الكاتب : مجد الزغير
يشهد الاقتصاد الفلسطيني اليوم انكماشاً غير مسبوق يُعد الأشد في تاريخه الحديث. فقد انهار النشاط الاقتصادي في قطاع غزة بشكل شبه كامل منذ بداية حرب الإبادة في أواخر عام 2023، فيما دخلت الضفة الغربية منذ ذلك الوقت في ركود عميق أدى إلى تآكل جزء كبير من أي إنجازات اقتصادية كانت قد تحققت خلال السنوات الماضية.
ولا يمكن فهم هذا الانهيار بمعزل عن أسبابه المباشرة؛ فقد أدت الإجراءات الإسرائيلية، بما في ذلك تشديد القيود على الحركة والتجارة، ووقف تصاريح العمل، واحتجاز أموال المقاصة، إلى شلل واسع في معظم مفاصل الاقتصاد الفلسطيني. وقد أسهمت هذه الإجراءات في تقليص الإنتاجية في مختلف القطاعات، كما أضعفت قدرة القطاع الخاص على الاستمرار.
ومع اتساع رقعة الصراع الإقليمي في الشرق الأوسط خلال الأسابيع الماضية، ازدادت حالة عدم اليقين، وتراجعت ثقة المستثمرين، وتعطلت حركة التجارة والملاحة وإمدادات الطاقة. وفي الوقت الذي بدأت فيه هذه التطورات تنعكس على النشاط الاقتصادي في المنطقة ككل، فقد ألقت بظلالها أيضاً على اقتصاد محاصر كان يعاني منذ عقود من اختلالات هيكلية عميقة ضيّقت آفاق التنمية الاقتصادية في فلسطين. وفي ظل هذا الواقع، لم يعد الحديث عن فرص النمو الاقتصادي أولوية آنية، بل أصبح التحدي الأساس هو الصمود والحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي ومنع مزيد من التدهور.
أولاً، على صعيد المالية العامة، تواجه السلطة الفلسطينية أزمة مالية خانقة. فقد تراجعت الإيرادات المحلية بشكل حاد، فيما توقفت إيرادات المقاصة، التي كانت تشكل نحو ثلثي الإيرادات العامة، كلياً منذ أيار 2025. ونتيجة لذلك، اتسع العجز المالي إلى مستويات مرتفعة، ما اضطر الحكومة إلى تأخير صرف رواتب الموظفين العموميين وتأجيل الوفاء بالتزاماتها تجاه القطاع الخاص، وبالتالي مراكمة المزيد من المتأخرات كوسيلة لتغطية النفقات التشغيلية الأساسية. وفي ظل هذا الوضع الصعب، أصبحت الأولوية لدى الحكومة الفلسطينية الحفاظ على عمل المؤسسات العامة، وتسريع وتيرة الإصلاحات الضرورية التي تدعم الاستقرار المالي، وضمان استمرارية الخدمات الأساسية المقدمة للمواطنين.
ثانياً، تتجلى آثار الأزمة بشكل مباشر على حياة المواطنين من خلال تقلبات سوق العمل. فقد ارتفعت معدلات البطالة إلى مستويات قياسية، خاصة في قطاع غزة حيث تجاوزت 80%، بينما وصلت إلى ما يقارب 30% في الضفة الغربية. وتجدر الإشارة إلى أن وقف تصاريح العمل في إسرائيل، التي كانت تشكل مصدراً رئيساً لدخل عشرات الآلاف من الأسر، أدى إلى تعميق الأزمة المعيشية وتراجع القدرة الشرائية بشكل حاد . وفي هذا السياق، تبرز الحاجة إلى تبني برامج تشغيل طارئة نوعية، إلى جانب توفير دعم مالي مباشر للشركات الصغيرة والمتوسطة، التي تشكل أغلبية الشركات العاملة في فلسطين، وذلك لتعزيز قدرتها على الصمود والنمو وخلق فرص العمل.
ثالثاً، يواجه الاقتصاد أيضاً تراجعاً حاداً في الاستثمارات، وخصوصاً في القطاعات الإنتاجية. فقد أدت المخاطر المرتفعة، وعدم الاستقرار، والإجراءات الإسرائيلية المشددة على الحركة والتجارة، إلى عزوف المستثمرين وتجميد العديد من المشاريع الحيوية. وعلى الرغم من هذه القيود، فإن أي تعافٍ مستقبلي سيعتمد بدرجة كبيرة على استعادة دور القطاع الخاص كمحرك أساس للنمو الاقتصادي. وتشير التقديرات إلى أن احتياجات إعادة الإعمار في قطاع غزة قد تصل إلى عشرات مليارات الدولارات، وهو ما يعكس حجم التحديات القائمة، لكنه يفتح في الوقت نفسه فرصاً عملية لدمج القطاع الخاص وتوجيه الاستثمارات نحو القطاعات الإنتاجية التي يمكن أن تخلق أثراً اقتصادياً مستداماً في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة.
ورغم قسوة المشهد، تبرز في الأزمات فرص يمكن البناء عليها. فتعطل سلاسل التوريد والقيود المفروضة على التجارة الدولية يفتحان المجال أمام تحفيز الإنتاج المحلي وإحلال الواردات، خاصة في القطاعات الإنتاجية مثل الزراعة والصناعات الغذائية والصناعات الخفيفة. كما تبرز فرص للتوسع في أنشطة الاقتصاد الرقمي، التي تتأثر بدرجة أقل بالقيود المفروضة على الحركة، ولديها القدرة على النمو والمنافسة في الأسواق الإقليمية على أقل تقدير. وعلى صعيد الاستثمار، يشكل الفلسطينيون في الشتات رافعة مهمة، ليس فقط من خلال التحويلات المالية، بل أيضاً عبر نقل المعرفة وفتح المجال للتعاون والتبادل التجاري مع أسواق جديدة.
في المحصلة، لا يكفي التعامل مع الأزمة الحالية التي تواجه الاقتصاد الفلسطيني بمنطق إدارة الطوارئ، بل يتطلب الأمر رؤية اقتصادية متماسكة توازن بين الصمود والإصلاح، وتسعى إلى تحويل التحديات الراهنة إلى فرص للنمو المستقبلي. وإلى جانب استمرار الضغط الدولي على إسرائيل لرفع القيود واستعادة الأموال المحتجزة، تبرز الحاجة إلى تعزيز الشفافية في إدارة المال العام، وتوجيه الإنفاق نحو القطاعات الإنتاجية، ودعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وتهيئة بيئة أكثر دعماً للاستثمار، وتوفير أدوات مبتكرة لتقاسم المخاطر وتقليلها بما يشجع التدفقات التدريجية لرأس المال. هذه ليست خيارات تكميلية، بل أولويات ملحّة للحفاظ على ما تبقى من مقومات الاقتصاد.
قد لا يكون التعافي وشيكاً، لكن الصمود اليوم يُعد شرطاً أساسياً لأي نهوض في المستقبل. فالاقتصادات لا تنهض من العدم، بل من خلال مؤسسات وشركات صمدت، وقطاعات استمرت في العمل، وثقة جرى الحفاظ عليها في أصعب الظروف.



