القدس - واثق نيوز- اختتمت وكالة بيت مال القدس الشريف، حملتها الرمضانية في مدينة القدس وضواحيها هذا العام، والتي عكست حضوراً مغربياً ثابتاً يجمع بين العمل الإحساني المباشر وبناء مشاريع مستدامة تعزز صمود الإنسان المقدسي على أرضه.
وفي هذا السياق، أكد المدير المكلف بتسيير وكالة بيت مال القدس الشريف، محمد سالم الشرقاوي، أن الحملة الرمضانية لهذا العام، التي بلغت ميزانيتها نحو مليون دولار أمريكي، استهدفت أكثر من 5000 عائلة مقدسية، منها 3000 داخل مدينة القدس و2000 في القرى والتجمعات البدوية خارج الجدار، وفق قواعد بيانات دقيقة تضمن وصول الدعم إلى الفئات الأكثر هشاشة.
وشملت هذه التدخلات توزيع 5112 قسيمة شراء (كوبونات)، بقيمة 350 شيقلا (ما يعادل 140 دولارا اميركيا)، إلى جانب توفير سلال غذائية متكاملة تضم 22 صنفاً، تكفي احتياجات الأسرة المتوسطة المكونة من 4 إلى 5 أفراد لمدة شهر كامل، ويعكس هذا التنوع في آليات الدعم حرص الوكالة على الجمع بين الكفاءة في الاستهداف والحفاظ على كرامة المستفيدين، من خلال تمكينهم من اختيار احتياجاتهم الأساسية.
وأوضح الشرقاوي أن اعتماد نظام القسائم لم يكن مجرد آلية توزيع، بل خياراً استراتيجياً يزاوج بين العمل الإحساني والتنمية الاقتصادية، حيث أسهم في خلق رواج تجاري داخل المدينة، من خلال التعاقد مع 16 محلاً تجارياً تشمل أكثر من 30 منطقة في محافظة القدس.
كما عملت فرق الوكالة على إيصال المساعدات إلى المناطق النائية خارج الجدار، التي يصعب على سكانها الوصول إلى مراكز التوزيع، ما عزز العدالة في الاستفادة، وضمن شمول الفئات الأكثر تهميشاً ضمن برامج الدعم.
وشملت المساعدات توزيع 20 طنا من المواد الغذائية الأساسية على التكايا في القرى المحاذية للجدار، ومراكز اجتماعية ومستشفيات، لا سيما مستشفى جمعية المقاصد الخيرية، لتهيئة وجبات الإفطار والسحور، التي كانت توزع يوميا على الفئات المستهدفة وبلغ مجموعها أزيد من 20 ألف وجبة، طوال الشهر الفضيل، بواقع 700 وجبة يوميا.
وتوجت حملة هذه السنة بتوزيع ملابس العيد على 500 يتيم من الأيتام المكفولين من قبل الوكالة، بينما خصصت حصة إضافية من 100 كسوة لفائدة أطفال القرى وتجمعات البدو، التابعة لمحافظة القدس.
وفي الجانب الصحي، نفذت الوكالة 6 حملات طبية ميدانية في القرى والتجمعات السكانية النائية، استفاد منها حوالي 600 مواطن، شملت تخصصات الطب الباطني وطب العيون وطب النساء والتوليد، ومختبر متنفل يؤمن الفحوصات المخبرية في عين المكان.
من الإغاثة إلى التمكين الاقتصادي:
لم تقتصر تدخلات الوكالة على الدعم الإغاثي، بل امتدت إلى برامج التمكين الاقتصادي التي تهدف إلى خلق فرص مستدامة، حيث نظمت دورات تدريبية لفائدة التجار في مجالات التسويق الالكتروني وتعزيز المعرفة القانونية في مساطر التصدير بالتعاون مع الغرفة التجارية والصناعية العربية للقدس.
واشار الشرقاوي الى ان الوكالة نظمت بالتعاون مع مؤسسة "العلية" في بيت حنينا اسبوع التكوين والحرف التقليدية، بمشاركة صناع مغاربة محترفين في مجالات النسيج والنقش على الخشب والفضة والنحاسيات، تقدم اليه نحو 400 متدرب ومتدربة ، تأهل منهم 36 مشاركاً للمرحلة النهائية.
وأوضح أن هذه البرامج تهدف إلى الحفاظ على الهوية المعمارية والحرفية للقدس، من خلال نقل الخبرات المغربية في مجالات تتلاءم مع حاجيات السوق المحلي، بما يسهم في تأهيل جيل جديد من الحرفيين القادرين على حماية الهوية الحرفية الفلسطينية وصيانة الطابع الحضاري للمدينة المقدسة.
