الكاتب : شادي عياد
حين نقترب من لحظات التحوّل الكبرى… تصبح الكلمات أقل من أن تفي المعنى حقّه وتصبح المسؤولية أكبر من أن تُختصر في إجراء تنظيمي أو استحقاق داخلي. نحن أمام لحظة فارقة في تاريخ حركة فتح العظيمة وتاريخ القضية الفلسطينية برمتها، لحظة تتجاوز فكرة المؤتمر إلى معنى إعادة تعريف الدور والوظيفة والاتجاه.
ففخامة السيد الرئيس محمود عباس تعامل مع هذا الاستحقاق بوصفه أمانة وطنية ثقيلة، ووضع ثقته في مجموعة من القادة العظام، يتقدمهم الأخ المناضل جبريل الرجوب (أبو رامي) أمين سر اللجنة المركزية للحركة والاخ المناضل محمود العالول نائب رئيس الحركة ومفوض عام التعبئة والتنظيم وغيرهما ممن أوكلت إليهم مهمة ليست تقليدية بأي معيار، بل ترتبط بإعادة تشكيل بنية الحركة وقدرتها على الاستمرار في واحدة من أعقد مراحل الحالة الفلسطينية، حيث تختلط معادلات البقاء السياسي مع استحقاقات التحرر الوطني. وإلى جانب فخامة الرئيس يقف الأخ القائد الوطني محمود العالول، الذي ننتظر منه المزيد من العمل لتوحيد الحركة جنبا إلى جنب مع الاخ جبريل الرجوب والأخ حسين الشيخ وجميع إخوانهم في الحركة، بما يضمن قوة القيادة واستمرارية المسيرة.
في هذا السياق يبرز موقع أمين سر اللجنة المركزية بالذات كأحد أكثر المواقع حساسية وتعقيدًا ليس بوصفه منصبًا إداريًا أو تنظيميًا فحسب، بل باعتباره مركزًا لإنتاج القرار وضبط الإيقاع وحماية الاتجاه العام للحركة من الانحراف أو الجمود . وفي التجارب الحزبية الكبرى، سواء في الحزب الديمقراطي الأمريكي أو في الحزب الشيوعي الصيني، لم يكن هذا الموقع تفصيلاً بل كان دائمًا نقطة الارتكاز التي تُبنى حولها التحولات الكبرى وتُصاغ من خلالها ملامح المرحلة القادمة. وفي الحالة الفتحاوية، حيث تتضاعف هذه الأهمية حيث أن الحركة لا تعمل في بيئة مستقرة من جميع الجوانب، بل تعمل في سياق وطني مركب تتداخل فيه السياسة بالتاريخ والمقاومة ببناء الدولة.
من هنا، فإن المسؤولية الملقاة على عاتق أمين السر وعلى من يعملون معه لا تتعلق بإدارة مؤتمر أو تنظيم انتخابات داخلية، بل بقدرتهم على إنتاج قيادة قادرة على حمل المشروع الوطني في لحظة توصف دون مبالغة بأنها أقرب إلى معادلة حياة أو موت. الخطر الحقيقي لا يكمن في الاختلاف، بل في أن يتحول المؤتمر إلى مجرد عملية اقتراع تعيد إنتاج ذاتها، وتعيد تدوير الأسماء نفسها—مع الاحترام—دون أن تفتح الباب أمام ضخ دماء جديدة تحمل روح المرحلة ومتطلباتها.
ومع ذلك فإن الحديث عن التجديد لا ينبغي أن يُفهم بوصفه دعوة للإقصاء أو القطيعة. فالقديم في فتح هو أخ وهو حبيب وهو جزء أصيل من الذاكرة النضالية التي لا يجوز التنكر لها بحال من الأحوال. وهذه ليست لحظة إبعاد، بل لحظة تقوية وتكامل، نحفظ فيها لمن سبق دوره وتاريخه، ونفتح فيها المجال لامتداد طبيعي يضمن الاستمرارية دون الوقوع في فخ التكرار. فالإشكالية ليست في الأشخاص بقدر ما هي في قدرة البنية التنظيمية على التجدد الذاتي والانتقال من منطق إعادة الإنتاج إلى منطق إعادة التشكيل.
