الكاتب : د. مروان إميل طوباسي
في خضم التصعيد المتسارع في المنطقة لا يمكن لنا إلا أن نقف في صف معاداة العدوان الثنائي الذي يستهدف استقرار وحريات الشعوب ومقدرات المنطقة . يخطئ من يختزل ما يجري في كونه مواجهة بين إسرائيل وإيران ، أو صراعا يمكن قراءته من زاوية المواقف الأيديولوجية أو الطائفية . فالحقيقة الأعمق أن هذه الحرب العدوانية في جوهرها ، تدور حول إعادة تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط ، بما يخدم مشروع الهيمنة الإسرائيلية – الأمريكية ، وبما يضع القضية الفلسطينية في قلب الأستهداف لا على هامشه .
صحيح اننا قد نختلف مع السياسات الإيرانية بالمنطقة من حيث تدخلها عبر السنوات الماضية في شوؤن عدد من الدول العربية وربما مع مشروعها ، لكننا لا نستطيع كشعب يعاني القهر والأضطهاد وشعب حَمل ممثله السياسي "منظمة التحرير" راية حركات التحرر بالعالم ، أن ننزلق الى جانب سردية مرتكبي جرائم التاريخ المعاصر وإلى جانب الدفاع عن قواعد الإستعمار الامريكي بالمنطقة التي لا شأن لها بالدفاع أصلاً عن مصالح الدول العربية .
وصحيح أن هناك اختلافا في الأهداف بين بنيامين نتنياهو ودونالد ترامب ، إلا أن هذا التباين لا يلغي التقاطع الاستراتيجي العميق بينهما . فنتنياهو يسعى إلى تكريس إسرائيل كقوة عسكرية مهيمنة في المنطقة ، مستفيدا مما يراه “نافذة فرصة تاريخية” لفرض رؤية اليمين الإسرائيلي بل والأحزاب الصهيونية كافة لما يسمى “إسرائيل الكبرى” ، عبر تفكيك أي قوة إقليمية يمكن أن تشكل توازنا أو رادعاً .
في المقابل ، تنظر الولايات المتحدة إلى الصراع من زاوية أوسع ، تتداخل فيها الاعتبارات الجيوسياسية مع المصالح الاقتصادية ، وعلى رأسها السيطرة على مفاصل الطاقة العالمية وإضعاف منافسين كبار كالصين وروسيا ومحاولات تعطيل مسار التحول بالنظام الدولي .
في هذا السياق ، لا تبدو الحرب مجرد مواجهة عسكرية ، بل أداة لإعادة هندسة الإقليم . شرق أوسط مفكك وضعيف ومثقل بالأزمات ، هو البيئة المثالية لفرض وقائع جديدة تتمثل في دول عربية منشغلة بأمنها الداخلي وبتوريطها في صراع مع ايران ، أكثر استعداداً للتطبيع وأقل قدرة على الأعتراض على استمرار الأحتلال الأستعماري ، سواء في الضفة الغربية أو غزة ، أو حتى في امتدادات إقليمية مثل سوريا ولبنان وبالتهديدات الجارية ضد الأردن على لسان غلاة أحزاب اليمين الديني بأسرائيل .
غير أن العامل الاقتصادي يظل عنصرا إضافياً هاما في ضبط إيقاع هذه الحرب العدوانية وحدودها في اطار اطماع النظام المالي بالولايات المتحدة اضافة الى مصالح اللوبي الصهيوني الانجيلي ومجمع الصناعات العسكرية . فإمكانية إقدام إيران على إغلاق مضيق هرمز يمثل تهديدا مباشرا للاقتصاد العالمي ، رغم إعلانها باغلاقه فقط في وجه اعدائها ، نظرا لكونه أحد أهم شرايين نقل النفط في العالم . أي تعطيل لهذا الممر سيؤدي إلى ارتفاع حاد في أسعار الطاقة ، وإلى أزمة اقتصادية دولية ، وهو ما يتناقض مع المصالح الأمريكية التي تسعى الى الحفاظ على البترودولار كنظام مالي وإلى إدارة الصراع بما يخدم مصالحها ، لا تفجيره بشكل شامل ، الا انه من الواضح اليوم ان تلك السياسات سترتد على من انشأها . من هنا ، يمكن فهم حرص واشنطن على خوض حرب “مضبوطة”، تحقق أهدافها دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة غير قابلة للسيطرة ، كما يسعى نتنياهو لها وبما سيكون لذلك من اثار مرتدة على نظام الهيمنة الأحادي .
أما الحديث عن “إسقاط النظام” في إيران ، فيبدو أقرب إلى أداة دعائية منه إلى هدف واقعي ، فإيران ، بحجمها الجغرافي والديمغرافي ، وتركيبتها السياسية ومواقف المعارضة فيها من الوقوف الى جانب الدولة في هذه الحرب ، وقدراتها العسكرية التي اتضحت خلال الايام الماضية من حيث القوة الصاروخية تحديداً وقدرتها على الصمود في وجه أبشع الضربات ، ليست هدفا سهلاً لمثل هذا السيناريو برأيي ، خاصة في المدى القريب . لكن هذا الخطاب كان ضروريا لتوفير غطاء "أخلاقي وسياسي" للحرب ، عبر تسويقها على أنها محاولة “لتحرير الشعب الإيراني”، وليس كعدوان يتعارض مع قواعد القانون الدولي .
غير أن المفارقة الصارخة تكمن في أن من يروج لهذا الخطاب هو ذاته من يقود حرب إبادة بحق شعبنا الفلسطيني منذ جريمة النكبة حتى اليوم . فحكومة نتنياهو وشريكها الامريكي ، التي تتحمل مسؤولية جرائم الإبادة بقتل وجرح مئات الآلاف من الفلسطينيين وتدمير قطاع غزة وممارسة الضم والتوسع الاستيطاني والقتل والأقتحامات بالضفة الغربية ، لا يمكن أن تكتسب أي شرعية أخلاقية للحديث عن الديمقراطية أو حقوق الإنسان خاصة وفي رفضها لمبدأ حق تقرير المصير . هذا التناقض لا يعكس فقط ازدواجية المعايير ، بل يكشف جوهر الصراع الحقيقي المتمثل في فرض الهيمنة بالقوة ، وتغليفها بخطاب إنساني أو ديني زائف ، رغم ما يحمله مشروع الهيمنة هذا من مظاهر تبدده .
بالنسبة لنا كفلسطينيين ، فإن أخطر ما في هذه اللحظة ليس فقط ما يجري في الميدان ، بل بكيفية قراءتنا له . فثمة من لا يزال ينظر إلى الصراع من زاوية ضيقة ، تحكمها اعتبارات طائفية أو خلافات سياسية مع هذا الطرف أو ذاك ومنها مع "حماس" ، متجاهلاً أن ما يجري يتجاوز هذه الحسابات بكثير . فالمسألة ليست موقفا من إيران أو حماس بغض النظر عما ارتكبت من اخطاء كما أرتكب الجميع بتفاوت في مسيرة كفاحنا الوطني دون مراجعة وتقييم نقدي ، بل موقف من مشروع امبريالي يستهدف إعادة تشكيل المنطقة على حسابنا أولاً وعلى حساب حقوقنا الثابتة وعلى السلم والأمن الإقليميين بل والدوليين .
