الكاتب : شادي عياد
الرسالة رقم" ٤ "
تصل هذه السلسلة في رسالتها الرابعة إلى قلب الفكرة وجوهر الغاية التي يجب أن يحملها المؤتمر الثامن لحركة فتح وهي : بناء نظام سياسي فلسطيني متكامل وقوي، لا يعيش على ردود الأفعال بل يقوم على الرؤية والمؤسسة والكفاءة والقدرة على حماية المشروع الوطني في أصعب الظروف.
فالقضية الفلسطينية لم تعد تحتمل إدارة يومية للأزمات فقط ولا يكفي أن نبقى في دائرة الصمود المعنوي وحده مهما كان عظيمًا ومشرّفًا.
ان ما يحتاجه شعبنا اليوم هو بنية سياسية متماسكة، تعرف كيف توزع الأدوار وتحدد المسؤوليات وتبني مؤسسات قادرة على اتخاذ القرار ومتابعة التنفيذ ومراقبة الأداء وتجديد الأدوات بما ينسجم مع التحولات الكبرى التي تعصف بالمنطقة والعالم.
إن المؤتمر في هذا السياق يجب أن يكون ورشة تأسيس وطني شاملة بحيث تذهب إلى ما هو أبعد من انتخاب الأطر وتجديد المواقع نحو صياغة تصور متكامل لشكل النظام السياسي الذي يريده الفلسطينيون:
نظام يقوم على سيادة القانون واحترام المؤسسة وتكامل السلطات ووضوح الصلاحيات والكفاءة في الأداء والمساءلة في كل مستوى من مستويات العمل العام.
فالدولة لا تبدأ من إعلانها فقط بل تبدأ من طريقة التفكير بها.
تبدأ من بناء عقل سياسي مؤسسي يرى في كل قرار لبنة وفي كل كفاءة ركيزة وفي كل مواطن شريكًا في الاستقرار والثقة.
ومن هنا، فإن المؤتمر يملك فرصة نادرة لتحويل الحلم الوطني من عنوان عاطفي كبير إلى هندسة سياسية قابلة للحياة.
إن بناء نظام سياسي متكامل يعني أيضًا ترميم العلاقة بين الحركة والسلطة وبين القرار السياسي والإدارة التنفيذية وبين الخطاب الوطني ومتطلبات الحياة اليومية للناس.
فالمواطن يريد أن يرى أثر السياسة في خبزه وفي كرامته وفي خدمته وفي حقه وفي شعوره بأن هناك مؤسسات تعمل من أجله بجدية وانضباط.
كما أن النظام القوي هو الذي يفتح أبوابه أمام الكفاءات ويمنح الشباب مساحة التأثير ويعزز دور المرأة ويحتضن الخبرات الوطنية في الداخل والشتات بحيث تتحول كل طاقة فلسطينية إلى جزء من ماكينة النهوض الوطني.
وإلى العالم، يجب أن تخرج من المؤتمر رسالة واضحة:
أن الشعب الفلسطيني لا يطلب فقط حقه في الحرية بل يعمل أيضًا على بناء نموذج سياسي حديث ومتوازن قادر على إدارة الدولة حين تقوم وهي ستقوم باذن الله وقادر من الآن على إدارة المجتمع بوعي ومسؤولية وثقة.
إن قوة حركة فتح في هذه اللحظة لا تكمن فقط في تاريخها، بل في قدرتها على قيادة هذا التحول الكبير:
من مرحلة الحركة التي تقود النضال إلى الحركة التي تقود أيضًا بناء النظام السياسي المتكامل وتحرس مؤسساته وتراقب أداءه وتضمن بقاء اليد الوطنية العليا على مساره دون المساس بهيبته أو دوره.
هذه هي الرسالة الرابعة:
أن المؤتمر يجب أن يكون بداية معمار سياسي جديد يضع الأساس لنظام قوي ومتوازن وعادل وقادر على حمل فلسطين من وجع اللحظة إلى استقرار المستقبل ومن الحلم المشروع إلى الدولة التي تتجسد في مؤسسة وقانون وإنسان مصان الكرامة.



