الكاتب : يونس العموري
ليست المسألة في العلاقة بين اسرائيل والسلطة الفلسطينية مرتبطة بسؤال البقاء او الانهيار بالمعنى المباشر، بل بطبيعة الوظيفة السياسية التي تريد اسرائيل تثبيتها للسلطة داخل البنية العميقة للاحتلال نفسه... هنا تحديدا تكمن العقدة المركزية... فاسرائيل لا تنظر الى السلطة باعتبارها مشروعا سياديا انتقاليا انتهى مساره او تعثر، وانما باعتبارها صيغة حكم مضبوطة السقف، جرى تفريغها تدريجيا من مضمونها الوطني وتحويلها الى اداة ادارة للسكان الفلسطينيين داخل هندسة السيطرة الاسرائيلية على الارض....
المعضلة ليست في ان اسرائيل تقوض السلطة، بل في الطريقة التي تقوم بها بهذا التقويض .. فهي لا تسعى الى تدميرها كليا، لان انهيارها الكامل يعني انهيار صيغة ادارة الاحتلال منخفض الكلفة، ويعني اعادة انتاج سؤال الاحتلال بصورته الخام والمباشرة امام العالم ... وفي المقابل، لا تسمح لها بالتطور الطبيعي نحو كيان سياسي يمتلك شروط السيادة والاستقلال. ما تريده اسرائيل هو سلطة تقع في المنطقة الرمادية بين الوجود والانعدام .. موجودة بما يكفي لتحمل العبء الاداري والامني والاجتماعي، وضعيفة بما يكفي لكي لا تتحول الى مركز قرار وطني مستقل.
هذه ليست مفارقة عابرة، بل جوهر الرؤية الاسرائيلية منذ سنوات طويلة... فالمشروع الاسرائيلي، خصوصا في صيغته اليمينية الحديثة، لم يعد يتحرك داخل افق التسوية السياسية كما كان يروج في التسعينيات، بل داخل افق ادارة الصراع وتفكيك امكانية الحل ... بمعنى اخر، اسرائيل لم تعد تتعامل مع السلطة باعتبارها محطة انتقالية نحو الدولة الفلسطينية، وانما باعتبارها اداة لتجميد تشكل الدولة الفلسطينية مع الحفاظ على وهم العملية السياسية.
ولهذا السبب تحديدا، تبدو السياسات الاسرائيلية وكأنها تقوم على انتاج حالة فلسطينية مشلولة بنيويا...ليست القضية مجرد ضغوط مالية او اجراءات امنية او توسيع استيطاني منفصل، بل بناء متكامل يهدف الى منع تشكل اي قدرة فلسطينية مستقلة، سواء سياسيا او اقتصاديا او جغرافيا... الاستيطان هنا ليس مجرد مشروع عقاري او ايديولوجي، بل اداة تفكيك للحيز السياسي الفلسطيني نفسه... فحين تتحول الضفة الغربية الى كتل جغرافية ممزقة، تخضع لشبكات معقدة من السيطرة العسكرية والمستوطنات والطرق الالتفافية، فان الحديث عن سيادة يصبح فارغا من مضمونه الواقعي.
اسرائيل لا تحتاج بالضرورة الى اعلان رسمي بانهاء حل الدولتين، لانها تقوم يوميا بتفكيك شروط امكانية هذا الحل على الارض... وهذه نقطة شديدة الاهمية... فالمشروع الاسرائيلي المعاصر لا يتحرك غالبا عبر القرارات الحاسمة الكبرى، بل عبر التراكم البطيء للوقائع... الضم لا يجري دفعة واحدة، بل عبر تحويل الاحتلال الى حالة دائمة وطبيعية، وعبر نقل السيطرة الاسرائيلية من كونها حالة استثنائية الى بنية مستقرة ومؤسسة. .. وفي هذا السياق، تصبح السلطة الفلسطينية كيانا معلقا بين وظيفتين متناقضتين .. فهي مطالبة داخليا بان تمثل طموحا وطنيا لشعب تحت الاحتلال، لكنها محكومة خارجيا بشبكة قيود تجعلها غير قادرة على تجاوز الدور الاداري الامني المحدود... وهذا التناقض هو ما يفسر حالة التآكل المستمرة التي تعيشها السلطة على مستوى الشرعية والفاعلية معا... والمشكلة الاكثر عمقا ان اسرائيل نجحت تدريجيا في اعادة تعريف الصراع نفسه ... فبدلا من ان يبقى صراعا على الارض والسيادة والحقوق الوطنية، جرى دفعه نحو مستوى ادنى يتعلق بالادارة المدنية والاقتصاد وتحسين شروط الحياة اليومية... وهنا يصبح الاحتلال غير مرئي جزئيا، او على الاقل اقل ظهورا في شكله الكلاسيكي، بينما تبقى السيطرة الفعلية كاملة بيد اسرائيل.. الحدود، المعابر، الاقتصاد، المجال الحيوي، المياه، الامن، الحركة، وحتى التدفقات المالية للسلطة نفسها.... ومن اخطر ما في هذه البنية