الكاتب : شاهر الشاهر
استقلت الهند عن بريطانيا في آب/أغسطس 1947، وفي تشرين الثاني/نوفمبر من العام نفسه، وقفت الهند ضد القرار الصادر عن الأمم المتحدة، معتبرة اليهود ليسوا سوى مغتصبين لأرض فلسطين.
ونتيجة للضغوطات التي تعرضت لها الهند باعتبارها دولة ناشئة، اضطرت إلى الاعتراف بـ"إسرائيل" في عام 1950، ولكن من دون أن يكون هناك تبادل دبلوماسي بين البلدين.
الموقف الهندي آنذاك كان نابعاً من اعتبارات عدة، أهمها:
- التاريخ المتشابه بين العرب والهند لجهة المعاناة من الاستعمار الغربي، وخاصة بريطانيا التي كانت تحتل الهند كما احتلت عدداً من الدول العربية، وكانت وراء إطلاق وعد بلفور عام 1917 الذي أدى إلى تأسيس الكيان الصهيوني.
- شخصية رئيس الوزراء الهندي نهرو وتوجهاته العلمانية، واحترامه للمسلمين والأقلية المسلمة في الهند، وعلاقاته الطيبة مع الرئيس عبد الناصر، إذ كانا من مؤسسي حركة عدم الانحياز.
- الثقل السياسي للدول العربية ووحدة موقفها، جعل الهند وغيرها من دول العالم تفضل التعاون مع العرب بدلاً من إقامة علاقات مع "إسرائيل".
بعد وفاة نهرو عام 1964، خلفه لال بهادور شاستري الذي بقي في رئاسة الوزراء 19 شهراً حتى وفاته. وفي عام 1966، تولت أنديرا غاندي الحكم في الهند، وهي ابنة نهرو التي نسبها إلى غاندي لمحبته الكبيرة له.
في عهد أنديرا غاندي بدأت علاقات سرية بين الجانبين، فدعمت الهند "إسرائيل" في حرب 1967، وكذلك في حرب 1973، بعد أن كانت "إسرائيل" قد دعمت الهند في حربها مع باكستان عام 1971.
بعد هزيمة العرب في حرب عام 1967، ووفاة جمال عبد الناصر في عام 1970، تراجعت نظرة الهند إلى الدول العربية، وتطورت العلاقات بين الهند و"إسرائيل" إلى أن قتلت أنديرا غاندي عام 1984.
الانفتاح الهندي على "إسرائيل" بدأ عام 1992، وكان لهذا التوجه أسباب عديدة:
- سقوط الاتحاد السوفياتي الذي كان يمد الهند بالسلاح، فكان لا بدّ من البحث عن بدائل فاتجهت نحو "إسرائيل" التي كانت مستعدة لتزويد الهند بما تريد.
- تراجع قوة العرب وتشتتهم، بعد الاحتلال العراقي للكويت والتحالف الدولي ضد العراق، وتدمير العراق وذهاب الدول العربية إلى مؤتمر مدريد للسلام.
- امتلاك باكستان للقنبلة النووية عام 1998، حيث وجدت الهند نفسها بحاجة أكبر لدعم "إسرائيل" للحصول على القنبلة النووية، والاستفادة من خبرة "إسرائيل" في ضرب المفاعل النووي العراقي عام 1982، لتدمير البرنامج النووي الباكستاني.
في عام 1992، أقيمت علاقات دبلوماسية بين الجانبين، واستمرت حتى وصول مودي إلى رئاسة الوزراء في الهند عام 2014، لتشهد تلك العلاقات تطوراً مفاجئاً، حيث وصلت إلى مستوى "شراكة استراتيجية متميزة" وفقاً للتصنيفات الإسرائيلية، وهي صفة لم تطلق إلا على علاقات "إسرائيل" مع ثلاث دول، هي: الولايات المتحدة الأميركية والصين والهند.
مودي رئيس حزب بهاراتيا جاناتا الهندوسي المتطرف، لديه مبدأ في اضطهاد المسلمين، يسعى من تحالفه مع "إسرائيل" إلى مواجهة القوى الإسلامية "المتطرفة" في المنطقة وخاصة باكستان عدوة الهند، وتركيا التي تتزايد حدة العداء بينها وبين "إسرائيل".
تطور العلاقات بين الجانبين في عهد مودي..
