الكاتب : محمد زهدي شاهين
بدايةً، لا بد من الإشارة إلى أن ما يُعرف بـ"الكتلة الصلبة" ليس بالضرورة تعبيراً عن قوة حقيقية بقدر ما هو انعكاس لحالة من التماسك الظاهري الناتج عن احتكار القرار أو المعرفة أو النفوذ من قبل ثلة محدودة. وهذه الكتل، على ما تبدو عليه من صلابة، ليست عصيّة على الاختراق، لكنها تحتاج إلى أدوات مختلفة عن تلك التقليدية التي تقوم على المواجهة المباشرة أو الانفعال الآني.
إن أولى خطوات اختراق هذه الكتل تكمن في الفهم العميق لبنيتها الداخلية، فكل كتلة – مهما بلغت من التماسك – تقوم على عناصر تجمعها، كالمصلحة المشتركة أو الخوف أو الأيديولوجيا. غير أن هذه العناصر ذاتها قد تتحول إلى نقاط ضعف إذا ما أُحسن التعامل معها، إذ غالباً ما تخفي هذه الكتل في داخلها تناقضات مكتومة لا تظهر إلا عند أول اختبار جدي.
ولا يقل أهمية عن ذلك كسر الاحتكار المعرفي الذي تتكئ عليه هذه الفئات، فهي في كثير من الأحيان تفرض رواية واحدة وتسعى إلى تكريسها بوصفها الحقيقة المطلقة. ومن هنا، فإن تقديم خطاب بديل، قائم على الحجة والوعي، كفيل بإحداث خلخلة تدريجية في هذا البناء المغلق، فالقلم – كما قيل – قد يكون أقدر من غيره على إحداث هذا التحول الهادئ العميق.
وفي هذا السياق، لا يكفي مجرد الاعتراض أو النقد، بل لا بد من بناء بدائل حقيقية تشكل نقطة جذب خارج دائرة الاحتكار. فالناس لا تنتقل من حالة إلى أخرى إلا إذا رأت نموذجاً قابلاً للحياة، يقدّم حلولاً لا شعارات، ويمنحها شعوراً بالقدرة على التغيير.
كما أن الاختراق لا يكون دائماً عبر الصدام المباشر، بل قد يكون أكثر فاعلية حين يتم عبر التسلل الناعم، سواء من خلال التأثير على بعض عناصر الكتلة نفسها، أو عبر العمل من داخل المنظومة القائمة، أو حتى عبر أطراف قريبة منها. فالتغيير من الداخل، وإن بدا بطيئاً، إلا أنه غالباً ما يكون أكثر رسوخاً وأعمق أثراً.
ويبقى العامل الحاسم في كل ذلك هو كسب الحاضنة الشعبية، إذ لا يمكن لأي كتلة – مهما اشتدت – أن تصمد طويلاً إذا فقدت شرعيتها في نظر الناس. فعندما يتحول الوعي الجمعي، وتُسحب الثقة تدريجياً، تبدأ الشقوق بالظهور، ويتحول التماسك الظاهري إلى حالة من التصدع الداخلي.
وأخيراً، لا بد من التأكيد على أن إسقاط الكتل الصلبة لا يتحقق بضربة واحدة، بل هو عملية تراكمية تقوم على الصبر والاستمرارية. ففكرة صغيرة قد تتكرر حتى تتحول إلى تيار، وصوت خافت قد يشتد حتى يصبح رأياً عاماً، وحينها فقط تبدأ موازين القوة بالتحول.



