الكاتب: أحمد دخيل
وَقِيلَ: ارْحَلِ الآنَ، يَا صَاحِبِي،
فَإِنَّ الطُّرُقْ تُسْدِلُ الصَّمْتَ فِي الغَافِلِينْ..
وَتُمْجِدُ ظِلَّ الَّذِي يَحْتَرِفُ الرِّيحَ
يَحِيكُ فَرَاغًا بخيط الفراغ
وَأَنْتَ تُرَاوِغُ فِي اللَّيْلِ نَفْسَكَ
تَصْطَادُ نَجْمَ الهوى و الحَنِينْ..
وَتَخْفِقُ كَالطِّفْلِ
يُسَمِّي سماءهُ أُمًّا لِقَلْبه
و يكتبُ للجوع و الجائعين!
وَقِيلَ: سَتُهْزَمُ!
فَقُلْتُ: أَعِدْنِي إِلَى القُدْسِ
إِلَى شَادرٍ يَحْتَسي الأمنيات
إِلَى نَبْضِ حَبَّةِ طَلْحٍ
تُقَبِّلُ نَاصِرَةَ المُؤْمِنِينْ
فَفِي كُلِّ حَقْلٍ سَأَبْنِي نُزُولِي
وَأَكْتُبُ نُورَ المَنَازِلِ
ما بين شوطين أو غَارَتَينْ!
وَقِيلَ: سَتُوْأَدُ فِي حُفْرَةٍ!
فَقُلْتُ: اِحْفِرُوا بِاسْمِ زَهْرَةْ
بِاسْمِ الَّتِي رَسَمَتْ
من مداد المُخَيَّمْ
عَلَمَ الحَيَاةِ،
وَكَانَتْ كَنُورٍ يُصَلِّي دعاءً
لِجُرْحِ الحَسِينْ،
أذوبها فِي دَمِي كَالدُّيُونِ
الَّتِي لا تَمُوتُ،
وَتَصْعَدُ نَحْوَ الجَبِينْ.
وَأَنْتَ، أَيَا مَوْتُ
لا تَسْتَعِدْ مَجْدَكَ الآنَ
فَإِنِّي عَشِقْتُ النَّدَى وَالصباح
وَكَمْ كَسَرَتْنِي اللِّقَاءاتُ حَتَّى
ذُبِحتُ كَنَخْلٍ من طور سِينَاء
فِي غَيْبَتَينْ..
وَكَمْ ضَمَّنِي فِي ضُلُوعِ البعاد
ردىً يَسْتَرِيحُ عَلَى كَفَّتَيْنْ.
فَهَلْ تَسْمَحِ القُدْسُ
ألثم ثراها
و أَنْ أَسْكُنَ الآنَ
فِي صدرها المُشْتَعِلْ
بِضوءِ البُكَاءِ وَخَمْرِ السَّنِينْ؟
وَهَلْ تَفْهَمِينَ اليفاعةَ
مثلي
أُحِبُّ الْبُكُورَ، وَأَهْتِفُ لِلرُّوحِ:
عُودِي، وَميلي عَلَى الجَانِبَيْنْ!
وَكُنتُ أُقَطِّرُ شِعْرِي عَلَى جُرْحِ نَفْسِي
كَمِئْذَنَةٍ بَيْنَ روحي و روحي
أَراقب كَالطّيفِ.. أَجْمَعُ وَجْهِي
مِنَ الذِّكْرَيَاتِ وَمِنْ كَفِّ أُمٍّ
ترتب سرب المشاعر لما
تفيض العواطف فيها وفيّ
و أغدو غريقاً بلا ضفتين..
فَمَنْ يُوقِظُ اللَّيْلَ فِي مِحْبَرَاتِي
وَمَنْ يَكْتُبُ الآنَ نَبْضي الحزين؟
وَ هذي القِيَامَةُ، إِذْ تَسْطَعُ الرُّوحُ
فِيَّ البَيَانْ..
سَأَحْمِلُ قَبْرِي كَطِفْلٍ يُنَادِي:
دَعُونِي أُصَلِّي، دَعُونِي أَئِنُّ عَلَى وردتين..
فَكَمْ قُدْسُنَا انْسَحَبَتْ فِي الدِّمَاءِ
وَكَمْ شَامُنَا بَاتَ خدّاً، ليافا
و كم صار عين..
وَمَا بَيْنَ بَابِ البُكَاءِ وَ دمعي
سَنَصْعَدُ حَتَّى نُقِيمَ اليَقِينْ.
تَخَلَّى الجَمِيعُ، كَأَنِّي خَيَالٌ،
يُمَزِّقُهُ الصَوْت فِي رحلتين،
تُركتُ ألوكُ الرَّمَادَ وَوَجْهِي..
أُقَبِّلُ ظِلِّي بِغير الصحاب..
فَمَنْ لِي إِذَا خَانَنِي من يوالي..
وَصَارُوا جُمُوعَا بلا أقربين؟
إِذَا مِتُّ..... قُولُوا:
تَرَكْنَاهُ عِندَ مرآةِ شَّوْقٍ
يُغَنِّي البلاد
يَخْبِزُ نُورًا مِنَ البيلسان
وَيَجْعَلُ مَوْتَهُ مِئْذَنَةً فِي الشُّرُوقِ
وَيَصْعَدُ نَحْوَ الضِّيَاءِ...
على دفعتين!
صحفي وشاعر فلسطيني