وفي هذا السياق، بين الشرقاوي أن الوكالة أطلقت مبادرة "صنع لأجل فلسطين" لتعزيز تنافسية المنتج الفلسطيني، وذلك في اطار مخطط عملها برسم السنة الجارية 2026.
كما تواصل الوكالة دعم قطاعات الصحة والتعليم، وطرحت لهذا الغرض مبادرة استعجالية للحد من آثار الأحداث الجارية في الشرق الأوسط.
تحديات متزايدة تتطلب دعماً أوسع:
أبرز الشرقاوي أن الوكالة تعتمد نموذجاً مالياً قائماً على تمويل مغربي كامل منذ عام 2011، بميزانية سنوية تبلغ نحو 3 ملايين دولار للتسيير مع ما يتم تعبئته من تبرعات من قطاعات الدولة والمؤسسات الاقتصادية والمدنية والافراد لتمويل المشاريع في حدود 4 ملايين دولار اميركي سنويا.
وأكد أن كامل التبرعات تُوجّه مباشرة إلى المشاريع الميدانية دون اقتطاع أي تكاليف إدارية، في حين تتحمل الدولة المغربية مصاريف التسيير، وهو ما يعزز الشفافية والمصداقية، خاصة مع حصول الوكالة على شهادات الجودة الدولية ISO في مجال الحكامة وتتبع التبرعات.
ورغم هذه الإنجازات، أشار الشرقاوي إلى أن الوكالة تعمل في سياق تحديات متزايدة، أبرزها عدم الاستقرار الأمني وتفاقم الأوضاع الاقتصادية، في ظل فقدان العديد من الفلسطينيين لمصادر دخلهم وارتفاع تكاليف المعيشة.
وأوضح أن تزايد الاحتياجات مقابل محدودية التمويل يفرض أحياناً ترتيب الأولويات، مع الحرص على توسيع دائرة المستفيدين قدر الإمكان، وضمان استدامة البرامج التنموية.
إشادة مقدسية بالأثر الإنساني والاقتصادي:
أشاد مفتي القدس والديار الفلسطينية، الشيخ محمد حسين، بالجهود التي بذلتها وكالة بيت مال القدس الشريف خلال شهر رمضان، مؤكداً أن تدخلاتها الإنسانية كان لها أثر ملموس في تعزيز التماسك الاجتماعي والتخفيف من معاناة الفئات الأكثر احتياجاً، خاصة في المخيمات والتجمعات النائية.
واعتبر أن هذه المبادرات تجسد قيم التكافل، وتسهم في رفع المعنويات وترسيخ شعور المقدسيين بوقوف الأشقاء إلى جانبهم، مثمناً الدعم الذي تقدمه المملكة المغربية بقيادة الملك محمد السادس، ومشيداً بكفاءة إدارة الوكالة واستمرارية عملها. كما دعا إلى توسيع هذه الجهود وتعزيز الدعم العربي والإسلامي لصمود الفلسطينيين.
من جانبه، أكد رئيس دائرة شؤون القدس في منظمة التحرير الفلسطينية، عدنان الحسيني، أن الأوضاع الاقتصادية والمعيشية الصعبة، في ظل الإغلاقات وتراجع فرص العمل، تجعل من هذه المبادرات دعماً حيوياً لا غنى عنه، خاصة للفئات الأكثر تهميشاً في القرى المحيطة والتجمعات البدوية.
وشدد على ضرورة استمرار الإسناد العربي والإسلامي على مختلف المستويات، بما في ذلك القطاع الصحي، لتعزيز قدرة الفلسطينيين على الصمود ومواجهة الضغوط المتزايدة.
بدوره، أبرز المدير العام للغرفة التجارية الصناعية العربية في القدس، لؤي الحسيني، الأثر الاقتصادي المباشر للحملة، مشيراً إلى دورها في تنشيط الحركة التجارية ودعم التجار، خاصة في ظل التراجع الحاد الذي تشهده قطاعات حيوية كالسياحة.
وأوضح أن هذه التدخلات ساهمت في تحفيز الطلب، وتقليل الخسائر، والحفاظ على فرص العمل، رغم القيود المفروضة على الحركة وتراجع القدرة الشرائية. وأكد أن مثل هذه المبادرات تمثل رافعة أساسية لدعم الاقتصاد المحلي وتعزيز استقرار الحياة اليومية في المدينة.
محليات