ولعل الصورة الأكثر دقة في توصيف ما نحتاجه اليوم هي الانتقال من البحث في “متاجر الذهب المعاد تشكيله”… ذلك الذهب الذي طُرق ألف مرة… بل ألف مرة ومرة… حتى فقد وهجه الأول وحرارته الأصيلة إلى التنقيب في “مناجم الفحم الخام”، حيث توجد الطاقات غير المستهلكة، والأسماء التي لم تُستنزف والقدرات التي لم تُختبر بعد. فالحركات الحية لا تبقى حية لأنها تملك تاريخًا فقط، بل لأنها قادرة على إنتاج مستقبلها من داخلها.
وفي موازاة ذلك تبرز الحاجة إلى مقاربة أكثر نضجًا في توزيع الأدوار بين الحركة والدولة، بحيث تتجه بعض القيادات لإدارة الملفات ذات الطابع الدولي والسياسي المركب بما فيها العلاقة مع العالم ومع إسرائيل، في حين تبقى قيادة الحركة منصرفة إلى صون هويتها كحركة تحرر وطني. وفي هذا الإطار، فإن الجرأة السياسية التي يتمتع بها الأخ جبريل الرجوب تفتح احتمالاً مشروعًا—إن رأى هو ذلك مناسبًا—للتوجه نحو بوابات العمل الحكومي وترك المجال داخل الحركة لقيادات أخرى تتفرغ لإعادة بنائها. عندها فقط يمكن الحديث عن “عطوة مفتوحة” مع العالم من باب التحبب أقول ذلك ، على أننا نتمنى ان تبقى بوصلة الشأن الخارجي للدولة في يد القيادة السياسية العليا للمنظمة والدولة كما قررت القيادة سابقا ممثلة بفخامة الرئيس محمود عباس وذلك بقرار واضح من القيادة، وبمكاتفة مباشرة من الأخ المناضل حسين الشيخ نائب الرئيس، بما يضمن وحدة القرار وثبات الموقف في أكثر الملفات حساسية، وليس من باب الانتقاص من أي قائد لا سمح الله ، بل من باب تثبيت الاتجاه وتكامل الأدوار.
إن ما نحتاجه اليوم ليس فقط مؤتمرًا ناجحًا بل لحظة وعي جماعي تُدرك أن الزمن لا يمنح الفرص مرتين وأن الحركات التي لا تعيد تعريف نفسها في اللحظة المناسبة تتحول تدريجيًا إلى جزء من الماضي مهما كان تاريخها عظيمًا. ومن هنا فإن القول بأن هذا المؤتمر قد يكون الأخير ليس تعبيرًا عن تشاؤم، بقدر ما هو محاولة لرفع مستوى المسؤولية والتنبيه إلى خطورة المرحلة، مع الأمل الصادق بأن يكون هذا التقدير خاطئًا، وأن تثبت فتح مرة أخرى قدرتها على تجاوز المنعطفات الصعبة.
وفي النهاية تبقى حركة فتح أكثر من مجرد تنظيم سياسي. إنها تعبير عن ذاكرة وطن وتضحيات أجيال ودماء شهداء يتقدمهم الشهيد الخالد ياسر عرفات. وهي أيضًا ثمرة جهد متواصل قاده فخامة الرئيس محمود عباس بعقل سياسي صبور ومحترف في واحدة من أكثر المراحل تعقيدًا.
ومن باب الوفاء الذي لا يكتمل إلا بذكر رجاله… التحية كل التحية إلى القائد الوطني محمود العالول الذي اكرر ان فتح والرئيس ينتظران منه المزيد من العمل لتوحيد الحركة جنبا إلى جنب مع فخامة الرئيس وجميع إخوانه في الحركة، فهو وريث مدرسة القائد الشهيد خليل الوزير (أبو جهاد)، وإلى جميع قيادات وكوادر حركة فتح في كل موقع في الوطن والشتات والعذر كل العذر لمن لم يُذكر اسمه هنا، فمكانه محفوظ في القلب… في قلبي، وفي قلب كل فتحاوي يعرف معنى هذه الحركة.
لكل من حمل هذه الراية يومًا… لكل من استمر أو ترجل وترك الميدان لفارسٍ آخر… نقول: أنتم الأصل، وأنتم الامتداد، وأنتم الحكاية التي لم تنتهِ… وستبقى.



