الكاتب : المهندس رائد عبد الفتاح مهنا
يعكس خطاب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مساء امس، محاولة لترسيخ "عقيدة أمنية جديدة" تعتمد على التفوق المطلق والمبادرة الهجومية. الخطاب لم يكن مجرد سرد للإنجازات، بل كان رسالة استراتيجية موجهة لثلاث جهات: الداخل الإسرائيلي، الخصوم الإقليميين، والمجتمع الدولي .
تحليل لأبرز المحاور التي تم ذكرها ..
اولا : السيطرة على سماء إيران" (رسالة الردع الاستراتيجي) .. هذه العبارة هي الأهم من الناحية العسكرية. فنتنياهو يريد القول إن "قواعد اللعبة" قد تغيرت جذرياً: إنهاء مفهوم العمق المحمي: يقصد نتنياهو أن الدفاعات الجوية الإيرانية لم تعد عائقاً، وأن إسرائيل باتت تمتلك "حرية الحركة" فوق المنشآت الحيوية الإيرانية.
الانتقال من الوكلاء إلى الأصيل : الرسالة هنا أن إسرائيل لم تعد تكتفي بضرب "أذرع" إيران (حزب الله وحماس)، بل أصبحت قادرة على استهداف "الرأس" مباشرة وبسهولة تقنية.
ثانيا : إجبار حزب الله على تطبيق بنود وقف إطلاق النار ..
تنتقل اللغة هنا من "الدفاع" إلى "الفرض". نتنياهو يتبنى نبرة المنتصر الذي يملي الشروط : تغيير قواعد الاشتباك، اذ لم يعد الحديث عن "اتفاقيات" هشة، بل عن "إجبار" عبر القوة العسكرية. تجاوز القرار 1701: يلمح نتنياهو إلى أن إسرائيل لن تعتمد على القوات الدولية (اليونيفيل) أو الجيش اللبناني فقط، بل ستحتفظ اسرائيل بـ "حق التنفيذ" العسكري المباشر لأي خرق، وهو ما يعتبره حزب الله والسيادة اللبنانية نقطة خلاف جوهرية.
ثالثا : تغيير وجه الشرق الأوسط ..
(الطموح السياسي) هذا المصطلح "الجيوسياسي" يعيدنا إلى خطاب شمعون بيريس في التسعينيات من القرن الماضي، لكن بنسخة "يمينية" تعتمد على القوة لا السلام الورقي.
إضعاف "محور المقاومة : يرى نتنياهو أن إضعاف حماس وحزب الله وضرب قدرات إيران سيؤدي بالضرورة إلى فراغ سياسي سيملأه محور "الاعتدال" العربي المتحالف مع إسرائيل وفرض واقع جديد من خلال السعي لإنهاء الصراع ليس عبر تقديم تنازلات، بل عبر إثبات أن إسرائيل هي القوة المهيمنة التي لا يمكن تجاوزها في أي ترتيبات إقليمية مستقبلية.
أي ان أهداف الخطاب تنقسم الي ثلاثة أهداف الهدف الداخلي وموجه إلى الشارع الإسرائيلي واستعادة الثقة لنتنياهو بعد إخفاقات السابع من أكتوبر والهدف الإقليمي: توجيه رسالة للدول العربية بأن إسرائيل هي الحليف الأقوى والقادر علي كبح ايران . والهدف العسكري: رفع سقف التوقعات بفرض منطقة عزله وتفكيك قدرات الخصوم بشكل نهائي ومع النبرة القوية، أرى ان تغير وجهة الشرق الأوسط يواجه تحديات كبيرة في إخضاع الأطراف بالقوة العسكرية وحدها وأيضا الحلول السياسية الجذرية لضمان استقرار طويل الأمد دون حلول سياسية للقضية الفلسطينية وهذا ما تجنبه نتنياهو في خطابه .
ومن التحولات الجوهرية في الرؤية بين الخطابات السابقة والحالية :1. من "الخطوط الحمراء" إلى "الخطوط المفتوحة"في عام 2012، كان نتنياهو يطلب من المجتمع الدولي وضع حدود لإيران. اليوم، في خطابه الأخير، يتحدث عن "السيطرة على سماء إيران"، مما يعني أنه لم يعد ينتظر "خطوطاً حمراء" من أحد، بل أصبح هو من يرسم حدود حركة سلاح الجو الإسرائيلي داخل العمق الإيراني .
بخصوص مفهوم "الشرق الأوسط الجديد سابقاً : كان المفهوم يعتمد على "السلام مقابل السلام" والازدهار الاقتصادي (ممرات التجارة من الهند إلى أوروبا عبر إسرائيل) . حالياً: أصبح المفهوم يعتمد على "الأمن مقابل القوة".
تغيير وجه الشرق الأوسط في الخطاب الأخير لا يعتمد على الاتفاقيات السياسية بقدر ما يعتمد على تدمير قدرات "حزب الله" وتحييد التهديد الإيراني المباشر، لخلق واقع لا يجرؤ فيه أحد على تهديد إسرائيل * التعامل مع الوكلاء (حزب الله وحماس) انتقل من استراتيجية "إدارة الصراع" (الهدوء مقابل الهدوء) التي ميزت خطاباته لعقد من الزمن، إلى استراتيجية "الحسم الصفرية".
في خطابه الأخير، لم يعد يطلب وقف إطلاق نار دبلوماسي، بل يتحدث عن "إجبار" الخصم، وهي لغة تعكس ثقة ناتجة عن سلسلة الاغتيالات والضربات الاستخباراتية. واخيرا، يريد نتنياهو أن يسجل في التاريخ أنه الزعيم الذي نقل إسرائيل من حالة "الخوف الوجودي" إلى حالة "الهيمنة الإقليمية". هو يحاول استبدال "حل الدولتين" بـ "حل القوة الواحدة"، حيث تكون إسرائيل هي المركز الأمني والاقتصادي للمنطقة، مع تحويل إيران من لاعب إقليمي مهدد إلى دولة "مكشوفة عسكرياً.



