الكاتب : د. مجدي جميل شقورة
تعد اشكالية توزيع الاعباء في الصراعات الاقليمية من اكثر القضايا جدلا في الوقت الراهن حيث يبرز التساؤل الملح حول طبيعة التباين بين حجم التضحيات التي تقدمها شعوب المنطقة وبين الحسابات السياسية والباردة التي تديرها طهران. إن المتأمل في المشهد يدرك ان الملالي في ايران قد برعوا في فن ادارة الصراع عبر الحدود حتى صح فيهم القول انهم خير من قاتل بغير عساكرهم اذ نجحوا في بناء منظومة دفاعية وهجومية متكاملة وقودها الاساس من خارج حدودهم الجغرافية. هذه الاستراتيجية تعتمد بشكل كلي على مبدأ الدفاع المتقدم حيث تخاض المعارك في شوارع بيروت وازقة بغداد وساحات غزة ليبقى العمق الايراني واحة من الاستقرار والبعيد عن دمار الحروب المباشرة .
ومع توالي الضربات القاصمة التي طالت قادة كبارا ورموزا بوزن حسن نصر الله واسماعيل هنية ويحيى السنوار، بدأت تتبخر اسطورة الرد المزلزل لتكشف عن واقع سياسي مختلف تماما وهو ان ايران ليست مستعدة للمخاطرة بكيان الدولة او رفاهية العسكر الايراني من اجل الحلفاء مهما بلغت مكانتهم. ان حالة السكون التي اعقبت اغتيال هنية في قلب طهران واكتفاء النظام الايراني ببيانات التنديد او الردود الرمزية تؤكد ان الاولوية القصوى هي الحفاظ على مكتسبات النظام وتجنب المواجهة الشاملة مع القوى الكبرى. في هذه المعادلة يجد اللبناني والعراقي والفلسطيني انفسهم في مواجهة الات عسكرية مدمرة بينما يراقب المحرك الاقليمي المشهد من بعيد متمسكا بصبر استراتيجي يبدو في جوهره عملية امتصاص للضربات باجساد الاخرين.
ان التكلفة الحقيقية التي تدفعها شعوب المنطقة تتجاوز الخسائر العسكرية لتصل الى الانهيار الاجتماعي والاقتصادي الشامل فبينما تبنى القوة التفاوضية لايران على طاولة المجتمع الدولي باستخدام اوراق الضغط الاقليمية تفتقر الشعوب التي تشكل هذه الاوراق الى ابسط مقومات الامن والاستقرار. هذا المشهد يكرس واقعا مريرا يرى فيه الكثيرون ان دماء ابناء المنطقة اصبحت مجرد وقود لالة سياسية لا تتردد في التضحية بالكل من اجل بقاء المركز. وفي نهاية المطاف يبقى السؤال الاخلاقي والسياسي قائما الى متى ستظل شعوب المنطقة تدفع ضريبة طموحات اقليمية لا تجلب لها سوى الدمار بينما يظل الطرف الاصيل في الصراع محتميا خلف حدود لم يمسسها سوء مستفيدا من قدرته الفائقة على خوض اقسى المعارك بدماء واموال ومستقبل غيره؟