في عام 2017 كانت أول زيارة لرئيس وزراء هندي إلى "إسرائيل"، تلتها زيارة قام بها نتنياهو إلى الهند في عام 2018، في مؤشر على رغبة الجانبين في المضي قدماً في تطوير تلك العلاقات.
قبل يومين، وصل رئيس وزراء الهند، ناريندرا مودي، إلى "إسرائيل" لإبرام اتفاقيات تعاون عسكري ودفاعي مشتركة، بالإضافة إلى اتفاقيات اقتصادية. تهدف هذه الاتفاقيات إلى تعميق الشراكة الاستراتيجية بين البلدين عبر مجالات محددة تشمل التدريب المشترك، تبادل المعلومات الاستخبارية، نقل وتوطين التكنولوجيا الدفاعية، وتطوير سلاسل الإمداد الصناعية المرتبطة بالقطاعين العسكري والمدني. كما تتضمن الاتفاقيات بنوداً للتعاون الاقتصادي في الطاقة، البنية التحتية والتجارة التكنولوجية، ما يوفر إطاراً متكاملاً للتكامل الأمني والاقتصادي.
مودي في خطابه أمام الكنيست الإسرائيلي قال: وُلدتُ في 17 سبتمبر 1950، وهو اليوم الذي اعترفت فيه الهند رسمياً بدولة إسرائيل. تقف الهند بحزم إلى جانب إسرائيل الآن وفي المستقبل".
وفي خطوة غير مسبوقة، نال مودي "وسام الكنيست"، وهو تكريم يُمنح للمرة الأولى في تاريخ البرلمان الإسرائيلي، تقديرًا لدوره في تعزيز العلاقات الثنائية ودعمه لـ"إسرائيل".
تأتي هذه الزيارة في سياق تأسيس تحالف إقليمي أوسع يُتوقع أن يضم دولاً متعددة من مناطق جغرافية مختلفة، من بينها الهند وإثيوبيا واليونان وقبرص، إضافةً إلى دول عربية لم تُكشف هويتها بعد.
إن تشكيل مثل هذا التحالف قد يعكس تحركاً نحو بناء شبكات إقليمية للتعاون تتجاوز الأطر التقليدية، مع إمكانات لتنسيق سياسات الأمن البحري، مكافحة الإرهاب، حماية الممرات التجارية، وتعزيز التكامل الاقتصادي الإقليمي.
ومع ذلك، يبقى طابع بعض المشاركين وحجم الالتزامات المستقبلية مرهونين بالمفاوضات المستمرة والسياسات الداخلية لكل دولة، ما يستدعي متابعة تطور هذه المبادرة لتقييم تأثيرها الجيواستراتيجي والاقتصادي على المستويات الإقليمية والدولية.
يهدف هذا التحالف إلى مواجهة ما وصفه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بـ«المحور السني الناشئ»، الذي يضم، وفقًا لذلك الوصف، دولاً مثل تركيا وباكستان والمملكة العربية السعودية وقطر ومصر. ويقابله، في خطاب نتنياهو، ما أُشير إليه بـ«المحور الشيعي المنهك»، وهو توصيف يعكس قراءة سياسية ودبلوماسية لحالة التحالفات الإقليمية وتوازن القوى الطائفية.
مع الإشارة إلى أن هذه التحالفات ظرفية تتغير بتغير الظروف الدولية، فعلى سبيل المثال: زيارة إردوغان لإثيوبيا أغضبت مصر التي باتت ترى في إثيوبيا تهديداً لأمنها القومي.
لذا، فمن الضروري توخي الحذر في تبنّي مثل هذه التسميات كوقائع ثابتة؛ إذ إن واقع العلاقات بين الدول المشارِكة معقد ومتغير، وتُشكِّل المصالح الاستراتيجية والتنافس الإقليمي والتحالفات الثنائية والقضايا الأمنية والدبلوماسية عوامل تحدد مدى تماسك أو ضعف مثل هذه «المحاور».
تشتري الهند ما يقارب مليار دولار من الأسلحة من "إسرائيل" سنوياً في المتوسط، ما يجعلها أحد أكبر المشترين للأسلحة الإسرائيلية. وخلال الفترة من عام 2015 إلى 2019، كانت "إسرائيل" ثاني أكبر مورد للأسلحة إلى الهند بعد روسيا، بنسبة تصل إلى 14% من إجمالي الواردات الهندية. شكَّلت هذه النسبة 45% من إجمالي صادرات الأسلحة الإسرائيلية تقريباً، ما يعني أن دلهي كانت المساهم الأساس في دفع "إسرائيل" إلى خارطة أبرز مصدّري الأسلحة عالمياً.
