الكاتب: د. بسام سعيد
عندما تسير في سوق مدينة دير البلح والتى اصبحت تسمى عاصمة النازحين، تشعر كأنك تدخل إلى حكاية مكتوبة بالعرق والغبار. الشوارع مزدحمة ، بالناس وعربات كارو تجرها الحمير وعربات متعبة حالفها الحظ بوجود قليل من السولار المخلوط بزيت الطعام لتسير وتصبح مصدر دخل لعائلة تصارع فى بحر الحياة البائس ! فى السوق لا تتسع الممرات إلا لخطوات مترددة وأكتاف متلاصقة، والوجوه متعبة كأنها تحمل أيامًا أطول من أعمارها . نتائج وواقع الحرب ينعكس على الوجوة وعلى السلوك ، وعلى اللباس ، فى السوق ، لا أحد يسأل عن الكماليات ؛ أبسط الأشياء صارت تُقاس بميزان الندرة، وأصغر الأدوات تحولت إلى مفاتيح للحياة اليومية.
في زاوية بين بسطتين، يقف شاب لا يبيع سلعًا بقدر ما يبيع إمكانية الاستمرار: قدّاحات ،أو" ولاعات " يعاد تدويرها ليست جديدة ولا لامعة، بل مستعملة، وبعضها مفكك إلى أجزاء صغيرة موضوعة بعناية فوق قطعة قماش. يلتف حوله رجال وسيدات بعيون تترقب، يتفحصون القطع كما لو كانوا يتفحصون أدوات نجاة ، مهنة جديدة برزت نتيجة لشح العمل وندرة وجود القدّاحات . هنا القدّاحة ليست مجرد أداة لإشعال نار، بل وسيلة لصنع الشاي، لإحياء فرن الطابون، لإضاءة لحظة دفء في يوم بارد أو ثقيل ، أو ربما يصادفك شاب فى الطريق يبحث عن قداحة لكى يشعل سيجارته الملفوفة بورق الاوتومان والدخان العربى التقليدي ذو الرائحة النفاذة ،نظرا لشح الدخان الميرى وغلاء سعرة ! يحدثك خبير الولاعات بكل بثقة هذه شغّالة… بس بدها تعبئة، بينما يشرح شاب آخر وبكل ثقة ايضا و بحرفية مكتسبة حديثًا كيف يمكن إصلاحها أو ملء خزانها. من حوله، تتشكل مهنة جديدة، مهنة وُلدت من الحاجة: صيانة وتعبئة القدّاحات أو الولاعات ،شباب لم يجدوا عملاً، فاخترعوا لأنفسهم دورًا في اقتصاد الأزمة. أدواتهم بسيطة، لكن مهارتهم تنمو كل يوم، ومعها تنمو شبكة صغيرة من الاعتماد المتبادل بين البائع والمشتري.
السعر يتردد في الهمس قبل أن يُقال بصوت منخفض: عشرة دولارات. رقم يبدو عاديًا في مكان آخر، لكنه هنا يحمل وزنًا مختلفًا. أحدهم يتراجع، آخر يساوم، وثالث يقف صامتًا يحسب في ذهنه كم يومًا من العمل أو من الانتظار سيحتاج ليحصل على واحدة ، يتحدث فى سرة لقد كانت تباع بشيكل واحد أى جنون نحن فيه ؟.
أتذكر كيف تشاركت مع قريبى والنازح بالقرب منى -جار السكن والهم - في شراء قدّاحة واحدة. لم يكن القرار مجرد اقتسام كلفة، بل اقتسام لحاجة: أن نصنع كأس شاي، أو قهوة خفيفة، أو أن نشعل فرن الطابون لنخبز بعض الأرغفة. صرنا نتناوب عليها، كأننا نتناوب على فرصة صغيرة للحياة الطبيعية. آخذها منه فى المساء واعيدها له فى صباحا مبكرا ، في كل مرة تشتعل فيها الشعلة، نشعر أننا انتصرنا انتصارًا مؤقتًا على العجز ، استمر الحال عدة أشهر وتوقفنا حينما وصلت الولاعة للمعاش او التقاعد !
الأصوات في السوق متداخلة: بائع ينادي، طفل يبكي، رجل يساوم، وامرأة تحاول أن تختصر قائمة احتياجاتها إلى الحد الأدنى الممكن مع الإلحاح على البائع بتخفيض الثمن ، ومع ذلك، ثمة نظام غير مكتوب يحكم المكان؛ تضامن صامت، تبادل للنصائح، ومشاركة للموارد. أحدهم يهمس للآخر عن مكان يمكن أن يجد فيه غازًا أرخص، وآخر يعرض إصلاح قدّاحة دون مقابل كامل، “دبّرها لما تقدر”.
في هذا المشهد، تتغير معاني الأشياء. القدّاحة ليست مجرد سلعة؛ إنها رمز لتحول الحياة تحت الضغط، لكيفية إعادة تعريف الضروري، ولقدرة الناس على التكيّف حتى في أقسى الظروف. السوق نفسه ليس مجرد مكان للبيع والشراء، بل مساحة تُعاد فيها صياغة العلاقات: بين الناس، وبينهم وبين الأشياء، وبينهم وبين الزمن الذي يبدو أثقل من المعتاد ، وفى الخلفية كالعادة صوت الزنانه أو الطائر الفولاذى لايغادر السماء .
وأنا أخرج من السوق، يرافقني سؤال ثقيل: كيف يمكن للعالم أن يقيس هذه التفاصيل؟ كيف تُترجم لحظة انتظار أمام قدّاحة، أو قرار مشاركتها مع جار، إلى لغة يفهمها من لم يعشها؟ هنا، في دير البلح، وفى غزة المنكوبة وفى مخيمات النزوح الحياة لا تُروى بالأرقام وحدها، بل بهذه الشظايا الصغيرة من اليومي، التي تكشف حجم المعاناة بقدر ما تكشف عن عناد البقاء.!
*أكاديمي وكاتب



