نابلس- واثق نيوز ـ سهير سلامه وقف المزارع شاهر القط ابن قرية مادما، جنوب نابلس، بين الدمار يتأمل أرضا كانت بالأمس جنة ملأى بأشجار الزيتون والتين، تدر الذهب الخضر بامتياز فلسطيني، وبنكهة الحرية المغمسة بالكد والتعب، وبرائحة العبق التراثي، المتوارث عن اجداد، زرعوا فاكلنا، ولكن .. هل نزرع فياكلون؟ هذا ما يشغل بال المزارع شاهر القط، والمرابط فوق ارضه، منذ نعومة اظفاره.
يقول القط بن قرية مادما، المشهورة بجودة زيت الزيتون الذي تنتجه اشجارها واغصان زيتونها بالامس كانت هناك حياة، وأشجار واوراق، واليوم إذا بها مجرد تراب مقلوب، وجذوع مقطوعة، خلفتها الجرافات الاحتلالية، مسح دمعة انحدرت على خده، وقال بصوت أنهكه الحزن: "دمروا الأرض... واقتلعوا الشجر والحجر."
وفي حركة عفوية، اقترب من جذع زيتونة اقتُلعت من مكانها، وربت عليها بيده كما لو كان يودع فردا من عائلته، ثم قال: "شجرة الزيتون أغلى من ولد الولد، فهي تبقى إلى الأبد، جيلا يخلف جيلا."
لم يكن ذلك الاربعيني، يبكي على شجرة فحسب، بل على تاريخ كامل اقتُلع من جذوره. ويضيف قائلا، وهو ينظر إلى الأغصان اليابسة: "أبكي على الشجرة التي كانت تثمر خيرا، واليوم تنزف ألما.. حتى دمعتي حين سقطت بدت كحبة زيتون سال منها زيت بطعم الدم."
ويشير إلى صخرة قريبة قائلا: "هنا قُتل ابن عمي دفاعا عن الأرض والشجر والارث الذهبي، وما تزال دماؤه شاهدة على المكان والزمان... حتى الصخر لم يجف حزنه.
ويؤكد شاهر أن ما يجري لا يقتصر على اقتلاع الأشجار فحسب، بل يمتد إلى تدمير الأراضي الزراعية والبنية التحتية، وملاحقة المزارعين، والاستيلاء على الأراضي والمنازل، في محاولة لخنق الحياة الفلسطينية، وجعلها فروع بلا أغصان... جذوع بلا ثمر.. وارض بلا حياة او شجر.
ثم يرفع رأسه، ويقول بحرقة: "والله لو قتلوني وبقيت هذه الشجرة، لما أسفت على حياتي... نحن نموت كل يوم... بالحواجز، والدمار، وتجريف الأرض، واقتلاع الزيتون."
واختتم حديثه وهو يمسح دموعه وعرق السنين عن وجهه: "ليس لنا بعد الله إلا هذه الأرض... وهذه الشجرة... وستبقى حكايتنا ما بقي الزيتون شاهدا على الوطن."
لم يكن شاهر القط الوحيد الذي انهكه الوجع.. لكنه واحدا من الآلاف ممن سرق بيته وجرفت ارضه وسلبت حياته... وما زال يقاوم بوجوده وعزمه على زراعة ما استطاع من شجر لياتي عصفور وبغرد فوقها معلنا ساعة الغرس والحصاد، الفلسطيني.

