الكاتب : أحمد دخيل
يمكن للمرء أن يصف النكبة الفلسطينية على أنها حادثةً تاريخيةً وقعت في عام 1948 ثم انتهت، لكنها وفي جوهرها العميق لحظة انهيار كونيّ للمعنى العربي نفسه. وما الشعر العربي الحديث، منذ السيّاب حتى محمود درويش، إلا محاولة طويلة لترميم اللغة بعد أن تصدّعت تحت أقدام اللاجئين. لقد خرج الفلسطيني من أرضه، نعم، بيد أنّ الكارثة الأشد فداحة كانت خروج الكلمات من يقينها المعهود، بحيث لم تعد اللغة قادرة على تسمية الأشياء كما كانت من قبل. صار الخبز مرادفًا للحصار، والبرتقال مرادفًا للمنفى، والحبيبة مرادفًا لفلسطين، وصارت القصيدة نفسها خيمةً لغويةً تؤوي شعبًا كاملًا من الضياع.
من هنا، فإن قراءة النكبة في الشعر الفلسطيني لا يمكن اختزالها بالبعد السياسي أو التوثيقي وحده، لأن الشعر الفلسطيني تجاوز نشرة الأخبار عالية البلاغة، وصار في أعمق تجلياته محاولةً ميتافيزيقية لفهم الكارثة وتوصيفها.
لقد أدرك الشعراء الفلسطينيون، مبكرًا، أن الاحتلال لا يسرق الأرض فقط، إنه يسرق التاريخ أيضًا. ولذلك تحوّلت القصيدة إلى مقاومة ضد المحو، وتعدت كونها دفاعًا عن الجغرافيا لتكون دفاعًا عن الذاكرة، عن أسماء القرى، عن رائحة الزعتر، عن صوت المؤذن في الفجر، عن ظلّ التين على التراب الرطب، وعن تلك التفاصيل الصغيرة التي تبدو تافهة في أعين الإمبراطوريات، لكنها تشكّل روح الشعوب.
في الشعر الجاهلي كان الشاعر يقف على الأطلال لأن الحبيبة رحلت. أمّا الفلسطيني فقد وقف على الأطلال لأن الوطن نفسه رحل. هنا حدث الانقلاب الهائل في بنية المرثية الفلسطينية، ولم يعد الرثاء متعلقًا بفردٍ أو قبيلة، حيث تحوّل لرثاء للمكان كاملًا ذلك المكان الذي اختُطف من الزمن.
ومن هذه اللحظة بالتحديد وُلدت القصيدة الفلسطينية الحديثة باعتبارها «أنطولوجيا فقدان».
إن المتأمل في تجربة شعراء فلسطين يدرك أن الأرض عندهم حالة وجودية. وقد نقلوا القضية من الخطاب السياسي إلى سؤال الكينونة. ولهذا فإن الشاعر الفلسطيني لم يقل «أحب فلسطين» بقدر ما أعاد عجنها داخل اللغة. كانت القصيدة عنده أشبه بطقس صوفيّ يحاول استدعاء البلاد من غيابها، كما يستدعي المتصوفُ رحمة الله عبر الذكر. ولهذا تكثر في شعره مفردات الغياب والحضور، الفناء والبقاء، الجسد والظلّ، الأرض والسماء. لقد تحوّل الوطن عند ذلك الشاعر إلى «حقيقة باطنية»، ولم يقف عند حدودٍ على الخارطة.
ولعلّ هذا ما جعل الشعر الفلسطيني قريبًا من التجربة الصوفية العربية في جوهرها العميق.
فالمتصوفة الكبار من الحلاج إلى ابن عربي كانوا يدركون أن الفقدان لا يعني نهاية العلاقة بالأشياء،
بقدر ما يعني بدايتها الأسمى. حين قال الحلاج: «أنا من أهوى ومن أهوى أنا»، وبقوله يلغي المسافة بين الذات والمطلق. والفلسطيني، في لحظته الشعرية القصوى، فعل الشيء نفسه مع وطنه. ونقل فلسطين من موضوع خارجي يُكتب عنه، فصارت كيانًا يسكن الشاعر من الداخل. ولذلك فإن المنفى الفلسطيني لا يعني الخيمة، إنهُ اغترابٌ روحي؛ اغتراب الكائن عن صورته الأولى.