إن إضعاف أي قوة إقليمية يمكن أن تشكل عنصر توازن في مواجهة إسرائيل ، يعني عمليا فتح الطريق أمام مزيد من التغول الإسرائيلي ، وتعزيز قدرتها على فرض حلول أحادية ، سواء عبر تكريس السيطرة على الضفة الغربية أو تثبيت واقع جديد في غزة لتصفية القضية الوطنية التحررية ، أو حتى توسيع نطاق نفوذها الإقليمي وتحديدا في لبنان أو أبعد من ذلك .
بعبارة أوضح ، هذه الحرب لا تُخاض بعيداً عنا ، بل تُخاض لتحديد شكل فلسطين القادم .
من هنا ، فإن الانقسام في فهم ما يجري يشكل خطراً لا يقل عن الحرب نفسها ، فبينما يعمل اعداء شعبنا برؤية استراتيجية واضحة ، ما زلنا نحن في كثير من الأحيان ، نختلف على تعريف طبيعة الصراع وأولوياته . وهذا بحد ذاته أحد أهم مكامن الضعف التي يجب معالجتها بيننا .
إن إدراك طبيعة هذه الحرب ، وأبعادها الحقيقية ، هو الخطوة الأولى نحو بناء موقف وطني ديمقراطي واعي ومستقل بعيدا عن التبعية ، يتجاوز الانقسامات الثانوية ، ويركز على التهديد الأساس المتمثل في مشروع الهيمنة الإستعماري الذي يستهدف الأرض والإنسان والهوية الفلسطينية ، وحقوق الشعوب بالمنطقة .
وفي لحظة تاريخية كهذه ، لا يكون لوم ضحية العدوان أو الحياد أو بالإنجرار الى مواقف معاداة حق المقاومة لدى الشعوب ممكناً تحت ذرائع سياسات الأمر الواقع أو ما يُسمى خطأ "بالواقعية السياسية" أو بالنتيجة في تأييد مشروع الشرق الأوسط الجديد ، ولا تكون القراءات السطحية كافية ، لأن ما يُرسَم اليوم في الإقليم سيحدد ملامح المستقبل الفلسطيني لعقود قادمة .
* عضو المجلس الأستشاري لحركة "فتح"
الكاتب: فراس ياغي
يعتقد البعض الذي لا يرى الامور إلا بعيون ميزان القوة العسكرية أن قرار الحرب مفتاحه كله بيد البيت الأبيض، وهناك مبالغة لا تعكس الواقع الجيوسياسي القائم في أن نهاية الحرب تكون بصافرة من البيت الابيض ونقطة، خاصة أن الأمريكي نفسه ليس لديه حتى الآن خطة لكيفية الخروج من مستنقع ارتفاع اسعار الطاقة وإغلاق مضيق هرمز وفق الرؤيا الإيرانية، وخاصة أن هذه الصافرة قبل أن تنطلق من الرئيس "ترامب" بحاجة لتأكيدات عبر طرف ثالث بأن إيران ستلتزم بتلك الصافرة بإعتبار أن أمريكا هي المعتدي وهي الخصم وليست هي الحكم...لذلك لا صافرة بدون التوافق مع إيران، بالأمس وعبر طرف ثالث طلبت امريكا إيصال رسالة إلى طهران بأنها مستعدة لتخفيف العقوبات اذا وافقت إيران على وقف إطلاق النار، لكن إيران رفضت ذلك، وهذا دفع وزير الخارجية الإيراني ليدلي بتصريح بأن ابواب الدبلوماسية مفتوحة بشرط أن يكون هناك اتفاق دائم وشامل على وقف إطلاق النار، وتعويض إيران عن خسائرها نتيجة العدوان.
وكما يبدو الدائم في قاموس ايران يحمل أكثر من مفتاح، الاول لا حرب جديدة ضد إيران بشكل نهائي مع ضمانات لذلك، الثاني لا قواعد أمريكية في المنطقة كونها الضمانة لعدم تجدد الحرب، الثالث اتفاق نووي وفق مبادرة ايران في المفاوضات الثانية في جنيف ولكن مع الأوروبيين والصين وروسيا وليس مع ترامب، أما في قصة الشامل، أن يشمل الاتفاق لبنان، اي وقف الحرب والاختراقات الاسرائيلية تجاه لبنان .
لذلك الصافرة الأمريكية لوحدها لا توقف الحرب، لأنها لا تنطلق كونها الحكم، بل تنطلق كونها المنتصر وهذا لن يحدث، فهذه الحرب لا غالب ولا مغلوب مع الميل بإتجاه إيران وشروطها، لأنها تحارب على البقاء.
الخلاصة :
إيران بعد الحرب قوة إقليمية كبرى، وقوة تتحكم أكثر في مضيق هرمز عما كان عليه سابقا .
الكاتب: شادي عياد
كل عام… ونحن وحدنا بخير.
نحن الذين نخبّئ دموعنا في جيوبنا كي لا يراها أطفالنا،
ونبتسم رغم أن القلب مثقوبٌ كخيمةٍ في عاصفة.
كل عام… وفلسطين وحدها بخير،
بمدنها التي تحفظ أسماءنا حين نضيع:
رفح… خان يونس… دير البلح… غزة…
الخليل… بيت لحم… القدس… رام الله… سلفيت… نابلس… جنين…
وكل مخيمٍ يربّي أبناءه على الحلم… رغم أن الحلم يُقصف كل ليلة.
كل عام… وأمهات الشهداء بخير،
وإن كان الخير في عيونهن دمعًا يسابق العيد،
وفي قلوبهن دعاءً يرتجف بين “الحمد لله” و“لماذا يا رب؟”.
كل عام… وزوجات الأسرى بخير،
وهنّ يربطن الليل بالصبر،
ويخطن من الغياب وطنًا صغيرًا لأطفالٍ كبروا قبل أوانهم.
كل عام… ورجال الأمن في الميدان بخير،
الذين يسرقون من راحتهم أمن الناس،
ويحرسون ما تبقى من هيبةٍ في زمنٍ يتآكل فيه كل شيء.
وكل عام… وأطفالنا…
آه يا أطفالنا… أنتم بخير رغم كل ما ليس بخير.
نعتذر لكم… لأننا لم نستطع أن نمنحكم عيدًا يشبه ضحكاتكم.
نعتذر لأن جيوب العيد فارغة،
لأن “الواعظ القبيح”… و“الأربعون حرامي”
أفرغوا الجيوب… حتى من الأمل،
وتركوا لنا وجوهكم نسألها الصفح.
سامحونا…
لأننا نعدكم كل عام أن القادم أجمل…
ثم يأتي العام محمّلًا بالخذلان نفسه.
أما هم…
فالاحتلال… ليس بخير.
والفاسدون… ليسوا بخير.
وأصحاب المعالي على كراسيهم العالية… ليسوا بخير.
والألعاب الخشبية التي تُحرّك المشهد… ليست بخير.
والمهرجون الذين يضحكون فوق وجعنا… ليسوا بخير.
والواعظ القبيح…
ذاك الذي يبيعنا الصبر على هيئة خطبة،
ويوزّع علينا الرضا كأنه صدقة،
ويطلب منا أن نصبر… بينما هو لا يعرف من الصبر إلا اسمه—
ليس بخير.
لأنه لو كان بخير…
لارتجف صوته وهو يرى طفلًا بلا عيد،
ولبكى بدل أن يُلقّننا كيف نبتسم.