وكانت الهند قد وقّعت، قبل فترة وجيزة، اتفاقيات تعاون دفاعي متعددة مع دولة الإمارات العربية المتحدة، شملت مجالات تبادل المعلومات الاستخبارية والتدريبات العسكرية المشتركة وتعزيز القدرات اللوجستية، ما يعكس تكثيف التنسيق الاستراتيجي وتعزيز الشراكة الأمنية بين البلدين.
التحالف الهندي-الإسرائيلي يعكس تحوّلات أوسع في خريطة التحالفات في الشرق الأوسط، ويشمل تعاوناً أمنياً وتكنولوجياً متصاعداً، وحديثاً عن ممرات تجارية جديدة تربط آسيا بأوروبا عبر المنطقة، فهل سيكون هذا التحالف على حساب العرب؟
يأتي هذا التحالف بالتزامن مع تصاعد التوتر ضد إيران (حليف الصين)، وفي ظل الحديث عن تحالف يجمع باكستان (عدو الهند) مع كل من السعودية ومصر وتركيا وقطر. فما تأثير هذه التحالفات على موازين القوى في الشرق الأوسط؟
يريد نتنياهو من الهند أن تكون جزءاً من التحالف الجديد لمواجهة الأعداء المشتركين. فمن هم هؤلاء الأعداء؟
العدو المشترك من وجهة نظر "إسرائيل" هو تنظيم الإخوان المسلمين (حركة حماس في غزة المدعومة من تركيا وقطر، والحكومة اليمنية المدعومة من السعودية) وحلفاء إيران في المنطقة.
تحالف "إسرائيل" مع الهند بدأت تتضح ملامحه في ظل حكم مودي، كتحالف آسيوي شرق أوسطي يخص القومية الهندية والإسرائيلية.
هذا التعاون لم يبنَ على تعاون اقتصادي كبير، بل بني على تماثل أيديولوجي: الهند كشمير، مقابل "إسرائيل" غزة، الهدف منه كسر طوق العزلة عن "إسرائيل" المتعطشة إلى البحث عن أيديولوجيات متشابهة، يبنى عليها تعاون (البناء على الأيديولوجيات أولاً، ثم البناء على الاقتصاديات لاحقاً).
البعد الديني حاضر وبقوة في هذا التحالف، إذ يجري العمل على تهجير آلاف اليهود من طائفة بني منشه ( هذه الجماعة ترى أنها من نسل إحدى القبائل العشرة المفقودة من بني إسرائيل) من الهند لتوطينهم في منطقة الجليل شمال "إسرائيل"، وتشمل الخطة توطين 50 ألف شخص بحلول عام 2030. ومن المقرر وصول أول دفعة قريباً، خلال هذا العام. وكان قد هاجر نحو 42 ألف من بني منشيه إلى "إسرائيل" خلال العقدين الماضيين.
مع الإشارة إلى أنه لا يمكن القول إن مساعي "إسرائيل" للتحالف مع الهند تنطلق من بحثها عن تقاطعات دينية بين البلدين، فـ"إسرائيل" تتحالف مع كل من يخدم مصالحها، فقد تحالفت مع المسيحيين في جنوب السودان وصومال لاند مؤخراً، وتحالفت مع الكرد في الشرق الأوسط...إلخ.
أيضاً هناك اعتبارات ومكاسب شخصية يسعى نتنياهو لتحقيقها بعد أن أصبح شخصية منبوذة وملاحقة من قبل محكمة الجنايات الدولية، حتى أنه لم يستطع زيارة أي دولة عدا الولايات المتحدة الأميركية. فـ"إسرائيل" معزولة غرباً لذلك سعت إلى التوجه شرقاً. بمعنى أن خيارات "إسرائيل" باتت محدودة جداً، ولا يمكن أن تعوّل على غير الهند لبناء شراكات وازنة.
"إسرائيل" فاشلة سياسياً ودبلوماسياً، وتاريخها يشير إلى أنها غير قادرة على بناء "تحالفات مستدامة"، وأن استراتيجياتها ليست سوى "استراتيجيات لحظية"، وحالة العزلة الدولية التي تعيشها اليوم خير دليل على ذلك.