ولعلّ أخطر ما فعلته النكبة أنها حوّلت الفلسطيني من إنسان يعيش في التاريخ إلى إنسان يعيش ضدّ التاريخ. فالعالم الحديث، الذي بشّر بالحرية والعدالة وحقوق الإنسان، وقف متواطئًا بالصمت أو بالفعل أمام اقتلاع شعب كامل من أرضه. وهنا فقدت اللغة السياسية قدرتها على التعبير، فدخل الشعر كملاذ أخير للحقيقة. ولهذا لا يُنظر إلى الشعر الفلسطيني بوصفه ترفًا ثقافيًا، إنه ضرورة وجودية مرتبطة بوجود الفلسطيني في هذا الكوكب. وصارت القصيدة وثيقة تثبت أن الفلسطيني لم يتحول بعد إلى رقم في سجلات الأمم المتحدة.
وقد استطاع الشعر الفلسطيني أن يحقق معجزة نادرة في الأدب العربي الحديث: أن يجمع بين المحلي والكونيّ. فقصائد درويش وسميح القاسم ومعين بسيسو وراشد حسين وصالح هواري ومراد السوداني وعبد الله عيسى وغيرهم الكثير ممن اعتلوا صهوة الحرف، تنطلق من تجربة فلسطينية خالصة، تمسّ جوهر البشر أينما كانوا. لأن المنفى، في النهاية، لم يقتصر الفلسطيني وحده، وأصبح تجربة البشرية كلها منذ خروج آدم الأول من الجنة. وربما لهذا السبب يبدو اللاجئ الفلسطيني، في الشعر العظيم، شبيهًا بشخصيات الملاحم القديمة: يحمل بيته على كتفيه، ويسير في صحراء العالم باحثًا عن معنى العدالة.
غير أن أخطر تحولات القصيدة الفلسطينية حدثت بعد الهزائم العربية المتتالية، حين بدأ الشعراء يشككون حتى في قدرة البلاغة نفسها على الوصف. لقد أدركوا أن اللغة العربية بكل فخامتها الكلاسيكية يمكن أن تتحول أحيانًا إلى ستار يخفي العجز. ولهذا اتجهت القصيدة الحديثة نحو البساطة الجارحة، نحو اليوميّ والهامشيّ، نحو التفاصيل الصغيرة. فطفل يحمل مفتاح البيت صار أبلغ من خطب كاملة عن التحرير. وأمّ تنتظر ابنها عند المحسوم ( الحاجز) صارت تختصر تاريخًا عربيًا من الهزائم.
في هذا السياق، لا يمكن تعريف الشعر الفلسطيني على أنه أدب مقاومة بالمعنى التقليدي، لقد صار نقدًا جذريًا لفكرة القوة ذاتها. فالمحتلّ يمتلك الطائرات والدبابات، لكن الفلسطيني يمتلك القدرة الأخطر: القدرة على سردية الرواية الكاملة. والتاريخ في النهاية، لا يكتبه الأقوى عسكريًا دائمًا، إنما يكتبه الأكثر قدرة على تحويل ألمه إلى رواية إنسانية خالدة.
إن النكبة في الشعر الفلسطيني تحولت إلى لحظة إعادة تشكيل للوجدان العربي الحديث. فمن خلالها اكتشف العرب هشاشتهم التاريخية، واكتشفوا أيضًا أن الشعر قد يكون دربًا للبقاء. وربما لهذا ظلّت فلسطين، رغم كل شيء، حيّةً في القصيدة العربية أكثر مما هي حيّة في البيانات السياسية. فالدول قد تهزم، والجيوش قد تنهار، لكن القصيدة العظيمة تمتلك قدرة غامضة على النجاة من الخراب.
ولهذا يبدو الشعر الفلسطيني، في جوهره الأخير، محاولةً مستمرة لهزيمة الموات الرمزي. إن اللاجئ الذي يحمل مفتاح بيته بعد أكثر من سبعين عامًا يعرف أنّ الباب ربما يتغير، لكنه يرفض موت الذاكرة. والشعر فعل الرفض الأعلى، رفض أن يتحول الإنسان إلى منفى نهائي داخل العالم.
وفي النهاية، يمكن القول إن النكبة لم تُنتج أدبًا ليقتصر على الجغرافيا والأرض ، لكنها أعادت تعريف وظيفة الشعر العربي نفسه. لقد جعلته أقلّ زخرفة وأكثر حقيقة، أقلّ خطابة وأكثر إنسانية، أقلّ يقينًا وأكثر قلقًا وجوديًا. ومن بين الركام، خرجت القصيدة الفلسطينية الحديثة بوصفها واحدة من أعظم التجارب الشعرية في القرن العشرين، لأنها لم تُكتب عن شعبٍ غاب وغُيّب، إنما كُتبت عن الإنسان حين يُقتلع من معنى وجوده ذاته، وها هو يتحدى اللغة بنص العودة الباقي.



