تل ابيب-واثق نيوز-كتب ألون بن دافيد في صحيفة "معاريف" العبرية مقالا جاء فيه :
في فبراير/شباط الماضي، خضنا الحرب بهدف إسقاط النظام الإيراني، وهذا الأسبوع أسقط نتنياهو الإدارة الجمهورية. وأوضح رئيس الشاباك عمليًا ما يعنيه استمرار سيطرة نتنياهو على أجهزة الاستخبارات وإنفاذ القانون.
أظهر هذا الأسبوع أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو نجح في أن يخلّف وراءه أرضًا محروقة حتى هناك، لدى أكبر حليف لنا. كانت إسرائيل حاضرة على أوراق الاقتراع في انتخابات التجديد النصفي، وصوّت الأميركيون ضدنا بأعداد كبيرة. وقد عبّر نائب الرئيس جي دي فانس عن ذلك بوضوح حين قال إن دعم إسرائيل أضرّ بالحزب الجمهوري.
السيد «في دوري آخر» أنزلنا إلى درجة أدنى. فبعد عقود حافظت فيها إسرائيل على مكانتها حليفًا مفضّلًا للولايات المتحدة يحظى بإجماع الحزبين، جعل نتنياهو دعمنا مرتبطًا بالحزب الجمهوري. وفي سنوات حكمه الأخيرة، حوّلنا في نظر الأميركيين عمومًا إلى علامة سامة يُستحسن الابتعاد عنها.
المشكلة التي تطرحها نتائج انتخابات الكونغرس على إسرائيل تتجاوز الجناح التقدمي في الحزب الديمقراطي. فهذا الجناح فقد موقعه كقوة ترجّح الكفة، في ظل السيطرة الديمقراطية الواسعة على مجلسَي الكونغرس. مشكلتنا أن الجمهوريين والديمقراطيين من التيار الرئيس في كلا الحزبين يدركون أن المزاج العام يدفعهم إلى الابتعاد عن إسرائيل. وهذا ينذر بتطورات سلبية كثيرة من جانب الولايات المتحدة، يصعب توقّعها كلها اليوم. وعلى إسرائيل أن تستعد للتعامل مع إدارة وكونغرس معاديين لها.
يُحسب لنتنياهو أنه توقّع ذلك، ويُؤخذ عليه أنه قادنا إليه وهو يدرك تمامًا ما يفعل. ولا أحد سواه، وربما بعض المقرّبين منه، يعرف طبيعة الصفقة التي عقدها مع الرئيس الأميركي، الذي أعلن يوم الثلاثاء الأخير وقف المساعدات العسكرية لإسرائيل اعتبارًا من العام المقبل. ومنذ ذلك الحين، لم نسمع من دونالد ترامب شيئًا عن الموضوع، والأكثر إثارة للقلق أننا لم نسمع أيضًا أي نفي من نتنياهو.
التخلي عن المساعدات الأميركية أمر مذهل وعصيّ على الفهم. فمن تولّى رئاسة الحكومة هنا على مدى عقدين يعرف جيدًا مدى اعتمادنا على المساعدات الأمنية وحاجتنا الاقتصادية إليها، والمكانة التي تمنحنا إياها لدى الصناعات الدفاعية الأميركية، والدور الحاسم للولايات المتحدة في حمايتنا من الصواريخ. ومع ذلك، قرّر فجأة، في خضمّ أصعب حرب في تاريخنا، أن يتخلى عن كل ذلك.
بدأ الأمر خلال زيارته في ديسمبر/كانون الأول 2025 إلى مقر ترامب في مارالاغو، حين كان يحاول الحصول على دعوة إلى حفل الرئيس ليلة رأس السنة. وقال نتنياهو لترامب في ذلك اللقاء إن إسرائيل تريد التخلص تدريجيًا من اعتمادها على المساعدات العسكرية الأميركية، واقترح خطة تمتد عشر سنوات تبدأ عند انتهاء اتفاق المساعدات الحالي، الساري حتى سبتمبر 2028.
تصرّف نتنياهو من تلقاء نفسه، من دون استشارة المؤسسة الأمنية ووزارة المالية أو إجراء أي دراسة تمهيدية معهما. وحين سمع المسؤولون في الجيش ووزارة الدفاع بالاقتراح، كادوا ينتفون شعرهم. فقد كانوا في خضمّ مفاوضات مع إدارة ترامب، وكانوا يقدّرون أن بوسعهم الحصول على عقد إضافي من المساعدات العسكرية السخية، بمستوى ما حصلنا عليه من الرئيس «المعادي» باراك أوباما على الأقل. ولم يفهم أحد لماذا بادر نتنياهو إلى التخلي عن مكسب بهذه الأهمية لأمن إسرائيل.