يقدّر عدد المغتربين الهنود في دول العالم العربي بأكثر من عشرة ملايين شخص، منهم نحو تسعة ملايين يقيمون في دول مجلس التعاون الخليجي وحدها، بينما يبلغ عدد الهنود المقيمين في "إسرائيل" نحو 97 ألفًا فقط.
تُشير بيانات التحويلات المالية إلى أن تحويلات الهنود من الدول العربية تصل إلى نحو 60 مليار دولار سنويًا، في حين يبلغ حجم التبادل التجاري السنوي بين الهند والدول العربية نحو 215 مليار دولار. هذه الأرقام توضح وجود روابط اقتصادية قوية ومصالح متبادلة ذات أبعاد مالية واجتماعية واضحة.
المصالح الهندية مع العالم العربي كبيرة ومتشابكة اقتصادياً واجتماعياً، ولذا فإن هدف الاستجابة لأي تصرفات يعدّ مسألة تفاوضية واستراتيجية تتطلب تنسيقاً إقليمياً، حساباً دقيقاً للتكاليف والفوائد، وحرصاً على تجنب تداعيات إنسانية واقتصادية لا يمكن السيطرة عليها. المقاطعة أو استخدام أوراق الضغط قد تكون أدوات مشروعة ضمن سياسة خارجية متزنة، لكنها لا بد أن تُستخدم كجزء من استراتيجية شاملة ومُحسوبة تحفظ المصالح العربية على المديين القريب والبعيد.
التماثل الفكري والأيديولوجي بين البلدين..
الهندوتفا والصهيونية هما تيّاران سياسيان يسعيان إلى تكريس هويات قومية ودينية محددة، ويشتملان على أوجه تشابه مهمّة، وفي الوقت نفسه اختلافات جوهرية في الأصول والأهداف والنطاق.
كلا التيّارين يعيدان إنتاج خطاب يركّز على ترسيخ هوية قومية/دينية معيارية تُشكّل إطاراً للتماسك الاجتماعي والسياسة العامة؛ فالهندوتفا تضع الهوية الهندوسية في مركز السرد الوطني، والصهيونية تضع الانتماء اليهودي كمؤسس للسيادة القومية.
تتضمن سياسات ومواقف كلا التيّارين منطقاً يعطي الأولوية لمصالح المجموعة الرئيسية ذات الصفة الثقافية أو الدينية، ما يفضي إلى مواقف وممارسات قد تهمّش الأقليات أو تحدّ من مساهمتها السياسية والاجتماعية.
يتبنّيان نقداً أو رفضاً لصيغ معينة من التعددية الثقافية عندما تُعتبر مهدِّدة للتماسك الوطني أو للهوية المرجعية، وإن تفاوتت الدرجة والتعبيرات بين السياقات التاريخية والسياسية المختلفة.
الفروق الجوهرية ..
الهندوتفا تيّار نشأ داخل التاريخ السياسي والاجتماعي الهندي ويغلب عليه البُعد المحلي والوطني الهندي، بينما الصهيونية حركة قومية يهودية ذات جذور تاريخية وجغرافية مرتبطة بفكرة إقامة وطن قومي لليهود في أرض إسرائيل/فلسطين ومرت بتجارب ناظمة على نطاق عالمي نتيجة الشتات اليهودي.
تسعى الهندوتفا إلى إعادة تشكيل البنية الرمزية والمؤسساتية للهند بحيث تعكس غالبية هندوسية من خلال قوانين وسياسات وهوية شبه-دينية؛ أما الصهيونية فتهدف تاريخياً إلى إقامة دولة قومية يهودية ذات سيادة، مع مؤسسات حكومية ومشروعات قومية محددة لتحقيق ذلك.
تميل الهندوتفا إلى تركيز داخلي على تجديد السرد الوطني داخل حدود الدولة الهندية، في حين أن للصهيونية بعداً عبر-قومي يربط بين اليهود في مواقع شتات مختلفة ويدعم مشروع الدولة القومية بوصفها مركزاً للهوية اليهودية العالمية.
يستند الخطاب الهندوتفي في كثير من الأحيان إلى نصوص وممارسات هندوسية وتفسيراتها الثقافية المحلية، بينما تستند الصهيونية إلى مزيج من السرد التاريخي اليهودي، التوراتي، وتجارب الاضطهاد والشتات التي طوّرت تصوراً سياسياً قومياً فاعلاً.



