الكاتب : يونس العموري
هذا المقال يأتي في سياق حالة الجدل والنقاش المتصاعد حول المؤتمر العام الثامن لحركة فتح، وحول المخرجات السياسية والتنظيمية التي حاولت بعض الخطابات الترويج لها باعتبارها لحظة تجديد تاريخي للحركة... غير أن ما يجري تسويقه اعلاميا وسياسيا حول طبيعة المؤتمر واعماله يبدو بعيدا الى حد كبير عن حقيقة ما جرى داخل اروقته، حيث جرى تقديم صورة تجميلية تخفي ازمة عميقة تعيشها الحركة على مستوى الهوية والدور والوظيفة السياسية... فبدلا من ان يكون المؤتمر محطة مراجعة وطنية شاملة لمسار فتح وتجربتها في السلطة والمقاومة والتنظيم، تحول الى مساحة لاعادة انتاج موازين القوى نفسها، واعادة تدوير النخب ذاتها، وسط تغييب متعمد للنقاشات الجوهرية المتعلقة بمستقبل المشروع الوطني الفلسطيني. ومن هنا تأتي ضرورة قراءة ما حدث بعين نقدية صريحة، بعيدا عن اللغة الانشائية والخطابات الدعائية التي تحاول القفز فوق الواقع وتزييف حقيقة الازمة التي تعيشها الحركة والقضية الفلسطينية عموما...
هذا الطرح الذي يحاول تقديم المؤتمر العام الثامن لحركة فتح بوصفه لحظة تجديد سياسي وتنظيمي، لا يكتفي بتجميل الوقائع، بل يتجنى بشكل واضح على الحقيقة وما جرى فعليا داخل اروقة المؤتمر. فالكلام عن ( اعادة تعريف العلاقة بالجغرافيا الفلسطينية .. ) و ( التخصص والكفاءة .. ) و ( الخطاب الحقوقي والدبلوماسي الحديث .. ) يبدو اقرب الى خطاب دعائي يسعى لتسويق صورة مصطنعة، لا الى قراءة نقدية جادة لمسار الحركة وتحولاتها... ذلك ان اي مراقب منصف يدرك ان المؤتمر لم يكن مساحة لحوار وطني عميق او مراجعة سياسية حقيقية، بل تحول في جوهره الى ساحة مغلقة تحكمها الاصطفافات والكوتات والتوازنات الشخصية ومراكز النفوذ، فيما غابت القضايا الجوهرية المتعلقة بازمة الحركة ومستقبل المشروع الوطني الفلسطيني...
المؤتمر الذي كان يفترض ان يشكل محطة مراجعة تاريخية لمسيرة فتح، في ظل اخطر مرحلة تمر بها القضية الفلسطينية، لم يناقش بجدية اسباب تراجع الحركة، ولا ازمة المشروع الوطني، ولا انهيار الثقة الشعبية، ولا مستقبل المقاومة والعمل الكفاحي، بل انشغل باعادة انتاج ذات البنية السياسية والتنظيمية التي اوصلت الحالة الفلسطينية الى هذا المستوى من الضعف والتفكك... ولذلك فان الحديث عن ( فتح المتجددة .. ) ليس سوى محاولة لتغطية حقيقة اكثر وضوحا.. ان الحركة في مؤتمرها الاخير غيرت جلدها وقفزت فوق تاريخها وادبياتها النضالية، وانتقلت تدريجيا من حركة تحرر وطني ذات طابع كفاحي الى اطار سياسي بيروقراطي يبحث عن ادارة الازمة اكثر من سعيه لتغيير موازين القوى مع الاحتلال... فتح التي تأسست على فكرة الكفاح الوطني الشامل، وعلى مركزية الفعل النضالي، لم تكن يوما حركة تكنوقراط او نخب قانونية ودبلوماسية فقط. صحيح ان القضية الفلسطينية تحتاج الى القانوني والاعلامي والاقتصادي، لكن تحويل هذا الطرح الى بديل عن البعد الكفاحي والنضالي يعني عمليا اعادة تعريف الحركة خارج سياقها التاريخي. فالمشكلة ليست في وجود خبراء او دبلوماسيين، بل في تغييب التيار النضالي الكفاحي داخل الحركة نفسها، واقصاء الرموز والكوادر التي ما زالت تؤمن بان فتح ليست مجرد مؤسسة سياسية او جهازا اداريا، بل حركة تحرر تواجه مشروعا استعماريا احلاليا لا يمكن مقاومته بخطاب العلاقات العامة وحده.... ان اخطر ما كشفه المؤتمر الثامن هو هذا الانفصال الواضح بين القيادة الجديدة والواقع الفلسطيني المشتعل... ففي الوقت الذي تعيش فيه فلسطين