الكاتب : واصل الخطيب
تؤكد التصريحات العفوية الصادرة عن الناس في قطاع غزة المدمر والمذبوح من الوريد الى الوريد ، الى ان ما كان يقال في خضم الحرب بأنه اذا فتحت الحدود فإن أهالي غزة سيرحلون ، هو محض هراء وبالتالي شكل خيبة في توقعات من راهن على سراب القبول بالهجرة الطوعية او حتى القسرية . فحديث السيدة الغزية وهي تجلس على أثاث متواضع نقل في سيارة أجرة قادمة الى غزة بعد ان نزحوا منها الى مناطق عديدة ، يشير الى عزيمة وارادة لا تلينان وتشبث قل نظيره بالوطن والارض ومسقط الرأس .. قالت المرأة : فقدت اولادي والكثير من ابناء عائلتي وهدمت جميع منازلنا لكنني سأنصب خيمة على الركام او أفترش الرمال ولن اغادر غزة وسأموت فيها . فيما قالت عجوز ثمانينية " ما في مثل غزة في كل العالم والله ما بتركها لو خيروني بكل الدنيا ".
وهكذا لسان حال كل من أجرى مراسلو قناة الجزيرة مقابلات معهم على الهواء مباشرة ، ما يثبت بما لايدع مجالا للشك ان مخطط التهجير الذي سعى اليه نتنياهو وحكومته قد فشل بإمتياز الى جانب اهداف الحرب الاخرى التي حددوها منذ البداية وسقطت مع توقف اطلاق النار بعد ان اتخذ ترامب قرارا تاريخيا بإنهاء الحرب حيث كان يراهن على حصوله على جائزة نوبل للسلام ولكنها ذهبت الى من هي اسوء منه والتي استعانت بنتياهو لقصف بلادها بالقنابل وشاركت في الانقلاب الفاشل على الرئيس الفنزويلي هوغو تشافيز .
الى ذلك، فإنني لا استطيع القول اننا انتصرنا بالمعنى العسكري في هذه الحرب او بالتعبير الأدق العدوان الكبير من قبل دولة تمتلك سلاحا نوويا ضد شعب اعزل ومن هنا يجب تسميته عدوانا اكثر مما هو حربا ، لان القتال كان يجري بين ميليشيات مسلحة بعتاد كلاسيكي في مقابل جيش دولة غاصبة تملتك الأسلحة الاكثر تطورا وفتكا في العالم وتدعمها امريكا وأوروبا ... هذه الأخيرة التي ذرت الرماد في العيون عندما قالت انها تعترف بالدولة الفلسطينية والتي لم تقم الى الان ولا يوجد أفق مستقبلي لذلك ، طالما بقي نظام القطب الواحد يحكم العالم واسرائيل هي ربيبة هذا النظام وذراعه التنفيذية في الشرق العربي .
وهاهي اسرائيل المنكفئة على عقبيها بعد ان وضعت الحرب أوزارها وظهر الغزيون في وجهها كالصقور شامخين رغم الأمل الكبير عائدين الى ركام بيوتهم مؤكدين انهم لن يتنازلوا عن الثوابت الوطنية ، تحارب حتى مظاهر الفرح الباهت في الضفة الغربية حيث تداهم بيوت اهالي الاسرى المأمول الافراج عنهم في صفقة التبادل المنتظرة حيث تخشى فرحتهم وابتساماتهم لأنها تعتبر في ذلك تحديا لها ونصرا لو صوريا تريد حرماننا منه .. يالها من دولة هشة وعنصرية وكارهة لكل من هو غير يهودي !!! .
لقد ادركت اسرائيل وبعد سنتين ويومين من الحرب المدمرة للانسان والمكان في قطاع غزة ، انه لا يمكن هزيمة ارادة البقاء لدى الشعب الفلسطيني كما لايمكن ان تنجح في تكرار ما جرى في العام 48 عندما احتلت ارضنا التي كانت عامرة بأهلها وشعبها العظيم على عكس ما روج له أباطرة الحركة الصهيونية ان فلسطين ارض بلا شعب لشعب بلا ارض ، فقد كان الشعب موجودا وحيا وله تاريخ ضارب الجذور في الاعماق، ولكن المؤامرة العالمية الكبرى وبساطة الناس وخذلان القريب قبل الغريب اجبرهم على الهجرة على امل العودة الى البلاد بعد ايام ..ولكن استمر هذا الوضع 77 سنة ومازال الباب مفتوحا امام سنوات اخرى حتى تحقيق الحرية والاستقلال الناجزين .
الخلاصة انه لايمكن هزيمتنا وان دفعنا ثمنا غاليا لقرار فردي بالحرب والذي يجب بتقديري ان نذهب اليها بقرار وطني جامع وهكذا ايضا بالنسبة للسلام فالتفرد بالقرارات المصيرية لا يعبر عن نضوج وطني او حتى مسؤولية وطنية . فالقائد الحقيقي هو من يجنب شعبه ويلات الحروب وليس من يزجهم في اتونها . ولكن على اية حال فإن قادم الايام سيكون فيه المتسع الكبير لطرح كل الامور على الطاولة لمناقشة ما لنا وما علينا وما هو المطلوب من كل واحد منا في هذه المرحلة المصيرية في تاريخ القضية الفلسطينية والتي لا تحتمل اي منطق رخو .
لقدت خرجت غزة من تحت الركام كطائر الفينيق الذي يخرج من الرماد وقالت كلمتها الاولى والاخيرة لنتنياهو وأركان حكومته المنفتحة شهيتها على الدم "لن نهزم ولن ننكسر ولن نرحل" ..