ليسوا بخير…
لأن الخير لا يسكن من خان،
ولا يزور من تاجر بالوجع،
ولا يقف على أبواب من سرقوا العيد من عيون الأطفال.
يا رب…
أنعِم على من هم بخير،
أولئك الذين يقتسمون الخبز والدمعة،
الذين ما زالوا يؤمنون أن هذا الوطن يستحق.
ويا رب…
عوّضهم…
عن عيدٍ بلا بهجة،
عن لعبةٍ لم تُشترَ،
عن أبٍ غائب،
وعن وطنٍ يتأخر في احتضانهم.
ونحن…
نعدهم… لا بالكلام هذه المرة،
بل بالقسم الذي يُولد من الوجع:
أن العيد القادم…
لن يمر كما مرّ هذا العيد.
أننا سنثور… على كل من سرق فرحتهم،
من “الأربعين حرامي”… إلى “الواعظ القبيح”… إلى الاحتلال.
سنثور…
كي لا نعتذر مرةً أخرى،
كي نعيد للعيد معناه،
وللطفولة حقها،
وللوطن وجهه الذي نعرفه.
كل عام… ونحن وحدنا بخير،
لأننا—رغم كل شيء—
ما زلنا نحلم…
ومن يحلم… لا يُهزم.
من المهم ولوج ختام هذه المقالة بتثبيت أمرين أدركُ أن كلاً منهما قابل للنقاش، وبالتالي لستُ أفترض الاتفاق معي إزاء أيهما. خلاصة الأول هي أن القبول بالاستسلام، بكل مراراته، يعني تقبّل الأمر الواقع. على سبيل المثال، عندما يرفض أي مريض تَقَبُّل تشخيص الطبيب للمرض، فإنه يُقدّم مكابرة الشخص المقيم في داخله، والمتحكم في العقل والقلب منه، على حاجة المريض المحتاج، بأسرع وقت ممكن، إلى العلاج، كي يعيش، وبأمل أن يحقق الآمال والطموحات. أما مضمون ثاني الأمرين، فهو أن قادة تنظيمات وأحزاب وحركات العمل السياسي في العالمين العربي والإسلامي، آنَ لهم جميعاً أن يراجعوا أنفسهم، وأن يكفوا عن الزج بـ«المُعتَّرين» والبسطاء من الناس في حروب خاسرة، فلا تنتقل مآسي قطاع غزة إلى إيران، ثم لبنان، ولا يطل عيدُ فطر بعد أضحى، وحال المشردين في أوطانهم يصدع بألم السؤال: بأي حالٍ عدتَ يا عيدُ؟
الكاتب : شادي عياد
مين يجرؤ يقول… هذا مش معقول؟
احتلال جاثم على الصدر…
وانقسام مدفوع الثمن يُدار ليل نهار…
ليس لأنه قدر…
بل لأنه “مشروع استثماري ناجح” لبعض العباقرة.
مين يجرؤ يقول؟
فساد… مقزّز...
كروش على عروش…
وعروش على صدور الناس…
مناصب صارت ملكية… أميرية… وراثية…
وكأننا في مسلسل تاريخي رديء
لكن بدون تاريخ… وبدون شرف.
وأصحابها؟؟؟؟
بحاجة لتحليل DNA
ليس لنعرف من أنجبهم…
بل لنعرف إن كانوا أصلًا من هذا الشعب
أم “نسخة تجريبية فاشلة” هبطت علينا فجأة.
مين يجرؤ يقول؟
قومٌ يفيقون عند الحادية عشرة…
هذا إذا فاقوا…
وإذا ما فاقوش… بيفيقوا على حسابنا.
هواتفهم مغلقة…
ليس لأنهم مشغولون،
بل لأنهم يخافون من صوت الحقيقة…
صوت فلسطيني
ما زال — وللأسف —
على قيد الحياة.
نعم… على قيد الحياة!
والمصيبة…
أنه يتجرأ ويتصل.
فتقع الصدمة:
“معقول هذا لسه عايش؟!”
كيف لم يقتله مستوطن يا خسارة !!؟؟
كيف لم يوقفه جندي على حاجز “بمزاج سيء”
وينهي يومه هناك؟
كيف لم يُعتقل إداريًا
ويُنسى وكأنه لم يكن؟
كيف لم يمت قهرًا
وهو يرى أبناءه
ينكسرون من الداخل…
لا من الجوع فقط…
بل من الذل؟
كيف لم يمت
وهو ينتظر راتبًا
صار نكتة موسمية؟
كيف لم يمت
وهو يرى صندوق ادخاره
تحوّل من “أمان عمر”
إلى “مزحة ثقيلة”؟
كيف لم يمت
وهو يسأل:
أين أموالنا؟
فتجيبه الجدران… بالصدى؟
كيف لم يمت
وهو يرى متقاعدًا عسكريًا
أفنى عمره في الخدمة…
واليوم يحمل وصفة علاج
ولا يجد من يصرفها؟
كيف لم يمت
وهو يرى من حمى الوطن يومًا
يبحث اليوم
عن من يحميه من المرض؟
كيف لم يمت
وهو يسمع: “العلاج متوفر”…
لكن فقط على الورق؟
كيف لم يمت
في حادث… بلا رخصة… بلا تأمين…
بلا دولة أصلًا؟
كيف لم يمت
حين وصله اتصال — بكل خجل —
يقول له: اخرج من بيتك…
لأنك فقير منذ سنوات؟
غريب…
والله غريب…
أو ربما…
لم يعد في هذا الوطن شيء غريب.
مين يجرؤ يقول… هذا مش معقول؟
مين يجرؤ يقول:
إن الاحتلال فرض علينا؟
مأمور على طول…
ومين يجرؤ يقول:
إن الانقسام "حماس "فرض علينا؟
واعظ مشوّه…وكمان على طول
شوّه معه كل شيء جميل…
حتى صار الحلم بالوحدة
يشبه نكتة ثقيلة.
ومين يجرؤ يقول:
إن بعض الجالسين على الكراسي
أصبحوا أثقل من الاحتلال نفسه؟
الكل يعرف…
لكن الكل صامت.
ومين يجرؤ يقول:
أين أموالنا؟
أين صناديقنا؟
أين استثماراتنا؟
ولا هذا السؤال أيضًا
ممنوع تداوله؟
صمت…
صمت ثقيل…
صمت لو انباع بالكيلو
لحلّ الأزمة الاقتصادية.
سيادة الرئيس…
نحن نحترمك…
ونحبك.
ونعرف…
أنك تعرف…
أن هذا الشعب الفلسطيني
شعبٌ نفيس…
جميل…
متعّلم…
ومليء بالحب،
أكثر مما يحتمل هذا الواقع القاسي.
شعبٌ يليق بالحياة…
لا بهذه الألعاب الخشبية…
ولا بهؤلاء المهرجين
الذين فرضوا أنفسهم…
أو فُرضوا علينا
على سجاد فلسطين الأحمر.
ونشهد لك…
أنك إن أردت…
تستطيع أن تستبدل
هذه الوجوه الباهتة…
بأبطال حقيقيين
يشبهون هذا الشعب…
ويستحقهم هذا الوطن.
سيادة الرئيس…
نحن نحترمك…
ونحبك.
