آراء

فماذا عنا!

114 مشاهدة قراءة 8 دقيقة

الكاتب : تحسين يقين


مفارقة مؤلمة: نحتفي بنتائج الانتخابات النصفية في الولايات المتحدة، بما تحمله من تحوّلات، في حين نواصل زيادة مناعتنا حتى لا تصلنا عدوى التحوّلات في بلادنا جميعا. نحتفي بما يمكن ان يفعله "الحليف الأمريكي" لدولة الاحتلال، في حين نزهد بفعلنا نحن.
وبالطبع فلسنا من أحدث التحوّل بل الناخب الأمريكي، بدافع ما يعانيه في بلده، وما يكرهه من فعل حكومته خارج الولايات المتحدة. وهكذا، فإن ممارسة الديمقراطية هي الضامن للتغيير في حياة الشعوب، وعلاقاتها.
سيتسارع التحوّل في الدولة الكبرى الآن، وغدا بعد عامين، في الانتخابات القادمة، في حين نزداد تحجرا، وهكذا أكون قد وصلت من خلال بضعة أسطر إلى مساءلة الذات الوطنية والقومية والإسلامية عما يمكننا نحن فعله، فلن يحكّ جلدنا غير أظفارنا؛ فإذا أزال الصديق بعض الشوك، فستبقى مهمة "تخليع" الشوك بأيدينا.
الاحتلال ليس قدرا، وكما كانت له بداية ملتبسة، فإن نهايته ستكون أكثر وضوحا؛ فليس من الممكن أن يتقبل العالم، الحليف وغيره، ما يفعله الاحتلال بخيام اللاجئين الجدد في غزة، ولا في مزارع القرويين في الضفة الغربية، ولكن مفتاح التحرك العالمي هو نحن، والأشقاء العرب المتعرضين أيضا للقتل والسلب.
نقوّي أنفسنا بأنفسنا، ما يجعل الدول الشقيقة والصديقة أكثر قوة في جعل الملف الفلسطيني قائما يحتاج للحلّ، بينما يصبح ضعف موقفنا ضعفا للدول التي تريد فعلا أن تساهم بالوصول الى حلّ لقضية فلسطين.
إعادة الاعتبار للذات، هو ما يجب فعلا أن نركّز عليه، خصوصا ونحن نعيش ما فعلته دولة الاحتلال من "تفريغ قضايا الحل الدائم والنهائي، والتي كان من الممكن من إحداث تقدّم محرز، بالرغم من سوء نوايا الاحتلال.
قضية فلسطين، فضية سياسية، لا قضية سكّان كما يظنّ كثيرون، ولو كانت كذلك، لما تحرك شعبنا بعد النكبة والنكسة، وكان "حط راسو بين هالروس وقال يا قطاع الروس".
نجح الاحتلال في بيع الوهم لكثيرين، من خلال لعبة الاحتلال غير المرئي منذ عام 1967؛ حيث شهدنا وشاهدنا حسب أعمارنا، كيف عمدت إسرائيل إلى الإيحاء دوما حياة "السكان الفلسطينيين" اليومية عادية حتى لا يشعروا بالاحتلال العسكري بشكل مباشر. تلك كانت سلطة الاحتلال "غير المرئي". وقد استأنفت ذلك بخبث خلال العقود الثلاثة من عمر اتفاق أوسلو. 
وهكذا قام الاحتلال بتفريغ القضية السياسة من مضمونها، حين حلّ من طرفه قضايا الحل الدائم والنهائي: القدس واللاجئين والمستوطنات والمياه والحدود. ولم يكتف الاحتلال ببناء جدار الضم والتوسّع، بل أدخل "فتيانه" لنجدهم يوميا يخربون ما استطاعوا مما بقي من حياة هنا.
كنا أطفالا حين أحضر المعلم "مفرغة الهواء"، وما زلت أذكر حين وضع داخلها شمعة مضيئة، وكيف انها انطفأت بعد تفريغ الهواء، بما فيه الأوكسجين. ولكن بالرغم من ذلك، فإنني كطفل تساءلت عن الهواء غير المرئي داخل مفرّغة الهواء وخارجها. وهذا ما يفعله الاحتلال.
ردّ فعلنا تجاه انتخابات دولة الاحتلال غريب، لقد ركزنا على 19 نائبا عربيا، ونسينا 101، فقائمتا الاحتلال يمينيتان، فحتى اليسار فيها ليس بعيدا عن جوهرهما، بمعنى أن أهل المستوطنة-دولة الاحتلال لم يتغيروا، بل هم ما بين يمين متطرّف ويمين أكثر تطرفا. يمكن فهم الاختلاف لكنه لا يقود لخلافا، كما يحدث لدينا.
أمريكيا، لقد تعبت الولايات المتحدة من تحمل عبء جرائم الحليف، وليس ذلك متوقفا على الحزب الديمقراطيّ، فحسب استطلاعات الرأي فإن مواقف الشباب الأمريكيين من كلا الحزبين سلبية تجاه دولة الاحتلال، ما يدفعنا لمحاولة الفهم العميق، لما يحدث هناك في الولايات المتحدة.
تظل حركة الشعوب هي من تحسم الكثير من الأزمات باتجاه السلام والعدالة، وما يأتيني من الغرب الأمريكي، نحن وآخرون ما يزيد من فعلنا، خصوصا أننا الشعب الذي يقاسي تحت الاحتلال، الذي تدعمه الولايات المتحدة، ولا نظن ان الشعب الأمريكي يقبل ما تفعله حكومته من دعم للاحتلال.
كان الشاعر راشد حسين عام 1958 ابن 22 عاما، حين كتب قصيته "الثوار ينشدون"، التي اشتهر مطلعها:
سنفهم الصخر إن لم يفهم البشر، إن الشعوب إذا هبّت ستنتصر .
لقد كتبها راشد حسين تضامنية مع اندلاع ثورة التحرير الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسي. وهي تعبر عن الإيمان المطلق بعدالة القضية وحتمية انتصار الشعوب مهما اشتدت بطش الآلة الاستعمارية وقوتها.
وقد سبقه الشاعر أحمد شوقي، حين استغرب هجوم فرنسا على دمشق، فذكرها بالثورة الفرنسية ضد الظلم والطغيان:
دم الثوار تعرفه فرنسا وتعرف أنه نور وحق
الى قوله الذي يحمل أيضا مفارقة أخلاقية، حين خاطب الفرنسيين:
وحررت الشعوب على قناها فكيف على قناها تسترقّ!
لا يكفي أن يتحرك العالم وحده، بل لا بدّ أن نتحرك نحن فنزيل الغبار والأتربة، ونفكّ التحجّر والتصحّر، من خلال إدارة بقائنا على أرضنا عبر اختيار ديمقراطي يحترم إرادة الشعب.
وعودا على بدء، لا بدّ من انسجام فلسطينيّ وعربيّ، بإنهاء أزماتنا بيننا وبين أنفسنا، بإحداث تحوّل تاريخيّ في علاقاتنا، لتلتقي إرادة شعوبنا بإرادة شعوب العالم المحبة للعدل والسلام، وقتها سيصير الاحتلال الى مصيره المحتوم.
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.