الكاتب : محمد زهدي شاهين
★الحلقة الثانية★
ليست المشكلة الكبرى في أن يُفرض علينا واقع، فهذه سُنّة الصراعات عبر التاريخ، حيث يسعى الأقوى دائمًا إلى تشكيل المشهد بما يخدم مصالحه. لكن الخطر الحقيقي يبدأ حين يتحول هذا الواقع المفروض من حالة نعيشها إلى حالة نؤمن بها، ومن ظرف مؤقت إلى مرجعية دائمة تضبط سلوكنا وتحدد سقف تفكيرنا.
في الحالة الفلسطينية، لم يعد التحدي فقط في وجود احتلال يفرض معادلاته، بل في كيفية التعامل مع هذه المعادلات دون أن نتحول، عن وعي أو دون وعي، إلى جزء من تثبيتها. وهنا يبرز سؤال أكثر عمقًا من مجرد الرفض: كيف نتحرك داخل هذا الواقع دون أن نستسلم له؟
الإجابة لا تكمن في الشعارات العالية، ولا في القفز فوق التعقيدات، بل في بناء قدرة حقيقية على التمييز بين “التكيّف الضروري” و“الاندماج الخطر”. فليس كل تعامل مع الواقع استسلامًا، كما أن ليس كل رفض له مقاومة. الفارق بينهما دقيق، لكنه حاسم؛ إذ يمكن لشعب أن يتكيف مع ظروف قاهرة ليحافظ على بقائه، دون أن يمنحها شرعية، ويمكن في المقابل أن يرفع خطاب الرفض، بينما يمارس في سلوكه اليومي ما يكرّس هذا الواقع.
من هنا، تصبح الخطوة الأولى هي إعادة تعريف العلاقة مع الواقع المفروض. نحن لا نتعامل معه باعتباره وضعًا طبيعيًا، ولا كقدر نهائي، بل كحالة مؤقتة تُدار بوعي، بهدف تقليص آثارها، لا التعايش معها كحقيقة مستقرة. هذا التحول في الفهم ينعكس مباشرة على طبيعة القرارات، حيث لا يعود السؤال: كيف ننجح داخل هذا الواقع؟ بل يصبح: كيف نتحرك داخله دون أن نخدم استمراره؟
هذا الفهم يقود بالضرورة إلى تقليل مساحات الاعتماد التي يُمكن أن تتحول إلى أدوات ضغط. فالاحتلال لا يفرض سيطرته فقط عبر القوة المباشرة، بل عبر شبكة معقدة من الارتباطات الاقتصادية والإدارية التي تجعل أي محاولة للتحرك مكلفة. لذلك، لا يكون التحرر هنا فعلًا مفاجئًا، بل عملية تدريجية تقوم على تقليل الهشاشة، وبناء بدائل ولو كانت صغيرة في بدايتها، لكنها تتراكم مع الوقت لتمنح هامشًا أوسع من القرار.
وفي سياق موازٍ، لا يمكن تجاهل أثر الانقسام في تكريس الواقع المفروض. غير أن تجاوزه لا يكون دائمًا عبر الاتفاقات الكبرى التي غالبًا ما تصطدم بتعقيدات السياسة، بل يمكن أن يبدأ من مساحات العمل المشتركة التي تفرض نفسها من خلال الحاجة. حين يلتقي المختلفون على هدف عملي محدد، ويحققون من خلاله نتائج ملموسة، فإنهم يخلقون شكلًا من أشكال الوحدة الوظيفية، التي قد تسبق الوحدة السياسية وتمهد لها.
أما على مستوى أدوات الفعل، فإن محدودية التأثير الخارجي لا تعني غيابه الكامل، لكنها تعني أن التعويل عليه وحده لم يعد كافيًا. وهنا يصبح من الضروري إعادة توزيع الجهد، بحيث لا يبقى الضغط الدولي هو الرهان الأساس ، بل يتحول إلى جزء من منظومة أوسع تشمل بناء رواية ذكية قادرة على مخاطبة العالم، وتفعيل الأدوات القانونية بشكل تراكمي، والأهم من ذلك كله، إشراك المجتمع نفسه كفاعل حقيقي، لا كمتلقٍ سلبي للأحداث.
غير أن أخطر ما يمكن الوقوع فيه هو الانجرار إلى ردود الفعل. فالواقع المفروض غالبًا ما يُصاغ بطريقة تدفع الطرف الأضعف إلى التحرك ضمن إيقاع محدد، يجعله يستهلك طاقته دون أن يحقق أثرًا حقيقيًا. لذلك، يصبح من الضروري الانتقال من منطق رد الفعل إلى منطق الفعل المقصود، حيث يتم اختيار اللحظة، وتحديد الأداة، وربط كل خطوة بهدف واضح، بدل الاكتفاء بالاستجابة اللحظية للضغوط .
وفي كل ذلك، يبقى الوعي هو الأساس. ليس الوعي بوصفه حالة معرفية مجردة، بل بوصفه قدرة على تفسير الواقع، وفهم آلياته، والتمييز بين ما يُفرض علينا وما نمنحه نحن من شرعية. لأن أي مشروع، مهما كان متماسكًا على مستوى الفكرة، لن يصمد إذا لم يجد حاضنة مجتمعية تدرك معناه وتؤمن بمساره.
في النهاية، لا أحد يملك رفاهية انتظار تغير الظروف من تلقاء نفسها. فالواقع المفروض لا يزول لأنه مرفوض، بل يتراجع حين يُدار بوعي، وتُبنى في داخله مسارات تقلص من تأثيره، وتفتح تدريجيًا أفقًا مختلفًا .
قد لا يكون الطريق سريعًا، وقد لا يحمل وعودًا بانفراج قريب، لكنه على الأقل طريق لا يُعيد إنتاج الأزمة، بل يعمل، بصمت وتراكم، على تفكيكها.
وهذا، في حد ذاته، بداية حقيقية.