لكن…
كيف تملك كل هذه الأعصاب
لتشاهد هذا العرض اليومي؟
ألعاب خشبية…
مهرجون…
ممثلون بلا موهبة…
ومسرحية مستمرة من سنين…
والجمهور؟
الشعب… غصب عنه حاضر
صدقني…
نحن لم نعد نطيق
أن نسمع منهم…
ولا حتى نتحمّل رؤيتهم.
أما رجال الأمن…
أولئك الذين يعدّون الألم قبل قميصهم،
ويحملون الوطن في قلوبهم
قبل بدلهم العسكرية…
فقد تعبوا.
هرموا.
تعبوا وهم يرون
أن الذي خدم… يُنسى.
وأن الذي ضحّى… يُترك.
وأن الذي صبر…
يُطلب منه أن يصبر أكثر…
وكأن الصبر وظيفة رسمية.
تعبوا…
لأنهم يعرفون الحقيقة…
ولا يستطيعون قولها.
مين يجرؤ يقول… هذا مش معقول؟
أم أن المعقول الوحيد…
هو هذا الجنون؟
الكاتب : بكر أبوبكر
قرأت مقالة الكاتب سليمان جودة الت ي عقد بها مقارنة حالة بين "باخوم" و"نتنياهو"! وتساءلت من هو "باخوم" هذا بوضوح!؟ حيث أثار بي الأمر حب الاستطلاع الذي هو زاد المثقف الذي لا يكتفي بالفكرة أو الأمثولة أو الاقتباس بل يحفر ما تحته ليرى الأصول ويفهم الوقائع وبالتالي يستطيع الاستخدام للفكرة أو الأمثولة بثقة في كتاباته أو محاضراته سواء الثقافية أو السياسية أو الاجتماعية أو غيرها.
فهمت المقارنة من المقال بين طمع "باخوم" بأرض لا يطيق الوصول لها كلها إلا وقد قضى نحبُه، ومساحة المقارنة مع العقل الإسرائيلي المريض المتمثل حديثًا ب"نتنياهو" الذي يتمدد عدوانيًا منذ العام 2023 على الأقل على كل الساحات ليصل الى حتفه حتمًا كما قصة باخوم للكاتب الروسي الشهير ليو تولستوي .
المهم أنني بحثت عن القصة لأقرأها كاملة وليس ملخصّة كما جاء بها الكاتب الكبير فكان اختصاره جزلًا وليس مخلًا بالطبع، لكنني استفدت من ثنايا القصة القصيرة مواضيع أخرى سيتبينها القارئ حين الاطلاع عليها حيث مكتبة هنداوي تعرض القصة على موقعها في الشابكة ضمن قصص أخرى لتولستوي بكتاب تحت عنوان: "بدائع الخيال"، وبالكتاب مواضيع ذات صلة بمن هو لحب الاستطلاع جدير.
"باخوم" كان رجلًا طماعًا أراد أن يحوز أرضًا أكبر من قدرته على دفع ثمنها، وثمنها أن يسير أو يركض بالأرض المطلوبة، فهي له لأي نقطة يصلها، على شرط أن يعود للبائع قبل مغيب الشمس. إلا أن الطمع أعماه فكلما توغل بالأرض المزدهرة أراد أكثر فيسير ويركض، ولما كانت الشمس تقرب من المغيب عاد مسرعًا وقد أنهكه التعب ليموت على أعتاب النقطة الأولى التي انطلق منها.
إن في ذلك درس روحي نعم، وسياسي أيضًا فمن لا يستحق الأرض التي ملكها بطمع أو تدليس أو خرافات أوبظلم مآله شنيع بإذن الله، وقد قادتني هذه القصة والاستعارة للكاتب جودة الى عقد مقارنة أخرى، والشيء بالشيء يذكر.
"مايكل هيرش" وهو أستاذ ومؤلف لكتابين عن السياسة الأمريكية يكتب هذا العام 2026 عن "العقيدة الترَمبية التي كشفتها حرب إيران" واصفها بالارتباك الكبير ومشيرًا ل "عقيدة العلامة التجارية"، ثم ليحدد أن سياسة "أمريكا أولًا" مبنية على حنين ماضوي (نوستالجيا) ساذجة وطفولية للماضي، وأن أمريكا نتيجة تجاهل ترمب للقانون والدبلوماسية-من غرينلاند الى فنزويلا وإيران-يضع بلاده في موقف تآكل استراتيجي طويل الأمد "شبيه بنجم يبلغ أقصى اتساعه قبل الانهيار".
ومن آراء الكاتب تبينت التشبيه البليغ المتصل ب"ترمب" وما قد يصدق على "نتنياهو" ما يعيدنا لقصة باخوم وكاتبها ليو تولستوي الروائي العظيم، إذ يقول "هيرش": أن الرئيس الأمريكي يضع بلاده في موقف تآكل استراتيجي طويل المدى "شبيه بنجم يبلغ أقصى اتساعه قبل الانهيار"، فماذا يا ترى يعني بذلك وما معنى الجملة!
بالعودة للمصادر الفلكية (عدنا لموقع الفضاء space.com)التي افترضت أن تشبيه "مايكل هيرش" جاء منها تفاجأت أنها تقول بالمعنى الفلكي أن النجم بمراحله الاخيرة يتمدد ويتضخم بشكل هائل ليصبح ما يعرف ب "العملاق الأحمر" وهذه استعارة قد نستخدمها لاحقًا أي "العملاق الأحمر" ويبلغ أكبر حجم له على الإطلاق ثم ينهار فجأة في انفجار يسمى المستَعِر الأعظم أو المتفجر "السوبرنوفا".
في قصة باخوم طمع وتوسع وعدم قدرة على الهضم وانهيار أو كما قال سليمان جودة بتحليله: " الفكرة لم تكن في الجبهات التي أحصاها في قاعة الأمم المتحدة على مرأى من العالم، حتى ولو بلغت مائة جبهة وجبهة، وإنما الفكرة كانت في مدى قدرته على أن يهضم ما يريد أن يبتلعه. ومما نتابعه منذ بدأ حروبه وهروبه نرى أن اللقمة التي يرغب في ابتلاعها أكبر من فمه، وأن فمه إذا اتسع لها فمعدته أضعف من أن تهضمها، وأن المعدة إذا هضمتها فجسده أوهن من أن يتمثلها، وأنه في النهاية سيجد نفسه مثل باخوم قبل العودة بقليل."
وفي مقال "هيرش" واستعارته فإن المعنى المجازي قد يعني الازدهار الخادع أو اللحظة الأخيرة من التمدد أو التوسع أو العظمة (أو اعتقادها) قبل السقوط، وفي الحالتين ما قد ينطبق على دولة أو امبراطورية آيلة للسقوط أو شخص في لحظة نشوة الانتصارات. وهو بالحقيقة في بداية سقوطه ما قد يماثل الوضع الإسرائيلي والأمريكي الاستخرابي والعدواني، أو بتحديد أكبر وضع نتنياهو وأيضًا شريكه بالعدوان على فلسطين والمحيط أي ترمب. لنصل نحن لنتيجة مؤداها أنه كلما بدا الشيء أبهى وأعظم كان الانهيار القادم أعمق وأشد.
