الكاتب : تحسين يقين
ماذا سيقول المؤرخون بعد أعوام؟ بل ماذا يقول المحللون من تأول لما يكون؟ الفرق أن المؤرخين، بعد السماح بنشر الأسرار السياسية، سيكون لديهم ما يكتبون بما هو قريب من الحقيقة لا كلها، في حين أن مهمة المحللين صعبة، فهم كحال نقاد الفن الحديث والمعاصر حين يحاولون قراءة لوحة سريالية، أو قصيدة من جنسها.
منذ السابع من أكتوبر والتدحرج يستمر ويتسارع، بتراجيدية الإبادة التي تمّت في غزة وما زالت تتم، توازيها انفلات المستوطنين على مرأى ساسة الاحتلال والمستويين العسكري والأمني، وصولا الى ما نحن فيه من حال لا يثير السخرية فقط، بل يدفعنا لفهم ما يكون، حتى يكون وقوفنا هنا على أرضنا أكثر قوة؛ فالوقوف على أرض رخوة لا يقود إلا الى السقوط أو التعلّق بالأوهام.
يتفاوض المستوى الرسمي اللبناني مع حكومة الاحتلال برعاية الولايات المتحدة، في الوقت الذي تتفاوض فيه الأخيرة مع جمهورية إيران الإسلامية، نيابة عن لبنا ودولة الاحتلال، بما أصبح يزيد من رجحان كفة محللي العلاقات بينهما، منذ إبعاد الشاه وتسهيل قدوم آية الله الخميني، بمعنى إزاحة نظام حكم معيّن وإقامة حكم آخر، فقد مال المحللون منذ الثورة الإسلامية في إيران، إلى وجود علاقة ما تربطهما؛ وصولا إلى تسهيل استحواذ الولايات المتحدة على الجزء الأكبر من الممتلكات والواردات والمقدّرات العربية، بمبرر الدفاع عنها.
وحتى نفهم، فإننا نتذكر معا أفلام الكابوي الأمريكية، التي كان السيّد يترك المتخاصمين لعراكهم، ليختار الأقوى للعمل معه، ولتختار المرأة الجميلة في الفيلم الفائز في العراك زاهدة بمن كانت معه. وهكذا لا الولايات المتحدة تزهد بإيران، ولا إيران تغامر فعلا في محاربة الولايات المتحدة، لذلك فإن الدولة العظمى، وليس ترامب فقط، تفكّر بما يحفظ مصالحها، كما تفكّر إيران طبعا بمصلحتها القومية، أما من تم إدخاله الحرب جبرا أو جهلا، فسيظل على الهامش لا صوت له، وحتى دولة الاحتلال يخبو صوتها حين تخرسها الولايات المتحدة.
نحن أمام الحال نفسه، فكما كانت إيران قبل الثورة، فهي هكذا بعد الثورة، وهي الآن يبدو أنها تقوم بالفعل نفسه، ولكن بأسلوب له ديباجة ما، فلن يختلف حال الولايات المتحدة مع النظم، ما دامت تربح، أما دولة الاحتلال فوقود، كذلك الأشقاء العرب الذين يدفعون أثمانا، بدون مقابل حقيقيّ.
العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران ما قبل الثورة واضحة الى حدّ ما، ما جعل الجيش الإيراني يقف محايدا إزاء الحراك الشعبي عام 1979، فيما العلاقة بينهما ملتبسة بعد الثورة، ولا أحد سيقتنع مثلا أن الولايات المتحدة لم تكن قادرة على منع تسليح إيران لحزب الله عن طريق سوريا، ولا عن وصول السلاح الإيراني الى اليمن والعراق. إيران دولة عريقة، وهي لاعب سياسيّ حقيقيّ هنا، وليس الهمّ الإيرانيّ عربيا، بالرغم من قناعتنا بالطبع أنه ليست عدوا.
