رئيس التحرير

في ذكرى "بلفور" المشؤوم .. الوعد يتجدد في غزة والضفة والقدس

10 مشاهدة قراءة 8 دقيقة

الكاتب : واصل الخطيب 

 رئيس التحرير

في نوفمبر 2025، تبنى مجلس الأمن الدولي مشروع قرار أمريكي يؤيد خطة الرئيس دونالد ترامب لقطاع غزة، متضمناً إنشاء "مجلس السلام"، وهو هيئة "حكم انتقالية" لغزة، على أن تستمر ولايته حتى نهاية عام 2027. هذا المجلس، الذي سيرأسه ترامب نظرياً، يمتلك صلاحيات تنفيذية واسعة تشمل إدارة الشؤون العامة، وتشكيل الحكومات، والإشراف على المنظومة القضائية، إلى جانب إنشاء "قوة استقرار دولية" تعمل بالتنسيق مع إسرائيل.

يرى محللون أن هذا المشروع ليس سوى محاولة لفرض وصاية دولية على غزة تحت غطاء "المهمة الإنسانية"، وهو ما وصفته الفصائل الفلسطينية بأنه "وصاية دولية" تهدف إلى تجريد الفلسطينيين من حقهم في إدارة شؤونهم. والأخطر من ذلك، أن هذا النموذج يعد نسخة حديثة من الانتداب البريطاني القديم؛ فكما منح وعد بلفور في 1917 وطناً قومياً لليهود في فلسطين دون الاعتراف بسيادة الفلسطينيين المقيمين هناك، تعيد بريطانيا اليوم تقديم نفسها كمعمارية لمستقبل الفلسطينيين عبر مفاهيم "مبادئ السلام" و"مجلس السلام" و"السلطة الانتقالية". وقد وصفت القيادة الفلسطينية والفصائل هذا المخطط بأنه "إعلان بلفور جديد"، مؤكداً رفض أي شكل من أشكال الوصاية الأجنبية تحت أي مسمى.

بالتوازي مع محاولات فرض الوصاية على غزة، جاء الاعتراف الأمريكي بالقدس عاصمة لإسرائيل ليكرس منطق وعد بلفور على الأرض. ففي عام 2017، وتنفيذاً لوعد قطعه خلال حملته الانتخابية، أعلن الرئيس ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأمريكية إليها. وقد رحب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو " المهزوم في النتخابات الأخيرة"، بهذا القرار واصفاً إياه بـ"التاريخي" و"الشجاع والعادل". ومنذ ذلك الحين، يفتخر نتنياهو بانتظام بأن ترامب فعل لإسرائيل ما لم يفعله أي رئيس أمريكي قبله، من الاعتراف بالقدس إلى السيادة على مرتفعات الجولان.

هذا الاعتراف لم يكن مجرد خطوة دبلوماسية، بل كان إعلاناً بأن القدس، بما فيها شرقها المحتل، هي العاصمة الأبدية وغير المقسمة لإسرائيل. وهذا يتناقض تماماً مع القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية التي تعتبر القدس الشرقية أرضاً محتلة، ويقوض أي أفق لإقامة دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية. وهكذا، فإن وعد ترامب لنتنياهو بشأن القدس هو استمرار مباشر لوعد بلفور: وعد يمنح الأرض والهوية لمن لا يملك، وينكر حق الفلسطينيين في وطنهم وعاصمتهم.

إن الربط بين وعد بلفور، والوصاية على غزة، والاعتراف بالقدس، يكشف عن حقيقة واحدة: النكبة الفلسطينية لم تتوقف عام 1948، بل هي عملية مستمرة تتخذ أشكالاً متجددة. فبعد أن تسبب وعد بلفور في تهجير ما يقارب 900  الف فلسطيني عام 1948، تتكرر المأساة اليوم في غزة. فقد أدت الحرب الإسرائيلية التي بدأت في أكتوبر 2023 إلى تهجير قسري لنحو 90% من سكان القطاع البالغ عددهم 2.4 مليون نسمة، بعضهم نزح عشر مرات أو أكثر. وتصف الأمم المتحدة ووكالة الغوث الدولية "الأونروا" هذه الأحداث بأنها "نكبة جديدة"، محذرة من أن عمليات التهجير القسري تهدف إلى إحداث تهجير دائم، مما يثير مخاوف جدية بشأن التطهير العرقي.

هذه الحرب ليست مجرد كارثة إنسانية، بل هي حلقة في سلسلة متصلة من التهجير القسري التي بدأت بوعد بلفور. ففي كل مرة، يتم استخدام الذرائع الأمنية أو السياسية لتفريغ الأرض من سكانها الأصليين، تماماً كما حدث في عام 1948. والآن، يأتي "مجلس السلام" ليُشرعن هذا الواقع الجديد تحت غطاء دولي، ويحول غزة إلى محمية تُدار من الخارج، بينما يستمر الفلسطينيون في النزوح والحرمان من أبسط حقوقهم.

يكمن الخطر الأكبر في أن إسرائيل لا تنظر إلى هذه الاتفاقات السياسية باعتبارها مجرد صفقات دبلوماسية، بل كتكريس لـ"وعد رباني" في توراتهم المحرفة، تعتبر بموجبه فلسطين "أرض الميعاد" التي وعد الله بها "شعبه المختار". هذا الاعتقاد الأسطوري، الذي يستند إلى نصوص دينية محرفة، هو الإطار الذي يمنح الشرعية الروحية لكل خطوة استعمارية على الأرض. فمن منح وعد بلفور في 1917، إلى الاعتراف بالقدس في 2017، إلى فرض الوصاية على غزة في 2025، يتم تقديم كل هذه الإجراءات على أنها تحقيق لوعد إلهي، مما يجعل أي مقاومة فلسطينية تُصوَّر على أنها حرب ضد "إرادة الله".

وهكذا، يتحول الصراع من صراع على الأرض والحقوق السياسية إلى صراع ديني وجودي، حيث لا مجال للتفاوض أو التسوية. وقد أشار الكاتب نواف الزرو إلى أن وعد بلفور استند إلى "الأساطير المزيفة التي تعتبر أن فلسطين هي أرض الميعاد لشعب الله المختار – اليهود، بناء على وعد إلهي". وهذا التكريس الديني هو ما يفسر العنف الممنهج ضد الفلسطينيين، والتوسع الاستيطاني المستمر، ورفض أي حل يقوم على العدالة والمساواة.

في ذكرى وعد بلفور، لا يحيي الفلسطينيون ذكرى مرور سنوات على مأساتهم، بل يحيون ذكرى جريمة مستمرة تتجدد أدواتها وأسماؤها. فمن "الانتداب البريطاني" إلى "مجلس السلام"، ومن "الوطن القومي لليهود" إلى "القدس عاصمة أبدية لإسرائيل"، يظل الجوهر واحداً وهو إنكار حق الشعب الفلسطيني في وطنه وسيادته. لذا فإن ما يحدث في غزة اليوم، من تهجير وتدمير ومحاولات فرض وصاية، هو الفصل الأخير من كتاب بدأ ببلفور، ويكتب الآن بدماء الأطفال وأنقاض المنازل. وإن أي حديث عن سلام حقيقي يجب أن يبدأ بالاعتراف الكامل بحقوق الشعب الفلسطيني، لا بتكريس وعد بلفور الجديد.