بالعودة للكاتب سليمان جودة فإنه يختم مقاله بالقول:" يكتشف نتنياهو هذا، ثم يكتشف ثانياً أن الحرب التي دمر بها قطاع غزة لم تزد القضية في فلسطين إلا حضوراً، وأن كل مساحة دمرها في غزة أضافت دولة أو أكثر في قائمة الدول المعترفة بفلسطين في المنظمة الدولية في نيويورك، وقد توالت الدول المضافة حتى بلغ العدد ثلثي الدول الأعضاء في المنظمة!" فالوضع مهما تمدد بما لا يستطيع هضمه من 7 جبهات كما قال نتنياهو "مرهون في فلسطين بقيام دولة فلسطينية".
في الختام، وعطفًا على ماسبق من بحث وحب استطلاع محمود وتأسي وحيث الصِلة، دعنا نتأمل بالقرآن الكريم حيث يقول الحق:"وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ۚ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ"-الزمر: 67، ويقول: "وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا"- البقرة: 165. ويقول جل وعلا: "وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ۚ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ"-الأنعام: 18 صدق الله العظيم.
الكاتب : شادي عياد
فاضل يوم… ويجي
عيد الفطر
فاضل يوم… وكأن السماء تستعد ان تمنحنا استراحة قصيرة… من مسلسل طويل… ممل… ومعاد عرضه كل سنة… بنفس الوجوه… ونفس الوعود… ونفس النهاية المفتوحة على “انتظرونا في الحلقة القادمة”.
نعمة ربنا حين تحلّ، تأتي رحمةً ولطفًا…
تُخفّف عن القلوب، وتزرع فيها سكينة رغم كل شيء.
يا رب… أنت القادر على كل شيء…
فاكتب لهذا الشعب فرحة تليق بصبره…
ليس فرحة موسمية… تنتهي مع آخر تكبيرة…
وتعود بعدها نشرات الأخبار تكمل الباقي.
شعب صار يلبس العيد على قدّ وجعه…
يخبّي دموعه بين تكبيرة وتكبيرة…
ويضحك… ليس لأنه "مبسوط" …
بل لأنه تعلّم… إن الضحك أحيانًا شكل من أشكال المقاومة.
في هذا الوطن…
في ناس بتحتفل…
وفي ناس بتحاول تحتفل…
وفي ناس… لسا بتدور على سبب واحد يخليها تقتنع إنو “في عيد”.
وهناك…
بيوت بتستقبل العيد بطريقة مختلفة…
بيوت بتترك كرسي فاضي على الطاولة…
مش نسيان… بل وفاء.
أهالي الأسرى…
يعرفون العيد بعدد الغيابات لا بعدد الحلوى…
يعدّون الأيام… لا ليقترب الفرح…
بل ليقترب وجه غائب خلف قضبان طويلة.
والأسرى…
هناك… حيث لا تكبيرات تُسمع كما يجب…
يصنعون عيدهم بصبرهم…
وبإيمانهم أن الحرية، مهما تأخرت… لا تُلغى.
وأهالي الشهداء…
لا ينتظرون العيد ليحزنوا…
هم فقط يعيدون ترتيب الحنين…
ويضعون أسماء أحبّتهم في صدر الدعاء…
كأنهم يقولون: “العيد مرّ من هنا… لكنه لم يكتمل”.
وبين كل هذا المشهد…
تطل علينا وجوها موسمية…
تلبس العيد قبل الناس…
وتحكي عن الفرح أكثر من اللي عايشينه…
وتوزّع وعود… وكأنها علب معمول…
شكلها حلو… بس فاضية من جوّا.
والأجمل…
إنو نفس الخطابات… بترجع تنعرض كل سنة…
مع شوية مونتاج جديد…
وشعار أكبر…
وصورة أوضح…
ومضمون… أقدم من الوجع نفسه.
وصبرنا…
مش بس على الوجع…
ولا بس على الغياب…
ولا حتى على الانتظار…
صبرنا طال كمان… على بعض “أصحاب المعالي”…
اللي دايمًا معاليهم أعلى من وجع الناس…
وأقرب للكاميرات… من الشارع.
بس رغم كل هذا…
في ناس صامتة… تشتغل…
ما بتطلع عالشاشات…
ولا بتعرف طريق المنصات…
لكنها موجودة…
تحاول، بجد، ان تحافظ على هذا الحد الأدنى من الحياة…
تمنع الفوضى إنها تصير هي العيد الوحيد المتاح.انهم رجال الأمن الأبطال والذين ترفع لهم القبعات
هاي الشغلة الوحيدة…
اللي بتخلّي المشهد… مش سوداوي بالكامل.
العيد جاي…
مش كامل… مش مثالي…
بس جاي… غصب عن كل التعب…
وجاي لأن هذا الشعب… ببساطة…
ما بيعرف يستسلم.
فاضل يوم…
وربنا يكتبها فرحة…
مش زي كل مرة…
ولو مرة وحدة… تكون عنجد
الكاتبة : فداء البرغوثي
في عالم المؤسسات الدولية، تكفي كلمات كبيرة لصناعة هالة كاملة: العدالة، الشفافية، المساءلة، الكرامة، التمكين. تتكرر هذه الكلمات في الخطابات، وتلمع في التقارير، وتزين واجهات البرامج والمبادرات. ومع كل تكرار، تتسع الصورة العامة للمؤسسة بوصفها حاملة لقيم إنسانية عليا. غير أن الصورة الحقيقية للسلطة تظهر في مكان آخر تماما: في الغرف المغلقة، في ترتيب الأدوار، في تحديد من يسمع ومن ينتظر، في سرعة التجاوب مع بعض القضايا، وفي البرود المقصود مع قضايا أخرى، في توزيع الاعتراف، وفي رسم حدود المسموح داخل المؤسسة بلغة مهذبة المظهر وحادة الأثر.
هنا تحديدا، تدخل نظرية القوة/ المعرفة لدى فوكو إلى قلب المشهد. فالسلطة، وفق هذا الفهم، تتحرك عبر إنتاج الحقيقة المؤسسية نفسها: من يحدد ما القضية الأهم، ومن يمنح الشرعية لرواية معينة، ومن يقرر أي صوت يكتسب وزنا وأي صوت يذوب في الهامش. بهذا المعنى، تمارس بعض المؤسسات الدولية سلطة فائقة النعومة، شديدة الإحكام، عالية الكفاءة في ضبط المجال الذي تتحرك فيه الأسئلة. وحين تشتد حساسية القضية، يجري امتصاصها داخل لغة إجرائية باردة، فتفقد حدتها، ثم تفقد إيقاعها، ثم تفقد مكانها. هكذا تتحول الإدارة إلى تقنية متقدمة في تبريد الحقيقة.
ويكشف بورديو عبر مفهوم العنف الرمزي جانبا أكثر عمقا من هذه البنية. فالعنف هنا يلبس ثوبا راقيا، ويتحدث بلهجة رزينة، ويتحرك عبر إجراءات تبدو مهنية بالكامل. الامتياز يعرض بوصفه جدارة، والاقتراب من مركز القرار يقرأ بوصفه كفاءة، وتراكم النفوذ يقدم على أنه نتيجة طبيعية للخبرة، بينما تجري إعادة إنتاج الهرمية نفسها كل يوم من خلال اللغة، والإيماءات، وترتيب المقاعد، ومساحات الكلام، ومنح الثقة، ودوائر الوصول. بذلك، تتحول المؤسسة إلى حقل مغلق نسبيا، يحمل في خطابه لغة المساواة، ويعيد في ممارسته إنتاج تراتبية محروسة بعناية.
