الكاتبة : زينة نظام نجيب
متى يتحول الأرق من عارض عابر إلى جرس إنذار يستدعي المساعدة؟
عزيزي القارئ
هل عانيت يوماً من صمت الليل الموحش، مترقباً مرور الساعات بانتظار نومٍ لا يأتي؟ إذا كنت كذلك فاعلم أنك لست وحدك، وأن الأمر لم يعد يتطلب منك المزيد من الصبر أو المقاومة، فالنوم ليس مجرد فترة للراحة من عناء وتعب النهار نغمض فيها أعيننا لنستيقظ على بداية يوم جديد، بل هو عملية بيولوجية وعصبية يتم خلالها ترميم خلايا الجسم، وتنظم ذاكرتة، وتوازن حالته النفسية والمزاجية. وعلى الرغم من هذه الأهمية للنوم، إلا أن الملايين من البشر حول العالم يجدون أنفسهم في صراع متكرر في الحصول على قسط كافٍ منه، متسائلين هل هذا أرق عابر وليلة ستنتهي، أم هو مشكلة عميقة تستدعي طلب المساعدة.
فالعلم الحديث لم يعد ينظر إلى الأرق كمجرد ليلة متعبة عابرة، بل كاضطراب حقيقي تتبلور صورته وفقاً للمعايير التشخيصية المعتمدة في الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية (DSM-5)، والتي تؤكد أنه الأكثر شيوعاً وتأثيراً على تفاصيل حياتنا اليومية. وتتحدد معالمه السريرية عند اجتماع مؤشرات رئيسة تبدأ بطبيعة الشكوى المتمثلة في صعوبة بدء النوم، أو الاستمرار فيه عبر الاستيقاظ المتكرر وعدم القدرة على العودة للنوم، أو الاستيقاظ المبكر جداً، على أن تتكرر هذه المشكلة لمدة لا تقل عن ثلاثة ليالٍ أسبوعياً وتستمر لفترة لا تقل عن ثلاثة أشهر، مسببةً في النهاية ضيقاً نفسياً ملموساً وتراجعاً واضحاً في أداء الشخص لوظائفه اليومية سواء في العمل، أو الدراسة، أو العلاقات الاجتماعية.
وعندما تدرك أن هذه العلامات أصبحت تؤثر بعمق على جودة حياتك وتستدعي تدخلاً خارجياً، قد تتساءل عن الخطوة التالية والوجهة الصحيحة؛ وهنا تتعدد المسارات الإرشادية التي يمكن الاعتماد عليها وفقاً لطبيعة المشكلة والإمكانيات المتاحة؛ إذ يعد المرشد أو الأخصائي النفسي خياراً أول ممتازاً للتركيز على الأساليب الإرشادية الفاعلة، وعلى رأسها الإرشاد المعرفي السلوكي المخصص للأرق (CBT-I)، وهو نهج يركز على تعديل الأفكار والسلوكات المرتبطة بالنوم دون الحاجة المباشرة للأدوية. وفي الوقت ذاته، يمكن اللجوء إلى عيادات الرعاية الصحية الأولية؛ حيث يساعد الطبيب العام في تقييم الجانب الجسمي واستبعاد أي أسباب عضوية، كالاضطرابات الهرمونية، أو المشكلات التنفسية. إن طلبك للمساعدة والتوجه لأهل الاختصاص ليس خطوة صعبة أو دليل ضعف، بل هو أول قرار شجاع تتخذه للعناية بنفسك؛ فالنوم الجيد ليس مجرد رفاهية، بل هو رأس مال صحتك وجسمك وعقلك. امسك بزمام المبادرة اليوم ولا تتردد، فحقك أن تستعيد هدوءك وسكينة ليلك لتستمتع بيومك من جدي
*باحثة وطالبة دكتوراه/ جامعة القدس المفتوحة

