الكاتنب : نصير أحمد الريماوي
في أحد الأيام، رأيت شاباً، بُني البشرة، ومربوع القامة، يسير بعد الظهيرة في الشارع الرئيس في هذا الجو القائظ، ويتصبب عرقاً، و برفقتة صديق له يفوقه طولاً، ويتلفَّت- بعينين فاحصتين- يَسرَةً ويَمنَةً، كأنه يتحسس أحوال المواطنين المَهمومين والمَارَة ..
ما هي إلا لحظات، حتى شاهد طفلا لا يتجاوز عمره أحد عشر عاما، يَجولُ في الشارع العام ببلدة "بيت ريما" بقدمين حافيتين، ثم ينتقل للسير على رصيف الشارع لتخفيف لسع حرارة اسفلت الشارع الساخن، تارة يبسط مُشطي القدمين على وجه الاسفلت وهو يمشي، وتارة أخرى، يسير على جانبي المشطين لتفادي السخونة الكاوية في شهر أيلول..
شاهدته رثّ الثياب، قصير القامة، و ذو عينان زرقاوان، جميل المُحيا، ويتلفَّت من حوله، كأن في عينيه الكثير من الأسئلة، واللوم للمارة، وللمحلات التجارية المحاذية للشارع.. والده طريح الفراش بسبب هجوم الأمراض على جسده حتى أنهكته، وأقعدته عن العمل منذ فترة، فتَولَّت الزوجة دورَ ربِّ الأسرة، وأصبحت عمود البيت، تكدُّ في طلب رزق أطفالها..
هذا الطفل، كانت حالته تستعطف مَنْ يشاهده مع اقتراب بدء العام الدراسي الجديد، لكنَّ طفولته خَجولة، يسير دون أن يَنبِس بِبنتِ شَفة.. صامت الجسد..كأنه يسير في جنازة الوضع الاقتصادي المتردي البائس..
هذا الشاب المذكور آنفا- وهو يتفحص المارة- كأنه وجد ضالته، اقترب من الطفل،
وقال له: تعال معي يا بُني.
- إلى أين؟
- كي أشتري لك ما تريد..
ارتعش جسد الطفل من هذه الكلمات، وتردد ما بين عدم الانصايع لكلامه أو قبول الذهاب معه، خاصة وأنه رجل غريب عليه وغير مألوف بالنسبة له!
هذا الشاب الوسيم أمسك الطفل من يده وساروا ثلاثتهم معا ناحية بعض محلات الأحذية والملابس.. دلفوا إلى المحل يتقدمهم الطفل..
- مساء الخير...
صاحب المحل قطع استماعه لنشرة الأخبار من خلال جهاز الحاسوب، ورحّب بهم..
-أهلا وسهلا، تفضلوا..
الشاب سأل الطفل: ماذا تريد أن أشتري لك، لا تستحِ منّي، أنا مثل أبيك؟
الطفل كان يرنو إليه بعيون الأمل والاستغراب..
- أريد بابوجاً
- أيضا، ماذا تريد؟
- سكت الطفل، يبدو أنه خجل من ذكر الحال..
قال الشاب لصاحب المحل: لوسمحت أعطِنِي لهذا الطفل حافي القدمين أحسن بابوج أطفال لديك.
فأعطاه ما طلب.. انتعل الطفل البابوج وهو مسروراً، ثم خلعه، وعاد يمشي حافيا في داخل المحل!!
طلب منه الشاب انتعاله ثانية فوراً، وعدم خلعه من الآن فصاعداً لحماية قدميه الطريتين البريئتين، ثم قال: لا أريد رؤيتك حافيا..
- اتفقنا..
- لو سمحت أعطِني أيضا ملابس مدرسية، وحذاء، وملابس داخلية له...
و يقول للطفل: اختر ما تريد منها، ولا تستحِ
- هل أعجبتك المشتريات جميعها؟
- نعم..
- تفضل كلها لك..
كم كان سرور هذا الطفل عظيما عندما شاهد حلمه يتحقق وصار واقعا، وانفرجت أسارير وجهه مبتهجا، ولم يعرف ماذا يقول بعدما تملّكته الفرحة.
صاحب المحل سأل الشاب: ما صلة القرابة بينكما؟
- لا توجد صلة قرابة، ولا أعرفه، حتى ولا أعرف اسمه أو إبن مَنْ، لكنني وجدته يسير حافي القدمين في هذا الجو الحار، فقررت الشراء له لوجه الله..
لقد اهتزت مشاعر صاحب المحل لهذا الموقف الإنساني النبيل، وصاحب هذه النخوة الفلسطينية الأصيلة، فكان هذا الموقف، دافعا لصاحب المحل، الذي سارع هو الآخر إلى تخفيض سعر هذه المشتريات..
لقد دفع الشاب الثمن، وهو مرتاح الضمير ومرتاح نفسيا وسعيد .. أما الطفل، فقد خرج من المحل راكضا مبتهجا نحو منزلهم.