ان السلطة اصبحت في موقع من يعتمد على الاحتلال للبقاء، بينما يعتمد الاحتلال عليها للاستقرار... وهذه العلاقة التبادلية المختلة هي التي تجعل اسرائيل حريصة على اضعاف السلطة لا اسقاطها.. فهي تريدها هشة دائما، خائفة دائما من الانهيار المالي والسياسي، وغير قادرة على اتخاذ قرارات استراتيجية مستقلة. لذلك تتحول اموال المقاصة الى اداة ضبط سياسي، ويتحول الاقتصاد الفلسطيني الى اقتصاد تابع ومشروط، وتصبح الازمة المالية حالة شبه دائمة وليست ظرفا طارئا... والسلطة هنا لا تواجه مجرد ازمة موارد، بل ازمة بنية كاملة... فحين تكون السلطة بلا سيطرة على حدودها، بلا قدرة على حماية ارضها، بلا سيادة على اقتصادها، وبلا افق سياسي حقيقي، فانها تتحول تدريجيا الى سلطة اسمية تدير مجتمعا محاصرا داخل نظام سيطرة اوسع منها بكثير... وهذا ما يجعل السؤال حول مستقبلها سؤالا وجوديا، لا اداريا... و الامر الاكثر دلالة ان اسرائيل نفسها تبدو غير راغبة في حسم هذا الوضع ... فهي لا تريد العودة الى احتلال مباشر مكلف، لكنها ايضا لا تريد ولادة كيان فلسطيني مكتمل ... لذلك فهي تدير حالة اللا حل باعتبارها خيارا استراتيجيا... هذه النقطة مركزية لفهم العقل السياسي الاسرائيلي الحالي. فبدلا من البحث عن تسوية نهائية، يجري التعامل مع الزمن باعتباره اداة سياسية بحد ذاته... كلما مر الوقت في ظل الوقائع الحالية، تراجعت امكانية الدولة الفلسطينية، وتعمقت السيطرة الاسرائيلية، وتكيف العالم تدريجيا مع الامر الواقع... ولهذا تبدو السلطة الفلسطينية وكأنها محاصرة داخل معادلة مستحيلة .. اذا حاولت الانفكاك عن القيود المفروضة عليها، تواجه خطر الانهيار المالي والسياسي، واذا استمرت ضمن الشروط القائمة، تتآكل تدريجيا من الداخل وتفقد معناها الوطني. هذه ليست ازمة اداء او اشخاص فقط، بل ازمة نموذج كامل... وفي العمق، لا يمكن فهم السياسات الاسرائيلية تجاه السلطة بمعزل عن التحول الاوسع في الفكر السياسي الاسرائيلي نفسه .. فالصهيونية التقليدية كانت تبحث عن شرعية دولية عبر مشروع دولة بحدود واضحة نسبيا، اما الصيغة الحالية فتميل اكثر نحو نموذج السيطرة المفتوحة .. ارض بلا انسحاب كامل، وسكان بلا حقوق سيادية كاملة.. وهذا يفسر لماذا يجري توسيع الاستيطان بالتوازي مع الابقاء على السلطة، ولماذا يتم الحديث عن تقوية السلطة اقتصاديا في الوقت الذي يجري فيه تقويضها سياسيا ووطنيا...
ان اسرائيل لا ترى في السلطة شريكا سياسيا بقدر ما تراها حاجزا يمنع الانفجار الشامل، واداة لتنظيم المجال الفلسطيني بما لا يهدد البنية الاستعمارية القائمة.. ولهذا تحديدا، فهي تريد سلطة قادرة على منع الفوضى، لكنها غير قادرة على صناعة التحرر ... تريدها قادرة على ادارة السكان، لكنها عاجزة عن تحويل هذا الوجود السكاني الى مشروع سيادي .. لكن هذه المعادلة تحمل في داخلها تناقضا خطيرا... فالمجتمعات لا تبقى الى الابد داخل حالة التعليق التاريخي .. . لا يمكن تحويل شعب كامل الى مجرد ملف اداري او امني دون ان تنتج هذه الحالة انفجارات متكررة باشكال مختلفة... وما يبدو لاسرائيل اليوم استقرارا نسبيا قد يتحول في لحظة ما الى انهيار شامل للمنظومة التي بنتها خلال العقود الماضية. لان جوهر الصراع لم يكن يوما حول تحسين شروط الادارة، بل حول سؤال الحرية والسيادة والوجود الوطني. وكل محاولة لتجاوز هذا السؤال او تجميده لا تلغيه، بل تعيد انتاجه بصورة اكثر تعقيدا وحدة .. . ولذلك، فان اخطر ما في الحالة الراهنة ليس فقط استمرار الاحتلال، بل تحول الاحتلال نفسه الى بنية دائمة تسعى الى انتاج كيان فلسطيني منزوع القدرة على التحول الى دولة، ومنزوع القدرة ايضا على الانهيار الكامل .. اي كيان يعيش في حالة بقاء معلقة، لا يسمح له بالحياة السياسية الطبيعية، ولا يترك له حق الموت والتحول.



