الكاتب : شادي عياد
لم يعد الوجع أزمةً عابرة
ولا مجرد ضيقٍ اقتصادي أو تأخرٍ في الرواتب فقط
ولا حتى مجرد انسدادٍ سياسي يثقل يوميات الناس.
فالوجع اليوم أكبر من كل ذلك كله للأسف
إنه شعورٌ جارح يسكن قلوب أبناء فلسطين
وأبناء فتح على وجه الخصوص
أنهم تُركوا بين نارين لا ترحمان:
نار الاحتلال الذي يطاردهم على الحواجز وفي السجون وفي أرزاقهم وكرامتهم
ونار القرار الداخلي الذي يخذلهم حين يترك الأوفياء خارج المشهد ويمنح المساحة لوجوهٍ لا تشبه الوجع الوطني.
هناك
يُطارد الفلسطيني لأنه متمسك بتراب وطنه
ويُخنق في رزقه
ويُلاحق في حركته
ويُدفع كل يوم إلى حافة القهر
حتى باتت الحياة نفسها تمر من بين أسنان الحواجز.
وهنا
في الداخل الذي كان يُفترض أن يكون حضنًا للمناضلين
يجد ابن فتح نفسه محاصرًا بوجوهٍ لا تشبه وجع الميدان
ولا تحفظ ذاكرة الشهداء
ولا تعرف كيف صمدت المخيمات والقرى والجامعات تحت راية الحركة.
وجوهٌ طال مقامها حتى تحولت إلى عبءٍ ثقيل على الروح التنظيمية والوطنية
وغربةٍ سياسية تفصل القاعدة عن القرار
وتجعل أبناء البلد يشعرون أن من يتحدث باسمهم لا يسمع نبضهم.
نحن أسرى حب فلسطين
وأسرى عشق فتح
تربينا على أن الحركة كانت دائمًا بيت الناس
وصوت الفقراء
ومظلة المناضلين
وعنوان المشروع الوطني.
لكننا اليوم نقف أمام سؤالٍ لا يجوز الهروب منه:
كيف يُترك أبناء الحركة الحقيقيون
أبناء المخيمات والحارات والجامعات والميدان
على أبواب الانتظار المهين
بينما يطول زمن الغرباء فوق صدور الناس
ويستمر حضورهم في مفاصل القرار كأن البلد خُلقت لهم وحدهم؟
الأشد إيلامًا من كل ذلك يا سيادة الرئيس
أن التعيينات السامية ما زالت تتكرر بذات العقلية التي ترفع أبناء الحظوة والنفوذ وتُقصي أصحاب التاريخ والكفاءة، في مشهدٍ يثير الغضب والاشمئزاز الوطني والتنظيمي.
ليس لأن الناس تعترض على الأشخاص فقط بقدر ما تعترض على المنهج
وعلى عقلية ترى الوطن بوابةً للمواقع لا رسالةً للعدالة
وترى القرب من دوائر النفوذ أهم من تاريخ التضحية والنزاهة والكفاءة.
لقد بات الشارع يسأل بمرارة:
أين أبناء فتح الذين أفنوا أعمارهم في الدفاع عن المشروع الوطني؟
أين أبناء الشهداء والأسرى؟
أين من صمدوا في أصعب الظروف؟
كيف يُعقل أن تبقى الأبواب موصدة في وجوههم
بينما تتكرر ذات الأسماء وذات الامتيازات وذات الدوائر؟
ومن هنا
ومن قلب الوفاء لا الخصومة
ومن باب الحرص على هيبة الدولة وسمعة الحركة
نتوجه بنداءٍ واضح وصريح إلى فخامة الرئيس محمود عباس:
من شأن الله ان اتخذوا قرارًا تاريخيًا باسم العدالة الفتحاوية والوطنية
بفتح تحقيقٍ شامل في جميع التعيينات السامية التي أُقرت خلال المرحلة الماضية
بإشراف النائب العام الفلسطيني
وبمتابعة هيئة مكافحة الفساد
حتى يعرف الناس أن الدولة ما زالت دولة قانون
وأن فتح ما زالت تنتصر لأبنائها الأوفياء
وأن الوطن لا يُدار بالمحاباة بل بالحق والكفاءة والنزاهة.
إن هذا القرار لم يعد مطلبًا تنظيميًا فقط
بل ضرورة وطنية وأخلاقية لإعادة الثقة بين الناس ومؤسساتهم
وبين أبناء الحركة وقيادتهم
ولإثبات أن العدالة ليست شعارًا يُرفع في الخطب
بل ممارسة تُترجم في التعيين والمساءلة والرقابة.
يا سيادة الرئيس،
هذه ليست صرخة غضب فقط
بل نداء محبة من أبناء تربوا على اسمكم
وعلى اسم فتح
وعلى أن العدالة أساس بقاء المشروع الوطني.
أنقذوا ثقة الناس قبل أن تتآكل اكثر
وأنصفوا أبناء الحركة قبل أن يتحول الصمت في صدورهم إلى جرحٍ عميق
وأعيدوا القرار إلى أبناء البلد الذين حملوا الحلم في أصعب الأيام
وكانوا دومًا خط الدفاع الأول عن الشرعية الوطنية.
لأن أخطر ما يمكن أن نصل إليه
ليس فقط ضيق العيش
ولا الحواجز
ولا تأخر الرواتب
بل أن يشعر ابن فتح أن إخلاصه أصبح عبئًا
وأن تاريخه لم يعد شفيعًا له
وأن الوطن بات يفتح أبوابه للغرباء أكثر من أبنائه.
وحين يصل هذا الشعور إلى القلوب
لا تتعب الأجساد فقط
بل تتعب المعاني نفسها:
معنى الانتماء،
ومعنى التضحية،
ومعنى أن يبقى الوطن بيتًا لأبنائه قبل كل شيء.
هذه ليست مقالة فقط
بل نداء تاريخي: أعيدوا الهيبة للعدالة وأعيدوا أبناء فتح إلى مكانهم الطبيعي في قلب القرار قبل أن يصبح الوجع اعمق من قدرة الكلمات .



