الكاتب : يونس العموري
في زنازينٍ لا ترى الشمس، حيث يُراد للروح أن تنكسر وللذاكرة أن تُمحى، يقف مروان البرغوثي كجدارٍ لا يتصدّع، كأنّ التاريخ كلّه قد اجتمع في جسده، وكأنّ صلابة الأرض التي أنجبته قد تسلّلت إلى عروقه. هناك، حيث الحديد أعمى، والجلّاد يظنّ أنّه سيّد المصير، يولد المعنى الحقيقي للحرية، لا كشعارٍ يُرفع، بل كوجعٍ يُقاوم.
أيُّ زمنٍ هذا الذي يظنّ فيه القامع أنّه قادرٌ على كسر إرادة شعبٍ بكسر رجلٍ واحد؟ وأيُّ جهلٍ هذا الذي يتكرّر، جيلاً بعد جيل، دون أن يتعلّم من دروس الطغاة الذين سبقوه؟ من زنزانات الإمبراطوريات الغابرة، إلى سجون الاستعمار الحديث، ظلّ المناضلون يُعذَّبون، يُعزَلون، يُقمعون، لكنهم يخرجون ، إن خرجوا، أكثر اشتعالاً، أو يبقون ، إن بقوا ، أكثر حضوراً من سجّانيهم.
مروان ليس جسداً في قفص .. هو صدى كل من قاوم، هو صوت أولئك الذين واجهوا السلاسل بصدورٍ عارية، هو امتداد لأولئك الذين علّموا التاريخ أنّ القيد لا يُلغي الإرادة، وأنّ السجن لا يقتل الفكرة. في كل صفعةٍ يتلقّاها، يرتجف وجه الظلم، وفي كل محاولةٍ لإذلاله، ينكشف خواء القامع وعجزه.
كم يشبه المشهد أساطير البشر الأولى، حين وقف الأبطال في وجه الآلهة الزائفة، ورفضوا الخضوع، فصاروا رموزاً تتجاوز الزمن. كأنّنا أمام ملحمةٍ لا تنتهي، تتكرّر فصولها، لكن نهايتها دائماً واحدة: سقوط الجلاد، وبقاء الحكاية التي يرويها الأحرار.
غضبٌ يتصاعد من بين الجدران، ليس غضب رجلٍ فقط، بل غضب شعبٍ يرى في جسده المختطف مرآةً لكرامته الجريحة. وغضبٌ آخر، أشدّ مرارة، من عالمٍ يتواطأ بالصمت، يراقب القمع وكأنّه تفصيلٌ عابر، لا جريمةٌ مكتملة الأركان.
لكن، وعلى الرغم من كل هذا الظلام، ثمة حقيقةٌ لا يستطيع السجّان محوها: أنّ من اختار طريق النضال لا يُهزم بالقيود، وأنّ من صار رمزاً لا يُختزل بجدران. سيبقى مروان، في زنزانته، أوسع من السجن، وأبقى من القيد، وأعلى من كل محاولات الإخضاع. فالتاريخ، مهما طال صمته، لا ينسى. والحرية، مهما تأخّرت، لا تموت.
وكأنّ مروان في محبسه يعيد كتابة سيرة أولئك الذين ظنّ الطغاة أنّهم دفنوهم في العتمة، فإذا بهم يخرجون من باطن القهر نوراً لا يُطفأ. أيشبهونه؟ نعم، يشبه بروميثيوس وهو مقيّد إلى صخرة العقاب، ينهش الألم كبده، لكنّه يسرق النار للبشر مرّةً بعد مرّة، غير آبهٍ بعقاب الآلهة الزائفة. ويشبه سبارتاكوس، حين رفع رأسه في وجه إمبراطوريةٍ مدجّجة، معلناً أنّ العبد يمكن أن يصير زلزالاً.
ويحضر سقراط، وهو يشرب السمّ هادئاً، لأنّه أدرك أنّ الفكرة لا تُقتل بالكأس، وأنّ الحقيقة لا تموت بموت صاحبها. ويحضر المسيح، مصلوباً بين السماء والأرض، شاهداً على أن القمع، مهما تجبّر، لا يستطيع أن يُخمد نور الرسالة. ويحضر الحسين، واقفاً في كربلاء، وحيداً في مواجهة جحافل الظلم، ليقول إنّ الكرامة أثمن من الحياة نفسها.
في زنزانة مروان، تمرّ ظلال هؤلاء جميعاً، كأنّهم شهود على العصر، أو رفاق في معركةٍ واحدةٍ اختلفت أزمنتها واتّحدت معانيها. وكأنّ السجّان، وهو يمعن في القيد، لا يدرك أنّه يعيد تمثيل المشهد ذاته الذي خسر فيه أسلافه، مراراً وتكراراً.
أيُّ غرورٍ هذا الذي يجعل الجلّاد يظنّ أنّ الحديد سيكسر من صُنع من صخر الإرادة؟ وأيُّ عمى هذا الذي لا يرى أنّ كل ضربةٍ تُنزل على جسد المناضل، إنّما تُنزل في الحقيقة على هيبة الظلم ذاته، فتُحدث فيه شقوقاً لا تُرمّم؟
إنّهم لا يتعلّمون. لم يتعلّموا من روما حين سقطت، ولا من محاكم التفتيش حين احترقت بنارها، ولا من سجون الاستعمار حين تحوّلت إلى متاحف تُدان فيها جرائم الجلادين. يكرّرون الخطأ ذاته، بنفس الغباء، بنفس القسوة، وبنفس النهاية المحتومة.
ومروان، هناك، ليس فرداً يُعذَّب، بل فصلٌ جديد في ملحمةٍ قديمة، عنوانها الصمود، ومتنها الألم، وخاتمتها الحرية. في كل يومٍ يمرّ عليه في العتمة، تُضاف صفحةٌ إلى كتابٍ سيُقرأ يوماً بصوتٍ عالٍ، وستُذكر فيه الأسماء: من قاوموا، ومن قمعوا، ومن انتصروا… ومن سقطوا في وحل العار.
فليشتدّ القيد إذن، وليعلُ صوت السجّان، ولتضق الزنزانة أكثر، فكلّ ذلك لن يغيّر الحقيقة الكبرى.. أنّ من سار على درب بروميثيوس وسبارتاكوس وسقراط والحسين، لا يمكن أن يُهزم، لأنّه ببساطةٍ… صار أكبر من الهزيمة.