ثم جرّ نتنياهو ترامب إلى الحرب الثانية الفاشلة مع إيران، التي خلّفت هناك نظامًا أشدّ تطرفًا من سابقه، وقدرات نووية وصاروخية أُعيد بناؤها بسرعة. ومع ذلك، واصل نتنياهو الترويج لفكرة الاستغناء عن المساعدات الأميركية، مع علمه بأننا ما كنا لنجتاز هذه الحرب من دونها.
وجاء هذا الأسبوع تصريح ترامب بوقف المساعدات فور انتهاء العام، حتى لكأنك تسمع وقع عشرات الفكوك وهي تهوي إلى الأرض من شدة الذهول في وزارتي الدفاع والمالية وفي الجيش. ومع التحفّظ الذي تعلّمناه جميعًا بشأن تعامل ترامب مع الوقائع والتفاصيل، لا أحد يعرف إن كان ينوي تنفيذ تصريحه وإلغاء اتفاق المساعدات اعتبارًا من العام المقبل، مع أن الاتفاق منصوص عليه في القانون الأميركي حتى عام 2028.
الطرفان ضدنا ..
لا يتّسع المجال هنا لتفصيل كل التداعيات الخطيرة لوقف اتفاق المساعدات. والنتيجة المباشرة هي أننا جميعًا، دافعي الضرائب في إسرائيل، سنضطر إلى تمويل الـ12 مليار شيكل التي كنا نتلقّاها سنويًا بموجب الاتفاق. وسيتعمّق بذلك العجز الذي سيواصل أبناؤنا وأحفادنا دفع ثمنه.
وفي ضوء تركيبة الكونغرس الذي انتُخب هذا الأسبوع، قد يصل الأمر إلى فرض قيود على شراء التكنولوجيا الأميركية التي يعتمد عليها سلاح الجو الإسرائيلي، وهو ما قد يعني عمليًا خسارة إسرائيل تفوّقها النوعي في الشرق الأوسط. صحيح أنه يصعب تخيّل إسرائيل بلا مساعدات أميركية، فيما تتلقّى مصر 1.3 مليار دولار سنويًا من الولايات المتحدة، ويتلقّى الأردن 1.45 مليار دولار. لكن كل شيء بات واردًا في هذه المرحلة، وقد ينجح نتنياهو في تحقيق إحدى رؤاه على الأقل، وهي أن تصبح إسرائيل «إسبرطة عظمى».
ويرى البعض أن تصويت ملايين الأميركيين ضد إسرائيل يعكس دوافع مختلفة. فالجمهوريون صوّتوا ضد إسرائيل لأننا قدناهم إلى حرب فاشلة، والديمقراطيون صوّتوا ضدنا لأنهم يؤمنون فعلًا بأن إسرائيل ترتكب إبادة جماعية في غزة. وتهمة الإبادة الجماعية وصمة لا تزول من الغسلة الأولى. ويمكن لقيادة أخرى أن تصلح الانطباع الذي خلّفته الحرب الفاشلة، فيما يمكن البدء بمحو وصمة الإبادة الجماعية عبر إشراك العرب في الائتلاف الحكومي المقبل.
هذا الأسبوع، أخذ قادة معسكر التغيير فكرة عمّا ينتظرنا هنا إذا بقيت الحكومة. فقد أوضح رئيس الشاباك، دافيد زيني، سواء بسبب سوء الفهم أو الولاء الأعمى، أن مهمة الجهاز تحت قيادته هي ضمان بقاء نتنياهو في الحكم بدلًا من حماية أمن المواطنين الإسرائيليين. وبطريقة تعامله المرتبكة مع قضية «التأثير الأجنبي»، كشف أنه مستعد لتسخير أدوات الشاباك القاسية لخدمة العائلة المالكة.
ولعلّ زيني، بتصرّفه هذا تحديدًا، قدّم من حيث لا يقصد خدمة لمعسكر التغيير. فقد بيّن له ما يعنيه استمرار سيطرة نتنياهو على أجهزة الاستخبارات وإنفاذ القانون، ويمكن أن نأمل أن يكون قد دفع قادته إلى اتخاذ الخطوة المطلوبة والإسراع في تقديم حكومة جديدة.
أما بارقة الأمل هذا الأسبوع فكانت في أداء رئيس لجنة الانتخابات، القاضي نوعام سولبرغ، الذي ذكّرنا جميعًا بأنه «لا يزال هناك قضاة في القدس». فالقاضي الذي عُيّن بصفته «محافظًا» تصدّى، بمسؤولية وحزم، لكل محاولة للطعن في تصويت الناخبين، وأثبت أنه الأجدر بتولّي رئاسة المحكمة العليا .

