الكاتب : بكر أبوبكر
قالوا أن "أجمل أو أعذب الشعر أكذبه"! ما ينسب الى زياد بن أبيه القائل "الشعر كذب وهزل، واحقه بالتفضيل أكذبه"، وتنسب الى ابن طبابا أيضًا، وهو ما لا نتفق معه رغم أن المقصود بالعذوبة والكذب هنا هو الإغراق بالخيال والمبالغات وتجميل المعاني، وما لا يصح برأينا تسمية ذلك بكذب الشعر، وإنما خيال جامح وجماليات معنوية مفهومة ومقدرة فليس المقصود التزوير للحقائق ما هو أصل الكذب الذي يبرع به السياسيون والأفاقون.
قال أديب العربية، مصطفى الرافعي: "ولعلماء الأدب العربي كلمة، ما أراهم فهموها على حقها، ولا نفذوا إلى سرها، قالوا: أعذب الشعر أكذبه، يعنون: أن قِوام الشعر المبالغة والخيال، ولا ينفذون إلى ما وراء ذلك، وما وراءه إلا الحقيقة رائعة بصدقها وجلالها، وفلسفة ذلك: أن الطبيعة كلها كذب على الحواس الإنسانية، وأن أبصارنا وأسماعنا وحواسنا، هي عمل شعري في الحقيقة، إذ تنقل الشيء على غير ما هو في نفسه، ليكون شيئاً في نفوسنا، فيؤثر بها أثره جمالاً وقبحاً وما بينهما،... فأعذب الشعر ما عمل في تجميل الطبيعة، كما تعمل الحواس الحية بسر الحياة».
وإذا كان النقاد قد انقسموا إلى فئتين: فئة تقول: أحسن الشعر أكذبه، وفئة تقول: أحسن الشعر أصدقه، فإن أبوعلي المرزوقي الأصفهاني قد أضاف فئة ثالثة تقول: "أحسن الشعر أقصده"!
أما الكذب لدى الحكام والقادة والسياسيين فهنا الطامة الحقيقية حيث قلب الوقائع "عيني عينك"، والتزوير والتدجيل والاجتزاء والتشويه للحقيقة ما نراه يوميًا في وسائل التواصل الاجتماعي والشابكة من تهييج وتلوين لأقوال وأحداث ومبالغة أو تبخيس مقصود لوقائع واضحة نشاهدتها عبر الفضائيات بل وتشارك هذه الفضائيات المسيّسة والمدلسة والمضللة فيها لغرض التحشيد والتدجين والتلاعب بالعقول وخدمة الأسياد من الساسة والقادة والحكام الكذابين.
"كان كيسنجر ميالاً إلى الكذب بسهولة. لم يكن يتردد كثيراً في ذلك. قال أحد مساعديه في مجلس الأمن القومي، هلموت زوننفيلدت، الذي عمل معه عن قرب: "إنه لا يكذب لأن ذلك يخدم مصلحته، بل لأنه جزء من طبيعته". وعلّق الصحافي سيمور هيرش: "كان يكذب كما يتنفس الناس". ومع ذلك، كان يتمتع بذكاء حاد وروح فكاهة لافتة تخفف التوتر في اللحظات المناسبة، وبقدرة كبيرة على العمل لساعات طويلة رغم الضغوط، وبمهارة عالية في المناورات البيروقراطية. لكنه كان أيضاً متعجرفاً، لاذعاً في وصف من حوله بـ"الحمقى" و"المجانين" و"السطحيين"، شديد السيطرة، مديراً متطلباً إلى حد القسوة أحياناً، لا يتسامح مع من لا ينفّذ أوامره." كما تذكر هدى الحسيني في مقالها (16/4/2026م) عن كتاب جديد بعنوان "تسجيلات كيسنجر"، للكاتب توم ويلز.
أرجعني كذب كيسنجر وزير الخارجية الأمريكي الأسبق (صاحب نظرية الخطوة خطوة التي أعقبت حرب أكتوبر 1973م) باعتبار الكذب جزء من طبيعته كشخص، وأنه يكذب كما يتنفس! للقاء تم بين الأخ هاني الحسن عضو قيادة حركة فتح مع فيليب حبيب حينما التقيا عام 1993م في بلد أوروبي فسأل هاني الحسن "أبوطارق" المفاوض الأمريكي حبيب: لماذا لم تلتزموا بالاتفاق معنا (مع منظمة التحرير الفلسطينية، وحركة فتح) عند خروجنا من بيروت؟ فما كان من حبيب الا أن قال بصراحة الى حد الوقاحة: "ألا تعلم أن الدول العظمى تكذب!" ليصبح الكذب ليس مرتبطًا بشخص بل بكل النظام هنا!