ومن خلال النظرية النسوية المؤسسية تتضح صورة أخرى أكثر كثافة. فالمؤسسة تحمل داخلها قواعدها غير المكتوبة: من يبدو قياديا، من يبدو مهنيا، من تبدو لغته حاسمة، من تبدو لغته حادة، من تمنح له مساحة الخطأ، من يطلب منه طوال الوقت أن يبرر حضوره ونبرته ومطالبته. وحين تتصل المسألة بخبرات النساء، أو بالأصوات المحلية، أو بمن يحملون معرفة نابعة من الهامش، يصبح ميزان الشرعية أكثر اختلالا. عندها يظهر المشهد في أكثر صوره فجاجة: مؤسسة تتحدث عن الشمول كقيمة، وتعيد في الداخل ترتيب المركز بطريقة تحفظ امتيازاته القديمة داخل قشرة حديثة.
وتمنحنا نظرية العدالة التنظيمية أداة حاسمة لقراءة الخراب الذي تتركه هذه الممارسات. فالعدالة داخل المؤسسة تقوم على عدالة الفرص، وعدالة الإجراءات، وعدالة المعاملة. وحين تميل الفرص نحو الأقرب نفوذا، وحين تصبح الإجراءات مساحة قابلة للتطويع وفق الموقع والمصلحة، وحين تتراجع الكرامة في تفاصيل التعامل اليومي، تدخل المؤسسة طور الاستنزاف الأخلاقي. عندها يبقى المبنى قائما، ويبقى الشعار متماسكا، ويبقى التقرير لامعا، بينما تتآكل الثقة في الداخل طبقة بعد طبقة. في هذه اللحظة، تبدأ المؤسسة في خسارة جوهرها وهي ما تزال تتحدث بثقة عن رسالتها.
وتكشف البيروقراطية في بعض هذه المؤسسات وجها آخر للسلطة: سلطة الوقت. وفق ماكس فيبر، يفترض في البيروقراطية أن تنتج الوضوح والاتساق. أما في نسختها المتصلبة، فإنها تتحول إلى جهاز بارع في تنظيم المسافة بين المظلمة والإنصاف. ملف يؤجل، رد يعاد تدويره، شكوى تدخل متاهة، قرار يرحل من مكتب إلى آخر حتى يفقد أصحاب الحق طاقتهم أو صوتهم أو حضورهم. الزمن هنا يتحول إلى أداة سيطرة كاملة. من يملك الوقت يملك خنق الإلحاح، ومن يملك الإجراء يملك إعادة ترتيب الحقيقة، ومن يملك ختم المؤسسة يملك القدرة على تحويل الألم إلى حالة معلقة.
ومن خلال نظرية العقد النفسي يمكن فهم الأثر الأعمق لهذه الممارسات. العاملون والشركاء وأصحاب التجارب يدخلون إلى المؤسسات الدولية وهم يحملون تصورا أخلاقيا مرتفعا عنها. يتوقعون احتراما يليق بالخطاب الذي يسمعونه، وإنصافا ينسجم مع القيم التي تقود البرامج، واتساقا بين الرسالة والسلوك. وحين يصطدم هذا التوقع ببرود الإجراء، أو انتقائية الاعتراف، أو استعراض الهيبة، ينكسر شيء جوهري في الداخل. هنا تبدأ المؤسسة في فقدان معناها الرمزي لدى من عاشوا حقيقتها عن قرب، وتتحول العلاقة المهنية إلى عبء نفسي مثقل بالخذلان والمرارة واليقظة الدائمة.
ثم تأتي نظرية النفاق المؤسسي لتمنح هذا المشهد اسمه الصريح. فالمؤسسة تقول شيئا، وتوثق شيئا، وتمارس شيئا ثالثا. اللغة تمضي في اتجاه، والقرار في اتجاه، والحياة الداخلية في اتجاه آخر. في هذا الانفصال، تصبح القيم مادة عرض، وتصبح الأخلاقيات جزءا من الهوية البصرية، وتصبح العدالة عنصرا من عناصر البراند المؤسسي. وهنا تبلغ الأزمة ذروتها، لأن المؤسسة التي تبني مشروعيتها على الدفاع عن الحقوق تستهلك رصيدها الأخلاقي كلما اتسعت المسافة بين نصها وصوتها وسلوكها.
ومع ذلك، تحمل الصورة وجها آخر أكثر نبلا، وتفسره نظرية القيادة الخادمة بوضوح عميق. فبعض القادة داخل هذه المؤسسات يمارسون السلطة كأمانة ثقيلة: ينصتون، يحمون العدالة داخل التفاصيل، يوزعون الاعتراف بإنصاف، يخلقون بيئة آمنة للكلام، ويمنحون الناس شعورا بأن كرامتهم المهنية جزء من أولويات المؤسسة. هذا النموذج يكشف الحقيقة كلها: السلطة نفسها تحمل إمكانا أخلاقيا عاليا، بينما تتحدد قيمتها الفعلية في الضمير الذي يوجهها والثقافة التي تضبط استعمالها.
لهذا، فإن سوء استخدام السلطة في بعض المؤسسات الدولية يلامس بنية كاملة أكثر من كونه خطأ عابرا. إنه ممارسة تنتج الصمت، وتكافئ القرب من المركز، وتطيل عمر الامتياز، وتعيد صياغة الظلم في لغة احترافية ناعمة. إنه تحويل المؤسسة من فضاء رسالة إلى جهاز لإدارة السمعة. إنه استثمار مكثف في الصورة العامة يقابله اقتصاد شديد القسوة في الإنصاف الداخلي. وهو ما يجعل المسألة أخلاقية وسياسية في آن واحد، لأن الجهة التي تدير موارد النفوذ باسم القيم تصبح مطالبة بأن تحمل القيم ذاتها في سلوكها اليومي، وفي أدق تفاصيل ممارستها للسلطة.
المؤسسات الدولية التي تريد مكانة أخلاقية حقيقية تحتاج إلى أكثر من بيانات براقة. تحتاج إلى قيادة تملك شجاعة المواجهة، وسرعة الإنصاف، ووضوح المسار، وعدالة الاعتراف، ونزاهة التمثيل. تحتاج إلى ثقافة مؤسسية تقيس نفسها من الداخل بنفس الدرجة التي تطلبها من العالم. وتحتاج إلى وعي بأن السلطة حين تبتعد عن الأخلاق تتحول إلى بنية لامعة السطح، ثقيلة الظل، عالية الكلفة على الإنسان والمعنى معا.
في النهاية، تكشف النظريات جميعها حقيقة فادحة الوضوح: بعض المؤسسات الدولية أتقنت إدارة الهيبة أكثر من إدارة العدالة، وأتقنت عرض القيم أكثر من تجسيدها، وأتقنت حماية الصورة أكثر من حماية الإنسان. وبين مؤسسة تحمل السلطة كأمانة، ومؤسسة ترفعها كدرع للنفوذ، يتحدد كل شيء: صدقية الرسالة، ووزن الخطاب، ومعنى العدالة نفسها.
