الكاتب : محمد زهدي شاهين
ليس دقيقا بأن نقوم باختزال العلاقة بين الدين والسياسة في مجرد تداخل عابر أو تماسّ ظرفي، بل هي علاقة متينة وعميقة الجذور، تمسّ جوهر الإنسان والمجتمع معًا. فالدين، في حقيقته، لا يقتصر على كونه طقوسًا وشعائر، وإنما هو منظومة متكاملة تنظم علاقة الإنسان بربه، وتضبط سلوكه تجاه نفسه وتجاه الآخرين، بما يحمله من قيم العدل والرحمة والصدق والمسؤولية.
وفي المقابل، فإن السياسة ليست سوى الإطار العملي الذي تُدار من خلاله شؤون المجتمع والدولة، بما يشمل تنظيم العلاقات، وتوزيع الموارد، واتخاذ القرارات التي تمس حياة الناس اليومية. وإذا تأملنا في ذلك بعمق، نجد أن المجتمع ما هو إلا مجموعة من الناس، وأن الدولة في جوهرها وُجدت لخدمة هؤلاء الناس، لا العكس.
من هنا، تبدو العلاقة بين الدين والسياسة علاقة طبيعية وضرورية، وليست علاقة طارئة أو مفروضة. فإذا كان الدين يهذّب النفس ويغرس القيم، فإن السياسة هي الميدان الذي تُختبر فيه هذه القيم على أرض الواقع. ولا يمكن لسياسةٍ أن تستقيم دون مرجعية أخلاقية تضبط مسارها، كما لا يكفي للدين أن يبقى حبيس التنظير دون أن ينعكس أثره في حياة الناس العامة.
وفي هذا السياق، يجدر التأكيد على أن المرجعية الأخلاقية — سواء كانت نابعة من إيمان ديني بالله، أو من منظومة أخلاقية إنسانية لا دينية — فإنها في كلا الحالين تمثل الثابت الذي ينبغي أن تُبنى عليه السياسة. فالأخلاق هي الأصل، والسياسة فرعٌ عنها، وهي المتغير الذي يجب أن يظل تابعًا لذلك الثابت القيمي، لا متقدمًا عليه ولا متجاوزًا له.
وعليه، فإن الدين لا يقف عند حدود كونه مرجعية أخلاقية للسياسة فحسب، بل يتجاوز ذلك ليكون بمثابة الرقيب عليها، يقيّم أداءها، ويكشف انحرافها، ويمنع تغوّلها على حقوق الناس. فحين تغيب القيم، تتحول السياسة إلى صراع مصالح مجرد، وتفقد بوصلتها، وقد تنزلق نحو الظلم والاستبداد.
لكن في المقابل، يبقى التحدي قائمًا في كيفية توظيف هذه العلاقة توظيفًا سليمًا، بحيث لا يُستغل الدين لتبرير الأخطاء السياسية أو لتكريس الانقسام، ولا تُقصى القيم الدينية من المجال العام بحجة الحياد. فالمطلوب ليس خلطًا فوضويًا، ولا فصلًا قاطعًا، بل تكاملٌ واعٍ يضع كلًّا منهما في موضعه الصحيح.
في الخلاصة، إن العلاقة بين الدين والسياسة ليست علاقة تنازع بين حقلين، بل علاقة تكامل بين نظاميين وظيفيين؛ فالدين يوجّه ويهذّب ويراقب، والسياسة تنفّذ وتدير وتخدم، لهذا فإن حالة الارتباط بينهما هي حالة ارتباط أصيل. وإذا ما استقامت هذه المعادلة، استقام حال المجتمع، واقتربت الدولة من تحقيق غايتها الحقيقية المتمثلة في خدمة الإنسان وصون كرامته.