مؤخرًا تعملق الكذب حتى طال رأس النظام الأمريكي وبدعم من أقطاب بالنظام الذي تجاوز كيسنجر بحدود واسعة في مقولة يكذب كما يتنفس أو أنه طبيعته الثانية بل أصبحت الأولى! فلم يعد الخجل منه واردًا أو لم يعد مقتصرًا على أشخاص أو يحصل بالسر وبالابواب المغلقة بل تخطى كل ذلك فأصبحنا نصحوا على أكاذيب وننام على أكاذيب مضادة أخرى! ولكم في نموذج الرئيس دونالد ترمب المثال الحي!
إذن لم يكن ترمب اليوم ككذاب أشر أول الكذابين فلقد سبقه بالنظام الأمريكي الكثيرون وإن بأقنعة مختلفة تفوق هو فيها عليهم بلا أي قناع ، ولم يكن ترمب الموصوف بالكذاب منذ اليوم (عام 2026م) وإنما يشار مثلًا الى توني شوارتز كاتب مذكرات ترمب أي كاتب كتاب "فن الصفقة" الذي صرح بأن الكذب بالنسبة لترمب طبيعة ثانية، ووصف أسلوبه ب "المبالغة الصادقة" التي اعتبرها خداعًا!
هذا عدا عن توثيقات عديدة في الإعلام الأمريكي ذاته وتقارير موثقة تدون آلاف التصريحات الكاذبة للرئيس ترمب بحيث أطلقت عليه أوصاف مختلفة من مثل "الكذاب الأكبر"، و"ملك الكذبات الكبيرة"، فعلى سبيل المثال وثقت صحيفة "واشنطن بوست" عام 2019 للرئيس ترمب 10 آلاف كذبة فقط بعد 800 يوم في رئاسته الأولى! وقال مدققو الحقائق أنه يكذب بمعدل 21 كذبة يوميًأ!
كتبت كارول ماكغراناهان في مجلة "أمريكان إثنولوجيست " عام 2017: "لطالما كان من المسلّم به أن السياسيين يكذبون، لكن دونالد ترمب مختلف". فهو "أكثر الكاذبين براعةً وفعاليةً" ممن شاركوا في السياسة الأمريكية على الإطلاق؛ علاوة على ذلك، أعاد كذبه تشكيل الخطاب العام بحيث أصبح "تكرار الكذب ودرجته وتأثيره في السياسة غير مسبوق".
ذكر المؤرخ دوغلاس برينكلي أن رؤساء الولايات المتحدة قد "كذبوا أو ضللوا البلاد" في بعض الأحيان، لكن لم يكن أي منهم "كاذباً متسلسلاً" مثل ترمب. وصرح دونيل ستيرن، في كتابه "حوارات التحليل النفسي" عام 2019: "نتوقع من السياسيين أن يبالغوا في الحقائق. لكن ترمب حالة مختلفة تماماً"، لأنه "يكذب كسياسة"، و"سيقول أي شيء" لإرضاء مؤيديه أو نفسه.
وكتب عنه جيريمي آدم سميث أن "الكذب سمةٌ أساسية، لا خللٌ عابر، في حملة ترامب ورئاسته". وكتب توماس ب. إدسال : "يستحق دونالد ترامب لقب أكثر الرؤساء كذباً في التاريخ". والكثير الكثير مما لا يحتاج الى إثبات بقدر ما يحتاج لتتبع ونظر من كل ذي لب يرى ويشاهد ويسمع.
المدير السابق لمكتب التحقيقات الفدرالي جيمس كومي وصف ترمب في مذكراته بأنه "رئيس شرس لا علاقة له بالصدق" و"مدفوع بالأنانية" و"يطالب بالولاء الشخصي له" و"رئيس غير أخلاقي وغير مقيد بالحقيقة وقيم المؤسسات"، وأضاف أن خدمته تحت إدارة ترمب تذكره بالأيام التي كان يحقق فيها مع رؤساء العصابات! حين كان مدعيا عاما سابقا في نيويورك."
تؤكد دراسات في علم الأعصاب (تحقيق أوشا سوتليف في جامعة جنوب كاليفورنيا) أن دماغ الكذابين المرضيين يظهر اختلافات هيكلية واضحة مقارنة بالأشخاص الأسوياء للمادة الرمادية المسؤولة عن معالجة المعلومات، بينما المادة البيضاء هي "الكابلات" التي تربط بين الخلايا العصبية. هذه الزيادة في المادة البيضاء، خاصة في الفص الجبهي المسؤول عن التفكير واتخاذ القرارات، تعزز قدرة الكذاب على ربط الأفكار والذكريات ببعضها بسرعة، مما يساعده على اختلاق قصص متسقة، معقدة، وذات مصداقية عالية دون بذل مجهود ذهني كبير. ويُعتقد أن نقص المادة الرمادية في هذه المنطقة يقلل من القيود الأخلاقية أو الشعور بالذنب، مما يجعل الكذب سلوكاً أسهل.



