الكاتبة : سحر محمد أحمد
تخيل أن تفتح ثلاجتك في منتصف الليل؛ لا لتختار طعاماً يسد جوعك، بل لتبحث عن عدو يرتدي ثوب السعرات الحرارية ويتربص بصحتك وكيانك.
في الوقت الذي ينظر فيه الملايين حول العالم إلي مائدة الطعام على أنها مساحةً للدفء والترابط، يعيش آخرون كابوساً صامتاً؛ حيث تتحول كل لقمة إلي تذكرة لدخول محكمة تفتيش ذاتية قاسية، إنها ليست رغبة في الرشاقة ولا حمية غذائية لإنقاص الوزن؛ بل هي عاصفة نفسية وبيولوجية عاتية، تقتحم أرقى العقول، لتخلق معركة وهمية يكون الخاسر فيها الجسد والروح معاً.
من خريطة الوجع إلى التسمية والترميز العلمي:
فبعيداً عن الأحكام الشعبية السطحية التي تعتقد أن الأمر مجرد دلع أو إصرار مبالغ فيه على التخسيس، فإن الإرشاد النفسي يضع هذه المأساة في نصابها الحقيقي، فمن منظور طبي ونفسي، لا تعد هذه الحالة مجرد نزوة عابرة، بل هي حالة إكلينيكية واضحة تعرف بأسماء، مثل: فقدان الشهية العصبي (Anorexia Nervosa)، أو الشره المرضي (Bulimia Nervosa)، أو اضطراب نوبات الأكل المفرط. ويتم تشخيصها بدقة وفقاً للدليل التشخيصي العالمي للاضطرابات النفسية (DSM-5)، عندما يسيطر هوس الوزن وشكل الجسم على حياة الفرد، لدرجة تدمر صحته واستقراره، وهو مصنف في النظام الطبي العالمي (ICD-11)، تحت الرمز الاساس 6B80، وتفريعاته، ك 6B80.0 لفقدان الشهية العصبي، و 6B80.1 للشره المرضي، إنه اضطراب صريح له ملامحه ومعاييره، لا مجرد حالة مزاجية تمر وتهون ..
ونتساءل: من أين يولد هذا الخطر الصامت؟ فالسبب أعمق بكثير من مجرد صورة في المرآة أو رغبة في ارتداء ملابس ضيقة، إنها معادلة معقدة، تتشابك فيها خيوط بيولوجية تتمثل في اختلالات كيمياء الدماغ والوراثة مع عوامل نفسية، مثل: السعي المرضي نحو الكمال، وتقدير هش للذات، وحاجة ملحة للسيطرة على العالم الداخلي المبعثر من خلال التحكم في الجسد.
وفوق ذلك يأتي الضغط المجتمعي والثقافي الذي تفرضه منصات التواصل الاجتماعي اليوم لتصبح النحافة معياراً للقبول والنجاح، ويصبح الإنسان مجرد رقم على ميزان ...
ومن منظور تخصصي، فإننا ننظر إلى عمق هذا الوجع، منطلقين نحو رؤية مستقبلية لا ترتكز على انتظار وصول المصابين إلى حافة الهاوية الجسمية ثم محاولة إنقاذهم، بل إن الحل يكمن في بناء مناعة نفسية مبكرة ومجتمع يتقن لغة الاحتواء بدلاً من التنمر، ونطمح أن نتحول نحو نماذج علاجية متكاملة تدمج الطب النفسي، والإرشاد، والتغذية بروح إنسانية تؤمن أن الجسد ليس ساحة حرب ننتقم منها، بل كشريك يتألم، ...
علينا أن نحطم جدار الصمت والثقافة السطحية في مجتمعاتنا، لنعيد للإنسان قيمته المطلقة التي لا تقاس بالسعرات الحرارية، ولا بالأقطاب، والأنظمة. فالطعام في أصله وُجد ليدعم الحياة، لا ليكون المقبرة التي ندفن فيها أرواحنا بصمت، في النهاية يبدو أننا بحاجة لأن نسأل أنفسنا بصدق: كم مرة راقبنا ميزان أحدهم دون أن ندرك أننا نزن روحه؟ وكم مرة أطلقنا حكماً خفيفاً علي طبق أحدهم، بينما كان يقاتل معركة عمره بصمت مخيف؟ ...
ربما حان الوقت لنتوقف عن قياس حياة البشر بالسعرات الحرارية. ولنسأل أنفسنا: بأي وقاحة مجتمعية نجرؤ على مراقبة ما يأكله الآخرون؟ وبأي عمى فكري نحاكم الأشخاص بأرقام الموازين؟ فنحن لا نمارس تنمراً عابراً، بل نرتكب اغتيالاً بطيئاً لكيانات تقاتل ببساطة لتبقي حية. فهل علينا دفن هذه الأرواح، أم أنها تستحق أن تعيش بسلام؟ ...
*باحثة وطالبة دكتوراه الإرشاد التربوي والنفسي- جامعة القدس المفتوحة