والآن، وغدا، فليس لنا إلا أنفسنا، ولم يعد التضامن العربيّ شعارا رومانسيا، بل واقعا، فلا يهم أن يحبّ زيد عمرا، ومن الممكن فعل ذلك، فلم نمت نحن العرب بعد، ولنا من خلال وحدتنا السياسية، أن نتموضع معا ونتعامل مع دول كبرى لا للتبعية، ولا للتحالف، فإن أحسنا النوايا، والتكامل، فسنبدأ تدريجيا في السير في طريق الخلاص القوميّ، ووقتها يمكننا أن نفكر سياسيا ودبلوماسيا واقتصاديا، باتجاه مصلحتنا القومية، التي من خلالها فقط، تتحقق المصالح القطرية، ونقلل خسائرنا لمواردنا، باتجاه وقف نزيفها.
ولا يعني ذلك كراهية إيران ولا غيرها من الدول الإقليمية القومية، بل يعني أولا وأخيرا استعادة الحدّ الأدنى الممكن من التضامن العربيّ، والعودة الى إحياء مبادرة السلام العربية من مصدر قوة، بعيدا عما تحاول به الولايات المتحدة جرّ لبنان الى ما وهم التطبيع، لأن اللبنانيين وهم بهذا التشظي غير قادرين لا على الحرب ولا على السلام، بل الأحرى بهم استعادة وحدتهم الوطنية، بمعنى ان إيقاف الحرب لا يعني التورط في تسوية لا طعم لها مع الملطخة أيديهم بدماء المدنيين اللبنانيين في مناطق مختلفة من لبنان.
قد يختلف كثيرون معنا، وسنتقبل ذلك بكل سعة قلب وفكر، ولكن ما نجمع عليه جميعا هو أن الخلاص القطري لن يتمّ بمعزل عن الخلاص القوميّ، والتاريخ يشهد، ومن لا يتعلم من التاريخ فقد خسر البوصلة.
والسؤال الأهم، باعتبار ان قضية فلسطين، هي القضية الأولى أيضا، خصوصا لمن يتحدث باسمها، من "المعتدلين أو من محور الممانعة"، فما الذي سينعكس إيجابا عليها، في ظل مفارقة صادمة، حيث لا هؤلاء حسموا، ولا هؤلاء أصلا كانوا متيقنين من الحسم.
مصطلح تشتيت وتفرقة، لا معنى له، إلا تطبيق شعار الاستعمار القديم والمتجدد: فرّق تسد، وهكذا فإننا إن أردنا، نستطيع التغيير: نجتمع فلا يسود الغزاة علينا، وإن ولا بدّ، فليكن احتلالا أجنبيا مباشر يدفع ثمن فعله، لا تقديم هدايا له، أشبه بالإتاوات.
البداية تبدأ من خطوات، قد تبدو صغيرة، لكن من قال إن “فطافيط" العنب تبقى على صغرها؟ ستنمو الوريقات، تصير أوراقا، تكبر عناقيد العنب، تصير كما شبهها جبران، كثريات الذهب.
كل ما يفكّر به من خلال وطني وقومي، ولنا نحن أن نفكر بذلك، من حقنا ذلك، فحق تقرير المصير لا يتوقف على شعب، بل للأمة العربية أن تقرر مصيرها. وللشعوب العربية ان تحثّ النظم، لا من خلال "فتن" سميت كذبا بالربيع العربي، بل من خلال تحمّل المسؤولية؛ فمن يحافظ على المقدرات والكرامة العربية سيكتسب الشرعية.
آن الأوان لأمرين يتمان معا: الأول الوحدة الوطنية لكل قطر، باستعادة اللحمة الاجتماعية والسياسية لكل بلد عربيّ، وإنهاء العداء والتنافس، وترك المجال للتصالح والحكم الرشيد. والثاني إنهاء الخلافات العربية التي زادت الجميع ضعفا.
أما فلسطين، ففي ظل عالم عربي متضامن، فسيكون المجال ممكنا لإحداث تسوية قريبة من العدالة، فلا استقرار حقيقيّا في ظل تغوّل الاحتلال على فلسطين بشكل مباشر وعلى بلادنا العربية بشكل غير مباشر.
فلنترك الجدل إذن عن علاقات الدول السرية والعلنية وتحالفاتها من واشنطن الى بكين الى موسكو، ولننتبه الى علاقاتنا، فلنا ما نعرفه وعلينا أن نسير فيه.



