة.
في رثاء النغم الذي لن يبثَّ،
والسخريةَ التي انتقلت إلى دمعٍ في المآقي.
في رثاء آخر الكلام
فلسطين لا تُحتكر...
ولا تُختصر بعباءةِ فصيل،
ولا تُصلب على جدرانِ النشيدِ العسكريّ.
زياد الرحباني ليس ملكنا، لكنه لنا.
ليس فلسطينيًا، لكنه كان يُحبّها كما يحبّ الصوفيُّ محرابه
بوجع و بسمة و تغريبة، وبطيفٍ واحدٍ في المساء.
هو الآن في سكوته، أكثر بلاغةً من نشرة أخبارنا.
فيا زياد،
إن غادرت… سامحنا.
والصبر و السلوان لفيروزة فلسطين.
*شاعر وصحفي فلسطيني لاجىء في سوريا