واحدة من اكثر مراحلها دموية وخطورة، وفي ظل حرب ابادة وحصار واستيطان غير مسبوق، كان المنتظر من فتح ان تقدم برنامجا وطنيا كفاحيا يعيد الاعتبار لفكرة المقاومة والمقاومة الشعبية والسياسية والتنظيمية، ويطرح رؤية واضحة لاستنهاض الشارع الفلسطيني، لا ان تكتفي بخطاب فضفاض عن ( الدبلوماسية الحديثة .. ) و ( اللغة الحقوقية .. ) ، فالقضية الفلسطينية ليست ازمة خطاب اعلامي حتى تحل بتغيير المصطلحات، بل قضية شعب يواجه احتلالا استيطانيا عنصريا يحتاج الى مشروع تحرري حقيقي يمتلك ادوات المواجهة والصمود والفعل الميداني والسياسي معا... ثم ان الحديث عن ان المؤتمر لم يكن ساحة للصراعات الشخصية يناقض تماما ما شهده الجميع من اصطفافات وتحالفات وانتخابات قائمة على المحاور والكوتات والمصالح... اين كانت مساحة الحوار الفكري الحقيقي؟ اين النقاش حول مستقبل المقاومة؟ اين المراجعة السياسية لمسار التسوية؟ اين تقييم تجربة السلطة واتفاق اوسلو والتنسيق الامني والانقسام؟ كل هذه الاسئلة الجوهرية غابت، او جرى تجاوزها عمدا، لصالح معركة ترتيب المواقع والنفوذ داخل البنية التنظيمية. ولذلك فان تصوير المؤتمر وكأنه لحظة تجديد وطني شامل هو نوع من الانكار السياسي للواقع، لا قراءة له. والاخطر من ذلك ان المؤتمر عكس ميلا متزايدا نحو تفريغ فتح من مضمونها الثوري التاريخي. فالحركة التي كانت تمثل الرافعة الوطنية للشعب الفلسطيني وتحمل مشروع التحرير، اصبحت تقدم اليوم بلغة ادارية باردة، وكأن المطلوب من الفلسطيني ان يقتنع بان ( الخبرة القانونية..) وحدها ستعيد الحقوق، او ان ( الحضور الدبلوماسي .. ) كاف لمواجهة مشروع استعماري مدعوم دوليا. والحقيقة ان كل التجارب اثبتت ان اي دبلوماسية بلا قوة شعبية وكفاحية تتحول الى ادارة تفاوض بلا اوراق ضغط، والى خطاب سياسي معزول عن الناس وعن الميدان... ان اعادة الاعتبار لمنظمة التحرير الفلسطينية لا تكون عبر اعادة تدوير النخب نفسها او عبر انتاج واجهات جديدة بلغة عصرية، بل عبر استعادة دورها الكفاحي والتمثيلي الحقيقي، وتجديد شرعيتها من خلال مشروع وطني جامع يعيد الاعتبار للشعب الفلسطيني كحركة تحرر، لا كسلطة محدودة الصلاحيات... اما الحديث عن ( استعادة زمام المبادرة .. ) في ظل غياب رؤية مقاومة موحدة، واستمرار الانقسام، وتاكل الثقة الشعبية، فهو مجرد شعار سياسي لا تسنده الوقائع... فتح ليست بحاجة الى تغيير لغتها فقط، بل الى مراجعة شاملة لمسارها السياسي والتنظيمي. لان الازمة ليست ازمة تسويق او خطاب، بل ازمة هوية ودور ووظيفة... والسؤال الحقيقي اليوم ليس كيف تبدو فتح امام المجتمع الدولي، بل ماذا بقي من فتح التي عرفها الفلسطينيون كحركة تحرر وطني؟ ماذا بقي من خطابها الثوري؟ ومن قدرتها على تعبئة الشارع؟ ومن مشروعها الكفاحي؟ هذا هو السؤال الذي تجاهله المؤتمر، وتجاهلته هذه القراءة التجميلية التي تحاول تصوير ما جرى وكأنه ولادة جديدة للحركة...
في النهاية، لا يمكن بناء مستقبل سياسي فلسطيني على انكار الواقع او تغليفه بالشعارات الحديثة... فالشعب الفلسطيني لا يحتاج الى اعادة انتاج النخبة نفسها بثوب لغوي جديد، بل يحتاج الى قيادة تمتلك الجرأة على النقد والمراجعة، وتؤمن بان القضية الفلسطينية ما زالت قضية تحرر وطني قبل اي شيء اخر.. والرهان الحقيقي ليس على الخطاب الحقوقي وحده، بل على اعادة بناء مشروع وطني مقاوم، يعيد وصل السياسة بالنضال، والمؤسسات بالشارع، وفتح بتاريخها الحقيقي الذي جرى تغييب جزء كبير منه داخل هذا المؤتمر.



