الكاتبة : د. تهاني رفعت بشارات
في الحادي والعشرين من آذار، تتوشّح الكلماتُ بأجمل ما فيها، وتخجل اللغةُ من عجزها أمام مقامٍ لا يُدرك، فتقف الحروف على أعتاب القلب خاشعةً، لأن الحديث عن الأم ليس نصّاً يُكتب، بل شعورٌ يُعاش، وامتنانٌ لا تحدّه العبارات. فالأم ليست يوماً في الروزنامة، بل هي الزمن كلّه، وهي الفضل الذي لا يُحصى، والخير الذي لا ينضب، وهي الحياة حين تضيق، والنور حين يعتم الطريق.
الأم… تلك التي تبدأ الحكاية منها، ولا تنتهي إلا عند دعائها. هي المدرسة الأولى التي لا تُغلق أبوابها، ولا تنفد دروسها، ولا تتأخر عن طلابها مهما أثقلها التعب. منها نتعلّم الحرف الأول، ومنها نرتقي إلى معنى الإنسان. هي الحضن الذي لا يُبدَّل، والظل الذي لا يزول، واليد التي تمسح عنا تعب الأيام دون أن تسأل.
لقد عظّم الله شأن الأم، ورفع قدرها فوق كل اعتبار، فجعل برّها طريقاً إلى رضاه، وربط رضاه برضاها، حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم: "الجنة تحت أقدام الأمهات"، وكأن السماء كلّها تنحني إجلالاً لهذا القلب الذي احتمل الألم حبّاً، والتعب رحمةً، والتضحية إيماناً.
وعلى امتداد التاريخ، ظلّت الأم هي العمود الفقري للأسرة، والمحرّك الصامت للمجتمع. هي التي تبني دون أن تنتظر شكراً، وتغرس دون أن تطلب ثمراً. لا تقتصر رسالتها على الإنجاب، بل تتجاوز ذلك إلى صناعة الإنسان، وصياغة القيم، وتشكيل الضمير. هي المعلّمة، والمربّية، والطبيبة، والصديقة، وهي التي تسهر حين نمرض، وتبتسم حين ننجح، وتخفي دموعها كي لا نضعف.
ولئن كان العالم يحتفل بعيد الأم بوصفه مناسبة حديثة بدأت في أوائل القرن العشرين، فإن جوهر هذا الاحتفال أقدم من التاريخ ذاته، لأنه مرتبط بالفطرة الإنسانية. وقد أطلقت آنا جارفيس أول احتفال رسمي في الولايات المتحدة عام 1908، تخليداً لذكرى والدتها، ثم انتقلت الفكرة إلى العالم العربي بجهود مصطفى وعلي أمين، ليصبح الحادي والعشرون من مارس موعداً سنوياً لردّ شيءٍ من جميلٍ لا يُرد.
لكن، هل يكفي يومٌ واحد؟
وهل تختزل الأم في هديةٍ أو وردة؟
الحقيقة أن عيد الأم ليس مناسبةً للاحتفال بقدر ما هو لحظة مراجعة، نعيد فيها ترتيب علاقتنا بمن منحتنا الحياة. هو دعوة لأن نقول ما أخّرناه من كلمات، وأن نردّ ولو جزءاً يسيراً من بحر عطائها، بالكلمة الطيبة، وبالاهتمام، وبالبرّ الذي هو أعظم الهدايا.
أما الأم الفلسطينية، فهي قصةٌ أخرى تُكتب بحبر الصبر ودمع الصمود. ليست أمّاً فقط، بل وطنٌ يمشي على قدمين. هي التي تودّع أبناءها شهداء، وتستقبل الألم بصبر الأنبياء، وتنهض من بين الركام لتصنع أملاً جديداً. في وجهها تختصر الحكاية، وفي قلبها يسكن الوطن، وفي صبرها تتجلّى معاني الكرامة. إنها لا تحتفل… بل تُعلّم العالم كيف يكون الصمود احتفالاً بالحياة.
وفي فضاء الوطن العربي، تظلّ الأم نبضاً واحداً رغم اختلاف الجغرافيا، تجمعها رسالة العطاء، وتوحّدها قيم التضحية. من المحيط إلى الخليج، تبقى الأم هي الأصل الذي تتفرّع منه الحكايات، وهي الجذر الذي يمنحنا الثبات في وجه العواصف.
إن أعظم هديةٍ تُقدَّم للأم ليست في صندوقٍ يُفتح، بل في قلبٍ يُبرّ، وسلوكٍ يُحسن، واهتمامٍ لا ينقطع . أن نكون لها كما كانت لنا، وأن نمنحها الأمان الذي منحتنا إياه، وأن نردّ لها الجميل حضوراً لا غياباً، حباً لا مناسبة.
وفي الختام، تبقى الأم أكبر من كل وصف، وأعمق من كل معنى. هي الجنة التي نمشي إليها كل يوم، وهي الدعاء الذي يسبق خطانا، وهي البركة التي إن حضرت، حضر معها كل خير. فلنحفظ هذا الكنز الإلهي، ولنجعل من كل يوم عيداً لها، لا بالكلمات وحدها، بل بالأفعال التي تليق بعظمة قلبها.
كل عام وأمهاتنا نور الحياة، وسرّ البقاء، وأجمل ما في الوجود.



