رام الله- واثق نيوز- قال الخبير المالي والمستشار المصرفي محمد سلامة، إن قانون خفض استخدام النقد جاء لمعالجة فائض الكتلة النقدية المتداولة في الاقتصاد الفلسطيني، مشيرا إلى أنه من أبرز المؤيدين لتطبيقه بشكل حازم لما له من آثار إيجابية على الاقتصاد الوطني.
وأوضح سلامة في حديث خاص لـ"الاقتصادي" أن حجم الأوراق النقدية المتداولة، سواء في خزائن البنوك أو بين أيدي المواطنين، يتجاوز الناتج المحلي الإجمالي بنسبة كبيرة، لافتا إلى أن التقديرات تفيد بأن النقد المتداول في فلسطين يعادل نحو 110% من الناتج المحلي، مقارنة بنحو 10% في الأردن، و8% في الولايات المتحدة، و7% في إسرائيل، وهو ما يعكس اختلالا واضحا في هيكل الاقتصاد.
وبين أن هذا الفائض النقدي أدى إلى تعطل في فعالية الجهاز المصرفي، إذ قلص قدرة البنوك على منح القروض والائتمان اللازم لدعم الشركات والمشاريع، وأضعف حركة الاستثمار والتشغيل، كما ساهم في تفاقم البطالة والتضخم وخلق بيئة مواتية لعمليات التهرب الضريبي وبعض الأنشطة التجارية المشبوهة.
وأشار سلامة إلى أن القانون لا يخدم فئة بعينها، بل يستهدف معالجة مشكلة هيكلية تمس الاقتصاد ككل، تتمثل في تضخم المعروض النقدي خارج القنوات المصرفية، مشددا على أن الهدف النهائي هو إعادة التوازن بين الكتلة النقدية "الكاش" ومعدلات النمو والتشغيل ومستوى التضخم.
ولفت إلى أن القانون تضمن مرونة في التطبيق، حيث حُدد سقف التعاملات النقدية بـ30 ألف شيكل، مع منح صلاحيات لسلطة النقد ووزارة المالية ووزارة الاقتصاد لمنح استثناءات لبعض القطاعات التي تتطلب طبيعة عملها دفعات نقدية أعلى، مثل تجارة العقارات والمجوهرات وبعض العمليات التجارية الخاصة.
وتابع سلامة: مشروع القانون عُرض لمدة 60 يوما على منصات الجهات المختصة قبل إقراره، وشهد عدة جولات نقاش مع مكونات المجتمع الاقتصادي، ما أتاح إدخال تسهيلات تدريجية في التطبيق، بما يقلل من أي آثار سلبية محتملة على بعض الفئات في المرحلة الأولى.
وفيما يتعلق بالمخاوف من "الانكشاف المالي" أمام الجانب الإسرائيلي، اعتبر سلامة أن هذه الادعاءات غير دقيقة، مؤكدا أن دولة الاحتلال قادرة على تتبع الأنشطة المالية متى أرادت، وأن بقاء الأموال خارج الجهاز المصرفي لا يوفر حماية حقيقية، بل يضعف الاقتصاد المحلي.
وأضاف أن التداول النقدي المفرط، وفق العديد من الدراسات العالمية، يرتبط بارتفاع معدلات الجريمة والتهرب الضريبي والاحتكار، لأن النقد الورقي هو الوسيلة الأسهل لإتمام الأنشطة غير الرسمية، وبالتالي فإن الحد من تداوله يساهم في تعزيز الشفافية وتقليص الاقتصاد الموازي.
وأكد أن القانون سيُطبق تدريجيا، بحيث يؤدي تراكم تقليص التعاملات النقدية إلى تحويل جزء كبير من السيولة إلى أرصدة إلكترونية وائتمانية، ما يعزز كفاءة النظام المالي ويخفض كلفة المعاملات، ويوفر أمانًا أكبر للتجار والمواطنين.
وأشار إلى أن أي جهة ترى نفسها متضررة يمكنها التقدم بطلب استثناء للجهات المختصة، مؤكدا أن القانون لم يأت لمعاقبة أحد، بل لتنظيم السوق وخلق آليات تقلص الاعتماد على النقد، بما يخدم المصلحة العامة.
وشدد، أن تقليص الاعتماد على "الكاش" وتحويل المدفوعات إلى النظام الإلكتروني سيعود بالفائدة على المدى المتوسط والبعيد للتجار، سواء من حيث خفض التكاليف، أو تحسين فرص الائتمان، أو دعم الاستقرار الاقتصادي، معتبرا أن معالجة تراكم النقد تمثل خطوة أساسية في إصلاح بنية الاقتصاد الفلسطيني.



