الكاتب : شادي عياد
في ظل الحرب المستعرة اليوم تعيش فلسطين الجريحة والعالم كله حالة غليان مفتوحة تختلط فيها الصواريخ بالرسائل والضربات بالحسابات والنار بالسياسة، في مشهد أقرب إلى مسرحية كبرى يُعاد تمثيلها كل يوم على خشبة الشرق الأوسط. هذه الحرب وكما تعلمون ليست حرب فلسطين ولم تكن يومًا حربنا ولكنها – كالعادة – تُدار فوق رؤوسنا وندفع نحن فاتورة ارتداداتها الثقيلة السياسية والاقتصادية والنفسية والاجتماعية، دون أن نكون طرفًا في إشعالها أو توجيه مساراتها.
فإسرائيل تخوض حربًا إقليمية مفتوحة بدعم أمريكي كامل من اجل حلم طغاتها اليمنيين المتطرفين في اسرائيل الكبرى وإيران تناور بأدواتها وبأدوات النفوذ المأجورة من قبلها بنكهة طائفية كريهة لفرض وجودها ، والمنطقة كلها تدخل في نفق مفتوح على كل الاحتمالات .فيما يبقى الشعب الفلسطيني الأعزل وصاحب الحق واقفًا في مهب الريح يتلقى الصدمات ويتحمّل النتائج ويُطالب بالصبر أكثر من الجميع، وكأن الصبر حصة حصرية مفروضة عليه وحده دون سائر شعوب الأرض.
الشارع الفلسطيني اليوم لا يخاف من الحرب بقدر ما يخشى تداعياتها والناس لا ترتعب من الصواريخ بل من الغلاء ومن تآكل وانعدام الرواتب ومن توقف الأعمال ومن انسداد الأفق ومن قلق يومي صار جزءًا من الروتين القاهر . الحرب هنا لم تعد تُقاس بعدد الضربات الجوية والصواريخ لا بل بعدد الوجوه المتعبة وعدد البيوت القلقة وعدد القلوب التي تحاول أن تتماسك وهي على وشك الانفلات من القهر وضعف الحال والحيلة .
وفي قلب هذا المشهد الثقيل تبرز حقيقة لا تقبل الجدال: أن المعركة الحقيقية اليوم هي معركة الوعي والتماسك ورفع المعنويات وتحويل القلق إلى طاقة صمود لا إلى حالة شلل جماعي. وهنا تحديدًا يصبح الدور التاريخي لحركة "فتح" العظيمة مسؤولية وطنية مباشرة كما كان دوما وكما يجب ان يعود فورا ومن أعلى مستويات القيادة إلى أدنى حلقات التنظيم لا بوصفها حركة سياسية فحسب، بل باعتبارها العمود الفقري والاجتماعي والوطني لهذا الشعب الفلسطيني العظيم .
اليوم وأكثر من أي وقت مضى نحتاج إلى أن تنزل القيادة إلى الميدان لا أن تكتفي بالمكاتب التي تشبه الفنادق ان لم تكن أكثر رفاهية ،وأن يتحول أعضاء اللجنة المركزية والمجلس الثوري إلى قادة غرف طوارئ ميدانية في كل محافظة يعملون تحت ضغط الناس لا تحت ضغط البروتوكول الغريب عن "فتح" ويقودون المشهد من الشارع لا من خلف الزجاج الداكن والمصفح ويتنفسون هواء الأسواق وما بقي من المخيمات والقرى لا هواء الصالونات المكيفة التي لا نحسدهم عليها لا سمح الله، وربما تكون هذه فرصة ذهبية لبعض اأعضاء اللجنة المركزية الذين حرمنا من رؤيتهم وطلتهم البهية النيرة خلال آخر اثني عشر عامًا سوى بعض الصدف العابرة في محلات الملابس والمطاعم وزواج أبنائهم في الفنادق الجميلة ، ليظهروا أخيرًا أن لهم حضور ميداني حقيقي لا كديكور فاخر على منصات اجتماعية بعيدة عن الناس.
نحتاج إلى أن تُخلع البدل ذات الماركات العالمية وأن تُعاد بدلات السفاري الفتحاوية إلى الواجهة لا كزيٍّ رمزي بل كإعلان العودة إلى الجذور الطيبة وفلسفة القيادة الميدانية وثقافة القرب من الناس وروح الحركة التي وُلدت في الأزقة والمخيمات والجبال لا في الردهات الفخمة ولا في القاعات المخملية. من يظن أن البدل والماركات تبني صمودًا أو تقي من القلق ربما يحتاج أن يراجع تاريخ حركة "فتح" قبل أن يخرج من الفندق او المكتب الفندقي .
نريد قيادة تُمسك الدفتر بيد ويد الناس باليد الأخرى. قيادة تسمع أكثر مما تتكلم وتعمل أكثر مما تُصرّح وتُبادر أكثر مما تنتظر . قيادة تعرف أن أخطر ما يواجه الشعوب في زمن الحرب ليس العدو فقط بل الإحساس بالوحدة وأن أقوى سلاح في هذه المرحلة ليس الخطاب ولا الغياب بل الحضور والفعل والقرب من واقع الناس المرير لا من صورهم على منصات التواصل الاجتماعي التي تخلو من كل شيء وطني جميل .
وفي هذا السياق لا بد من رفع القبعات عاليًا لبواسل وفرسان الأجهزة الأمنية الفلسطينية المنتشرين في الشوارع رغم البرد والحرب والفلس والساهرين على أمن الناس واستقرارهم والواقفين في الصف الأول لمنع الفوضى وحماية السلم الأهلي. هؤلاء الجنود المجهولون الذين يعملون في ظروف شديدة الحساسية يستحقون كل الاحترام فهم خط الدفاع الأول عن الطمأنينة اليومية في زمن الفوضى الإقليمية.
أما حكومتنا الرشيدة حفظها الله من كل إزعاج فهي تعيش هذه الأيام حالة تأمل إداري متقدمة أقرب إلى سبات استراتيجي طويل حيث لا حرب توقظها ولا قلق يربكها ولا شارع يستدعي استعجالها. حكومة تواجه أخطر مرحلة إقليمية تمر بها فلسطين والمنطقة منذ عقود بسياسة “الاسترخاء الوطني”، وتتعامل مع قلق الناس بمنهج “طنّش تعِش”، وكأن المواطن الفلسطيني مخلوق خارق لا يتأثر بالحروب ولا يتعب من الضغوط ولا ينهكه الغلاء القاسي .
لكن الحقيقة تقول ان الناس لا تستطيع الانتظار والمجتمع لا يعيش على التأمل والشارع لا يكتفي بالبيانات الرنانة بل يحتاج إلى أفعال وإلى مبادرات وإلى حضور يومي يزرع الطمأنينة في قلوبهم ويُعيد ترميم الثقة.
فلسطين اليوم لا تحتاج إلى خطباء جعجاعين بل إلى عمّال ميادين ولا تحتاج إلى نجوم منصات بل إلى قادة شارع .. وفلسطين لا تحتاج إلى وعود كبيرة بل إلى أفعال صغيرة متراكمة تصنع فرقًا حقيقيًا في حياة الناس،
وأما القلق فمصيره أن يتحول إلى وعي وتماسك.
وأما هذه المرحلة فستمر لأن فلسطين لم تُهزم في زمن كان فيه الموت أوضح والخذلان أعمق والوجع أشد …..
وشدي حيلك يا بلد واسرجي خيلك يا "فتح"