*مستشارة النوع الاجتماعي
الكاتب : د. مجدي جميل شقوره
ما يشهده الشرق الأوسط اليوم من تصعيد عسكري ضد إيران يتجاوز كونه مجرد مغامرة إسرائيلية فردية قادها نتنياهو لإقحام واشنطن في مواجهة مفتوحة، بل هو تحرك أمريكي استراتيجي ممنهج، توظف فيه الولايات المتحدة إسرائيل كذراع إقليمية، في سياق مشروع أوسع لإعادة رسم خريطة المنطقة، وفق رؤية تسعى تل أبيب لقيادتها ويخضع فيها العالم العربي لمعادلات جديدة كلياً.
فالهدف الأمريكي المعلن وغير المعلن يتجاوز حدود التعامل مع الملف النووي الإيراني، ليطال السيطرة على ثروات المنطقة الاستراتيجية، وفي مقدمتها النفط، الذي ظل لعقود محور الاهتمام الأمريكي بالشرق الأوسط. وما التصعيد الحالي إلا محاولة لفرض واقع جديد يضمن لواشنطن الهيمنة على موارد الطاقة في الخليج العربي، ضمن إستراتيجية أوسع لإعادة ترتيب الأولويات في المنطقة.
غير أن ولادة هذا النظام الإقليمي الجديد، إن كتبت له الولادة أصلاً، لن تمر بسلام. فالمشهد لا يحتمل الاختزال في مواجهة إيرانية-إسرائيلية، بل يمس مصالح قوى دولية كبرى لن تقف مكتوفة الأيدي. فمبادرة الحزام والطريق الصينية، التي تخترق العالم العربي، تواجه خطر التفكك في حال اندلاع حرب شاملة. إعادة تشكيل المنطقة تتطلب توافقاً على مستوى القطبية الدولية حول تفاصيل هذا الوضع الجديد، وهذا التوافق غير محسوم بعد، وهو ما يستوجب التحسب له عربياً من الآن.
واشنطن تريد إيران مستسلمة، كما طالب الرئيس ترامب، لكن طهران تبدو غير معنية بهذا الخيار. المنطق السائد في طهران يميل إلى سيناريو "علي وعلى أعدائي"، أي مواجهة وجودية لا تبقي ولا تذر. المنطقة إذن قد تكون على موعد مع مشهد انتحاري شامل، تنجر إليه أطراف إقليمية ودولية، في حرب مفتوحة العواقب. وفي خضم هذا المشهد، يبرز السؤال الأصعب: هل العالم العربي مستعد لتداعيات هذا السيناريو الكارثي؟
الأكثر خطورة مما يجري هو ما قد يلي مرحلة التصعيد الحالية، فإسرائيل التي تقود هذا المشروع الإقليمي، وبغطاء أمريكي كامل، لن تتوقف عند حدود تقويض القدرات الإيرانية. المشروع الإسرائيلي الجديد يقوم على أن تل أبيب ستكون القوة المهيمنة في المنطقة، وهو ما يعني عملياً أنها ستواجه أي قوة إسلامية أو عربية تحاول ملء الفراغ أو بناء نفوذ مستقل. المنطقة مقبلة على مرحلة قد تشهد فيها القوى العربية والإسلامية -أياً كانت هويتها- استهدافاً مباشراً يمنعها من لعب أي دور يهدد التفوق الإسرائيلي المرسوم في الخرائط الجديدة.
الاجتماع الطارئ لمجلس الجامعة العربية الذي انعقد كان يفترض أن يكون مناسبة لنقاش وجودي يرقى إلى مستوى المسؤولية التاريخية، لا مجرد اجتماع روتيني للاستنكار أو الإدانة. فالعنوان الحقيقي للمرحلة هو "تغيير الشرق الأوسط وإخضاع العالم العربي"، وهو عنوان يتطلب استعداداً عربياً جاداً، وطرحاً بديلاً قادراً على حماية المصالح العربية في خضم إعادة الترتيب الإقليمي. غير أن السؤال المطروح: هل كان النقاش العربي على المستوى المطلوب؟ أم أن الاجتماع انتهى كغيره من الاجتماعات، دون خريطة طريق واضحة لمواجهة مرحلة عدم الاستقرار الشامل والممتد التي تنتظر المنطقة، والتي تتداخل فيها المصالح الدولية الكبرى بشكل غير مسبوق، وباتت فيها الذات العربية ذاتها مهددة في الوجود والفاعلية؟
ما نحتاجه اليوم ليس اجتماعات شكلية، بل رؤية عربية استباقية تتعامل مع المتغيرات الدولية من موقع قوة، وتستعد لواقع إقليمي جديد تتصارع فيه الإرادات الكبرى، وتحاول فيه إسرائيل فرض نفسها كالقوة الوحيدة المسموح لها بالتمدد والنفوذ. المنطقة تقف على فوهة بركان، والقيادة العربية أمام اختبار مصيري: إما النهوض لمواجهة التحدي بحكمة جماعية، أو البقاء في موقع المتفرج على مشهد إعادة تشكيل الخريطة من حولها. والخيار لم يعد يحتمل التأجيل.
الكاتب : مصطفى إبراهيم
في قطاع غزة، لم تعد الكهرباء مجرد خدمة أساسية للحياة اليومية، بل تحولت إلى مؤشر جديد على عمق الكارثة الإنسانية التي يعيشها السكان. ففي ظل الحرب والحصار والانهيار الاقتصادي، أصبح الحصول على ساعة كهرباء إضافية مسألة بقاء لعائلات تعيش على حافة الجوع.
وفي هذا السياق، جاء الجدل الأخير حول تسعير الكهرباء التي توفرها المولدات التجارية ليكشف جانباً آخر من مأساة الحياة في القطاع، حيث تخرج سلطة الطاقة التابعة لحماس بقرارات تنظيمية تبدو منفصلة تماماً عن واقع الأرض المحترق.
لقد ارتفعت تكلفة تشغيل المولدات بشكل جنوني، إذ يعتمد كثير منها على وقود بديل مثل "زيت الطهي" بسبب ندرة الديزل. ومع ارتفاع أسعار الزيوت والسلع الغذائية، قفز سعر الكيلوواط إلى نحو 28 شيكلاً، وهو رقم يحول الكهرباء إلى "رفاهية" مستحيلة لأكثر من مليون ونصف المليون إنسان يعيشون في الخيام، محرومين من أبسط مقومات الآدمية. هؤلاء الذين يفترشون الأرض لا يحلمون بالإنارة، لكن الكهرباء تظل بالنسبة لهم حقاً أساسياً لارتباطها بتشغيل مرافق المياه المحدودة والخدمات المنقذة للحياة.
الأرقام في الأسواق تعكس حجم الكارثة المتفاقمة؛ فالبندورة تُباع بنحو 28 شيكلاً، والبطاطا بنحو 20 شيكلاً، وهي أسعار تفوق بكثير قدرة معظم العائلات التي فقدت مصادر دخلها. وفي ظل دخول عدد محدود من الشاحنات (نحو 200 شاحنة فقط)، نشأت فجوة هائلة بين العرض والطلب، ما جعل المطابخ الخيرية و"التكايا" هي الملاذ الأخير لبقاء الناس على قيد الحياة، وسط مؤشرات مرعبة لسوء التغذية بين الأطفال وكبار السن.
