الكاتب : يونس العموري
في هذا الشرق الذي تتغير فيه الأسماء أسرع من تغير الوقائع، لم يعد هناك فرق واضح بين من يسمى "مناضلا" ومن يوصف فجأة بأنه "إرهابي". اللغة هنا ليست بريئة، بل أداة تستخدمها السياسة حين تريد، وتستبدلها حين تتغير المصالح. والذاكرة يعاد تشكيلها كلما اختل ميزان القوى، حتى يصبح الإنسان نفسه دليله الوحيد... أو التهمة التي تلاحقه إلى الأبد. في زمن ما، خرج الذين حملوا السلاح من قلب الحلم الفلسطيني، ومن بينهم محمود العدرة، كجزء من سياق نضالي واسع، لا كحالة جنائية معزولة. لكن هذا كله يمكن أن يمحى اليوم بكلمة واحدة: "إرهاب". في تلك المنطقة الرمادية، لا يعود السؤال: من على حق؟ بل: من يملك حق محو الحق نفسه؟
وحين تعود قصة تسليم محمود العدرة إلى القضاء الفرنسي، لا يمكن التعامل معها كإجراء قانوني عادي. هذا ليس تعاونا قضائيا، بل قرار سياسي واضح : سلطة فلسطينية تسلم مناضلا فلسطينيا إلى محكمة خارجية لمحاكمته على فعل نضالي يعود إلى عام 1982. أي أن ما كان يوما جزءا من الصراع ضد الاحتلال يعاد تعريفه اليوم كجريمة معزولة، وكأن التاريخ يمكن اقتطاعه وإعادة ترتيبه بما يخدم اللحظة.
في هذه اللحظة، تسقط كل الأقنعة. "التعاون القضائي" يصبح اسما مخففا للتخلي، و"الالتزام بالقانون الدولي" يتحول إلى مبرر لتسليم أحد أبناء القضية. وبين هذه المصطلحات، يختفي محمود العدرة كإنسان، ويتحول إلى ملف، إلى رقم، إلى متهم يُنقل من سياق نضالي إلى قاعة محكمة لا تعترف بذلك السياق أصلا.
المفارقة القاسية أن من نشأوا في زمن كانت فيه المقاومة المسلحة جزءا من الهوية السياسية الفلسطينية، يطلب منهم اليوم أن يحاكموا بمعايير قانون دولي لم يكن يعترف أساسا بذلك السياق. محمود العدرة لم يكن استثناء، بل كان جزءا من مرحلة تاريخية كاملة. ومع ذلك، يعاد تقديمه اليوم كحالة فردية خارجة عن القانون. وهنا يظهر التناقض الصارخ: هل المشكلة في الفعل؟ أم في الزمن الذي تغيرت فيه اللغة التي تصفه؟
وحين تقدم السلطة الفلسطينية على تسليم محمود العدرة، فهي لا ترتكب فقط قرارا سياسيا، بل تقطع صلة أخلاقية مع تاريخها. هذه السلطة نفسها التي جاءت نتيجة نضالات أشخاص مثل العدرة، تعود اليوم لتسلمه. هذا ليس إجراء إداري، بل انقلاب رمزي: من رحم النضال تولد سلطة، ثم تعود هذه السلطة لتدين نفس النضال حين لا يعود مناسبا لها.
القسوة لا تكمن فقط في التسليم، بل في الرسالة التي يحملها: أن تعريف "المناضل" لم يعد ثابتا، وأن من يمكن الاحتفاء به في مرحلة، يمكن تسليمه في مرحلة أخرى. وأن الذاكرة الوطنية لم تعد مرجعا، بل مادة قابلة لإعادة التشكيل حسب ما تريده السلطة.
في هذا المشهد، لا يوجد حياد. هناك من يبرر القرار باسم الواقعية السياسية، وهناك من يراه خيانة صريحة، وهناك من يصمت لأنه لا يستطيع تفسير كيف يمكن لنضال الأمس أن يتحول إلى تهمة اليوم. وهكذا، تنتهي قصة بدأت باسم الحرية بمحاكمة في الخارج.
وهنا يبقى السؤال الأكثر إزعاجا: هل العدالة هي ما تقرره السلطة اليوم؟ أم ما صنعه التاريخ بالأمس؟ في الامتداد الطبيعي لهذا السؤال، لا تنتهي القصة عند لحظة تسليم محمود العدرة، بل تبدأ منها. لأن ما يبدو إغلاقا لملف، هو في الحقيقة فتح لجرح أعمق.
حين يسلم اسم مثل محمود العدرة، لا يسلم شخص فقط، بل تسلم معه رواية كاملة. سنوات من النضال تختصر في تهمة، وتاريخ طويل يعاد تعريفه كملف قانوني. وهنا تكمن القسوة الحقيقية : أن تتحول القضية إلى إجراء، وأن يتحول المناضل إلى مطلوب.
في هذا السياق، تبدو السلطة الفلسطينية وكأنها تحاول إرضاء الخارج أكثر مما تحاول الحفاظ على تماسك روايتها الداخلية. فهي تقدم نفسها كسلطة ملتزمة بالقانون الدولي، لكنها تفعل ذلك على حساب تاريخها نفسه. وفي المقابل، يقف المجتمع أمام صدمة: كيف يمكن لمن نشأ على تمجيد النضال أن يرى أحد رموزه يسلم بهذه السهولة؟
وهنا يتفجر التناقض الحقيقي: بين سلطة تريد أن تُقبل دوليا، وشعب لا يزال يرى نفسه في سياق صراع لم ينته. السلطة ترسم خطوطا جديدة لما هو "شرعي"، لكنها تفعل ذلك بقطعها عن جذورها. وهذا ما يجعل القرار يبدو وكأنه تنازل أكثر منه التزام.
لكن الأخطر ليس القرار وحده، بل ما يعنيه. حين يرى الناس أن محمود العدرة يمكن أن يسلم، يصبح السؤال أوسع: من التالي؟ ومن يقرر؟ وهل يمكن لأي سلطة أن تعيد كتابة تاريخ شعب كامل دون أن تفقد شرعيتها الأخلاقية؟
في الخارج، داخل القضاء الفرنسي، كل شيء يبدو بسيطا: تهمة قديمة، قانون، محاكمة. لكن في الداخل، الأمر مختلف تماما. هناك ذاكرة، وهناك سياق، وهناك تاريخ لا يمكن اختزاله في ملف. وهنا يظهر الانفصال الكامل بين القانون والواقع.
الأخطر أن هذا النوع من القرارات يعيد صياغة التاريخ بشكل انتقائي. ما كان يوما مقاومة يصبح إرهابا، ليس لأن طبيعته تغيرت، بل لأن من يملك سلطة التعريف تغير. وهنا تختفي الحقيقة بين المصطلحات.
ومع الوقت، لا يعود السؤال عن محمود العدرة فقط، بل عن كل التجربة: كيف يمكن لسلطة نشأت من النضال أن تتحول إلى جهة تحاكمه؟ وكيف يمكن لذاكرة جماعية أن تبقى متماسكة إذا كانت قابلة للمحو في أي لحظة؟ لا توجد إجابات سهلة، لكن هناك نتيجة واضحة: كل خطوة كهذه لا تغلق ملفا، بل تفتح أزمة ثقة عميقة بين السلطة والناس، وبين الحاضر والماضي.
وفي النهاية، يبقى السؤال قائما: هل يمكن للعدالة أن تكون عادلة إذا تجاهلت التاريخ؟ أم أن ما يحدث ليس عدالة، بل إعادة صياغة للذاكرة تحت ضغط السياسة؟



