رئيس التحرير

في نقد الواقع والوعي الثوري

43 مشاهدة
في نقد الواقع والوعي الثوري

 الكاتب : واصل الخطيب 

رئيس التحرير

لا يولد اليقين من الفراغ، ولا ينبثق من رحم الأيديولوجيا الجاهزة، بل هو نتيجة لصراع معرفي عميق يبدأ بالشك. فالشك، كما ذهب هيغل، هو "ألم الفكر" الذي يحرك الجدل نحو الحقيقة. لكن الشك هنا ليس تقاعساً أو سلبية، بل هو محاولة لنزع الأقنعة عن الواقع المألوف، والكشف عن القوانين الكامنة خلف الظواهر. إذا أردنا الوصول إلى يقين سياسي في عالم يعج بالتناقضات، فعلينا أن نبدأ بتحليل تلك التناقضات ذاتها، قالبين كل مسلّماتنا رأساً على عقب.

في سياقنا العربي والدولي، يبدو اليقين غائباً، ويسود الشعور بالجمود والانغلاق. هنا يأتي دور الشك كطريقة لفهم هذا الجمود. فالشك في "الأمر الواقع" هو المدخل لصنع المستقبل. إنه يذكرنا بما قاله ماركس عن أن "الفلسفة لا تكمن خارج العالم، بل هي دماغه"، وأن دورها ليس تفسير العالم بل تغييره، وهذا التغيير يبدأ بالكشف عن البنية التحتية للصراعات الدولية، وفضح الأقنعة الأيديولوجية التي تبرر هيمنة المركز على الأطراف.

فاليقين الأول الذي نصل إليه هو أن النظام الدولي القائم ليس طبيعياً، بل هو نتاج علاقات قوى تاريخية. هذا اليقين، كما أوضح لينين في تحليله للإمبريالية، يؤدي بنا إلى إدراك أن الصراع ليس صراعاً على الموارد فحسب، بل هو أيضاً صراع على المعنى، وعلى حق تقرير المصير . في عالم تتصارع فيه الروايات، يصبح اليقين السياسي هو القدرة على امتلاك رؤية واضحة لهذه اللعبة المزدوجة.

إذا كان ماركس ولينين قد ركزا على البنية الاقتصادية، فإن أنطونيو غرامشي يمنحنا مفتاحاً لفهم تعقيد الحالة العربية عبر مفهوم "الهيمنة الثقافية". فاليقين بأن الصراع قائم أيضاً على استلاب الوعي هو نقطة تحول جوهرية . فاليقين لا يأتي بامتلاك السلاح وحده، بل بالقدرة على بناء خطاب مضاد يكسر هيمنة الخطاب الغربي المسيطر، وهو ما يتقاطع مع رؤية غسان كنفاني الذي أدرك أن المعركة مع الاحتلال هي معركة وجود ووعي، وليست مجرد معركة حدود.

هنا يتجلى الشك كمنهج لتفكيك سرديات الهزيمة. فهايدغر، في حديثه عن "الكينونة والزمان"، دعانا إلى التفكير في شروط إمكانية الفهم . الشك في البداهات المتوارثة عن "استحالة النصر" أو "عزلة القضية" هو الذي يقودنا إلى يقين جديد: أن القضية الفلسطينية ليست قضية شعب واحد، بل هي مركز الثقل في الصراع بين مشروع التحرر ومشروع الهيمنة الكوني.

عند إسقاط هذه المقولات على الوضع الفلسطيني، نجد أن اليقين الذي يبدأ بالشك يفضي إلى حقيقة جذرية: الصراع مع الاحتلال هو صراع ضد النسيان، وضد محاولات طمس الهوية. هذه هي النقطة التي تلتقي فيها الفلسفة بالثورة. لقد علّمنا غسان كنفاني، في أدبه ونضاله، أن العودة إلى الذات ليست حنيناً، بل وعياً بالوجود في مواجهة العدم. فاليقين هنا هو الإيمان بأن الاحتلال مؤقت، وأن محاولات تشويه صورة المقاومة هي جزء من معركة ثقافية يجب خوضها بذات القوة التي نخوض بها المعركة السياسية والعسكرية.

هذا اليقين بالعدالة التاريخية لا ينفي الواقع الأليم، بل يتعامل معه كجدلية. فالشك في جدوى الحلول التقليدية (المفاوضات العقيمة، والتسويات المجحفة) يقودنا إلى اليقين بأن مستقبل فلسطين مرتبط بتوحيد الصف العربي على أساس قومي، وبفهم أن التحرر من الاحتلال الخارجي لا ينفصل عن التحرر من التخلف الداخلي. وكما يقول كنفاني في أدبه الثوري، فإن البندقية وحدها لا تصنع ثورة، بل الإنسان الواعي هو الثورة.

إن الوصول إلى اليقين هو عملية مستمرة من النقد الذاتي والمراجعة . إنه ليس حالة جمود فكري، بل هو حالة من التوتر الإيجابي . عندما ننظر إلى المأساة الفلسطينية، علينا أن ننظر إليها ليس كقضية إغاثة، بل كقضية نموذجية للصراع الإنساني ضد الظلم.

إن اليقين الذي نصل إليه في النهاية هو أن التغيير ممكن، لأن القوانين التاريخية ليست قدراً محتوماً، بل هي نتاج صراع إرادات ووعي. وهنا يبرز دور المثقف العضوي على طريقة غرامشي، ودور المناضل المثقف على طريقة كنفاني، في بناء هذا الوعي الجديد القادر على قول "لا" للواقع بقوة، قائلاً "نعم" للمستقبل عبر شك منهجي يفضي إلى يقين راسخ بأن الحرية حتمية تاريخية، وأن العدو، مهما بلغت قوته، هو وليد لحظة تاريخية ستنتهي بلا ريب.