هذه الكارثة لا يمكن فهمها بمعزل عن المسؤولية الأساسية للاحتلال الإسرائيلي، الذي يفرض حصاراً خانقاً ويتحكم في المعابر، ويماطل في تنفيذ قرار مجلس الأمن الدولي واتفاقيات إطلاق النار التي نصت على تدفق المساعدات. إن عدم التزام "مجلس سلام ترامب" بوعود إعادة التعافي والإعمار، جعل الاقتصاد المحلي رهينة للقرارات العسكرية، وتحوّل أي نقص في الإمدادات إلى أداة لتعميق الجوع.
لكن في الوقت نفسه، لا يمكن تجاهل فشل حكم حركة حماس في إدارة هذه الأزمة. فبعد سنوات طويلة من السيطرة، ما زال السكان يواجهون اقتصاداً هشاً يفتقر إلى سياسات حماية اجتماعية حقيقية.
إن محاولات تنظيم أسعار المولدات تبقى "حبراً على ورق" وعاجزة عن تقديم حلول، بل تكشف عن عجز الإدارة القائمة عن لجم تغول التجار الذين يتحكمون في سوق الندرة.
إن الاكتفاء بإصدار البيانات بينما يُترك الناس لقمة سائغة لسوق سوداء منفلتة، يعكس فشلاً إدارياً في حماية الجبهة الداخلية وتخفيف العبء عن المواطن المنهك.
قضية تسعير الكهرباء ليست سوى مرآة لأزمة أعمق؛ أزمة مجتمع محاصر، واقتصاد منهار، وسكان يقاتلون يومياً من أجل البقاء بين ضغط الحصار الخارجي وفشل الحكم الداخلي. الكهرباء هنا ليست مجرد طاقة؛ إنها كاشف لظلام مزدوج يحيق بغزة، بانتظار إجابة على السؤال المعلق: إلى متى يمكن لمجتمع كامل أن يعيش على هذا الحد الأدنى من الحياة، بينما تتقاذفه الأمواج بين تعنت الاحتلال وعجز الإدارة؟
الكاتب : شادي عياد
كتبتُ رسالة.
لم تكن رسالة سياسية ولا بيانًا ثوريًا ولا حتى مقالًا من تلك المقالات التي اعتدت أن أطلق فيها الكلمات كالرصاص.
كانت رسالة إنسان… إلى "إنسان".
أنا ابن فتح العتيقة، رجل أمضى سبعة عشر عامًا في موقع مدير عام يعمل في خدمة هذه الدولة ومؤسساتها وشعبها العظيم ويدفع اشتراك التأمين الصحي الحكومي عامًا بعد عام كما يفعل آلاف الموظفين الذين آمنوا أن فتح و الدولة — مهما اشتدت عليها الظروف — لا تنسى أبناءها.
ما أمر به اليوم لا امر به وحدي… إنه ما يمر به كل موظف شريف في هذا الوطن.
لكنني أملك الجرأة على الكتابة، وامتلاك هذه الجرأة هو ما جعلني أرسل رسالتي رغم صعوبة الموقف.
لقد مرّت ثلاث سنوات كاملة دون أن أتقاضى راتبي كحال آلاف الموظفين .
ثلاث سنوات.
لم أطلب صدقة.
ولم أطلب منّة.
طلبت فقط جزءًا من مستحقاتي المالية المتراكمة لدى وزارة المالية وهو حقي الذي عملت من أجله سنوات طويلة.
كتبت الرسالة باحترام.
وبثقة.
وربما — أعترف اليوم — بقدرٍ من السذاجة.
لأنني ظننت أن بعض الرسائل ما زالت تجد طريقها إلى قلوب الرجال.
لكن الرسالة… لم يصلها الرد.
انتظرت قليلًا.
ثم كتبت رسالة ثانية لا لأكرر الطلب… بل لأعتذر عن الأولى.
اعتذرت لأنني ربما أخطأت حين ظننت أن ما في صدري من صدق قد يجد صداه عند الآخرين.
وسحبت طلبي… لأن الإنسان قد يطلب حقه مرة لكنه لا يستطيع أن يطلب كرامته مرتين.
واليوم…
كنت في المستشفى.
بعد أن قرر الأطباء أنني بحاجة إلى عملية قسطرة.
تم نقلي بسيارة إسعاف إلى المستشفى الاستشاري وهناك قيل إن الأمر لا يحتاج سوى تحويلة طبية رسمية حتى أتمكن من إجراء العملية.
تحويلة… فقط.
ليس طلب امتياز.
ولا طلب سيارة مصفحة !!!
مجرد إجراء إداري بسيط لمواطن يدفع اشتراك التأمين الصحي الحكومي منذ سبعة عشر عامًا ولم يتقاضَ راتبه منذ ثلاث سنوات.
لكن ما حدث كان عرضًا آخر من عروض التهرّب التي أتقنها بعض الجالسين على الكراسي الوثيرة.
هذا يحيلك إلى ذاك.
وذاك ينتظر ردّ الآخر.
والآخر يتصرف وكأنك لا تفهم اللعبة.
وكأن الوطن كله تحوّل إلى دائرة من التنصّل…
يدور فيها المواطن وحده.
وفي لحظةٍ كهذه يكتشف الإنسان مفارقة موجعة:
أن الحصول على تحويلة طبية لإجراء قسطرة قد يكون أسهل بكثير من الحصول على تحويلة ضمير في بعض المكاتب.
وفي تلك اللحظة فقط فهمت الدرس.
المتكلّسون الذين ابتُلينا بهم في بعض مواقع القرار لا يملكون في الحقيقة شيئًا يعطونه لهذا الشعب.
ليس لأن الشعب لا يستحق…
بل لأن كل ما يتقنونه هو احتراف تبديد مقدّرات الشعب الفلسطيني على على نزواتهم الوظيفية من سيارات مصفحة وغيرها من صغائر الأمور .
هم لا يعيشون من أجل فلسطين.
بل يعيشون من فلسطين.
يسخّرون الشعب كله لخدمتهم…
بدل أن يسخّروا مواقعهم لخدمة الشعب.
ولهذا لم يعد الناس يطيقون حتى سماع أسمائهم.
ليس غضبًا فقط…
بل قرفًا.
لقد خذلوني.
لكن الحقيقة الأهم أنهم لم يخذلوني أنا وحدي…
لقد خذلوا فلسطين.
خذلوا فكرة أن يكون في هذا الوطن مسؤول يرى في الناس أهله، لا عبئًا عليه.
لكن ليكن واضحًا:
لن يجبرنا أحد على القبول بهذه النماذج المتكلّسة.
ولن يجبرنا أحد على التعامل مع من حوّلوا مواقعهم إلى أدوات تبديد لمقدرات الشعب الذي يفترض أنهم خُلقوا لخدمته.
لأن اللحظة التي يتحول فيها المسؤول إلى عبء على شعبه…
هي اللحظة التي يبدأ فيها الشعب بالبحث عن طريقٍ آخر.
ولهذا ربما لم يعد السؤال اليوم:
لماذا خذلونا؟
بل أصبح السؤال الحقيقي:
متى يبدأ الفلسطينيون بالمناداة الجدية لولادة حزب جديد…
حزب لا يسخّر الشعب الفلسطيني لخدمة قلة متكلّسة…
بل يسخّر كل طاقات الكون لخدمة الشعب الفلسطيني.
وحينها فقط…
لن تكون الرسائل التي تُكتب من قلب الألم أوراقًا تُترك في الأدراج.
بل ستكون بداية الطريق.