الكاتب : اياد أبو روك
في زحام الأخبار ودوامات الحروب المشتعلة يغفل كثيرون عن المعركة الأعمق التي لا تخاض بالسلاح بل تخاض بالعقول. إنها المعركة التي تصاغ في الغرف المغلقة وتمرر عبر الإعلام وتزرع في الوجدان باسم الانفتاح والحرية والرأي الآخر. تلك هي معركة الاختراق الناعم التي أتقنتها المنظومة الصهيونية بدهاء تاريخي وبتخطيط بعيد المدى يعنى بتشكيل الوعي أكثر من السيطرة على الأرض حتى قطفت ثمار خططها مرارا وتكرارا .
من يتأمل مسار المشروع الصهيوني بعمق لا يمكن أن يراه مجرد صراع على الجغرافيا. بل هو مشروع متكامل يعتمد على أدوات إعلامية وفكرية ويمتد عبر شبكة واسعة من مراكز الأبحاث ومنصات التأثير وشخصيات ناطقة بلغات متعددة ومخططة لإعادة تشكيل الفضاء الثقافي العربي وفق رواية جديدة لا تناقش جذور الاحتلال بقدر ما تسلط الضوء على ما يراد تعزيزه أو تشويهه داخل الوعي الجمعي. وأكبر مثال المطل علينا يوميا وله متابعين بالملايين افخاي ادرعي !
ما نراه اليوم من انقسامات فكرية وتباينات حادة في المواقف داخل المجتمعات العربية ليس مجرد تفاعل طبيعي مع الواقع بل هو في كثير من جوانبه نتيجة هندسة منهجية لزرع التشويش والتشكيك وإعادة تعريف المفاهيم الأساسية المتعلقة بالقضية الفلسطينية والهوية والمقاومة والوحدة.
بعد الحرب الأخيرة بين إيران وإسرائيل شهدنا موجة شعبية عربية عفوية عبرت عن ابتهاج غير مؤدلج برؤية قوة تضرب الكيان الذي طالما مارس الغطرسة والعنف بحق الشعوب. هذا التفاعل العاطفي رغم بساطته كان كافيا ليطلق إنذارات داخل الأوساط الإعلامية التابعة للمنظومة الصهيونية التي قرأت في هذا المزاج الشعبي تهديدا لسرديتها التي حاولت تكريسها حول إيران كـعدو طائفي دائم يهدد العرب وتحديدا السنة. وعلى هذا النهج كثفت المنظومة الإعلامية الصهيونية من حملات مضادة لم تستهدف إيران وحدها، بل استهدفت المزاج الشعبي ذاته عبر إعادة ضخ خطاب الانقسام الطائفي والتركيز على الفروقات المذهبية كأداة لتعطيل أي تعاطف عابر للانقسامات. هذه الحملات ليست جديدة بل هي نمط معروف في استراتيجيات التشويش يهدف إلى تفكيك أي شعور جمعي حتى لو كان مؤقتا تجاه قضية واحدة أو عدو مشترك
الأخطر أن هذه الحملات لا تأتي فقط من الخارج بل تجد من يتبناها داخليا سواء عن وعي أو بغير قصد. وتظهر غالبا عبر أصوات إعلامية تتغنى بالموضوعية بينما تسهم بوعي أو بدونه في التشكيك، والتضليل وتفكيك الرواية .
لقد رأينا هذا الأسلوب يستخدم مرارا مع القضية الفلسطينية. ففي أوقات العدوان تتحرك بعض المنصات لتغيير بوصلة النقاش من الحديث عن الاحتلال وجرائمه إلى التركيز على طبيعة الفصائل أو مصادر التمويل أو الروايات الجزئية التي تفقد القضية بعدها الإنساني والوطني .
وهنا لا بد أن نتساءل: لماذا لا نستطيع نحن كعرب أن نمارس نفس التأثير داخل الإعلام المعادي الصهيوني كما يمارس هو داخل فضائنا ؟ لماذا تغلغل خطابهم في مناهجنا وثقافتنا وفنوننا بينما فشلنا في أن نخترق مؤسساتهم ولو بسردية واحدة تعكس روايتنا؟ أليس من المفارقة أن تُخصص المنظومة الصهيونية أقساما ناطقة بالعربية تخاطبنا بينما لا نملك نحن إلا فضائيات تتحدث إلينا نحن فقط؟
الحقيقة أن هذا الفارق لا يعود إلى ضعف الإرادة فقط بل إلى افتقار المشروع العربي حتى الآن لرؤية استراتيجية طويلة المدى في ميدان الإعلام والوعي الثقافي. في المقابل تدير المنظومة الصهيونية هذا الميدان كما تدار معركة عسكرية بخطط دقيقة وفرق تحليل نفسي وميزانيات مفتوحة وشبكات تأثير دولية.
وإذا ما نظرنا إلى المستقبل فإن بعض الدول العربية بحكم ثقلها الثقافي والجغرافي ستكون في مرمى هذا الاختراق الناعم بشكل متصاعد. ومصر تحديدا بتاريخها العميق ومكانتها في الوجدان العربي ستبقى هدفا محوريا لهذه الحملات. ليس لأنها ضعيفة بل لأنها مؤثرة وهيبة تأثيرها في وجدان الشعوب تجعلها تربة خصبة بنظرهم لمحاولات زعزعة الاستقرار الفكري عبر استغلال بعض الأصوات المتحمسة التي قد تجند دون أن تدرك حجم اللعبة.
وهذا ما يتطلب يقظة حقيقية ووعيا نقديا وإعلامًا عربيا رشيدا يعي خطورة المرحلة ويتجاوز منطق الردود العاطفية نحو بناء خطاب متماسك، يعيد للمثقف دوره وللمؤسسات البحثية أهميتها وللرواية الأصلية بريقها.
إن المعركة لم تعد فقط عسكرية أو سياسية بل باتت وجودية على مستوى الوعي والرواية والذوق العام. ولم تعد تُخاض بالقنابل بل بالرموز والصور والمصطلحات وحتى النكات. وهي معركة تحتاج إلى جهد جماعي ومناعة فكرية ونزاهة أخلاقية كي نمنع كارثه سوف تطال كل الدول التي تطمح اليها هذه العقلية الإسرائيلية في تحقيق حلمها من النهر الي البحر وتحقيق حلم الأجداد للوصول الي إسرائيل الكبرى!
نحن لسنا ضحية بل طرف أصيل في معادلة الصراع. وإذا كنا لا نملك التفوق العسكري فإننا لا يجوز أن نفرط في السلاح الأهم هو الوعي. فالمعركة مستمرة والطموح الصهيوني لم يتوقف. لكن ما يزعجهم حقا أن يظل هناك صوت عربي يجرؤ على قول الحقيقة. فيا جيل اليوم أنتم لستم جمهورا في معركة تبث على الشاشات بل أنتم وقودها الحقيقي وخط الدفاع الأخير عن وعي هذه الأمة. لا تسمحوا لأحد أن يسرق منكم قدرتكم على الفهم ولا تتركوا الشك يقتلكم بصمت. احذروا من أن تستبدل هويتكم ببطاقة هوية جديدة تمنح لكم على شكل ترند أو أن تبرمج عقولكم بمحتوى سريع يقتل التفكير. تذكروا دائما أن تعي أن تسأل أن تشكك بما يفرض عليك… هذا هو الفعل الأول للمقاومة فالمعركة ليست فقط من أجل الأرض بل من أجل المعنى. وإذا انهزمنا في المعنى… فلن يكون لأي نصر طعم.



