الكاتب : تحسين يقين
سلّم جندي الاحتلال على زميله، متمنيا له ليلة سارة أو نهاية أسبوع سعيدة، وقد فعل ذلك بأريحية تامّة، كأن ما يفعله وجنود الاحتلال على حاجز عطارة شمال رام الله أمر عاديّ، كأي عمل.
هنا، نرى ما هو عجيب فعلا، ليس نحن فقط، بل أيّ أحد في العالم يمرّ هنا، أو يشاهد ما يتعرض له الشعب الفلسطيني من انتهاك لأبسط الحقوق، مثل التنقل على الطرق، ولكن يزول العجب حين رأينا كيف تمّ وما زال يتمّ استلاب أرواح البشر، كأنه أمر عاديّ كأي عمل، فأية جريمة يقترفها الاحتلال في حقنا بل وفي حقّ أبنائه حين جعلهم يزهدون من بالإنسانية، حين يتعلق الأمر بالشعب الفلسطيني.
حين اقتربنا من الحاجز، كان جنود الاحتلال يقفون مرة، ويدققون في بطاقات من يمرّون مرة أخرى، وأحيانا يفتّشون السيارات، ومن يرى يدرك بسهولة تامّة أنهم لا يقصدون كل ما يفعلونه، فلا يهم يبحثون ولا يفتّشون، إنهم فقط يلبون تعليمات بهدف قمع المارين، فأية عملية عبثية تجري على الحواجز؟ بل فأي سخرية تتجلى هنا في ظل استمرار الاحتلال!
هل يحمل رام إيمانويل، رئيس بلدية شيكاغو السابق ورئيس موظفي البيت الأبيض الأسبق، الذي يدرس خوض الانتخابات الرئاسية الأميركية عام 2028، إلى دولة الاحتلال رسالة صارمة من أن الدعم الأميركي غير المشروط لها يجب أن ينتهي، مطالبها بإجراء تغييرات جوهرية إذا أرادت الحفاظ على مستوى الدعم الأميركي التاريخي؟
بالرغم ما يمكن أن يثيره ايمانويل من تفكير حول مستقبل الصراع، إلا ان ذلك يحمل في طيّاته مفارقة، تتعلق بالولايات المتحدة نفسها؛ فهي التي تضيق بسياسة الاحتلال الإسرائيلي تمارس ما يشبهه من سياسة انتهاك وتدخل وسطو على الشعوب.
إذن لا تشكّل الولايات المتحدة قدوة حسنة أبدا لإسرائيل المحتلة، ولذلك لا نظنّ ان لا المحتل ولا حليفه يأخذانه على محمل الجدّ، بحيث يصعب ان نبني موقفا بالانطلاق من أمر ظنيّ غير جاد على المستوى القرب والمتوسط، إذ كيف سيحصل التحول المطلوب في الولايات المتحدة، في ظل مبالغة ساستها بتفضيل مصالحهم ومصالح حلفائهم من أصحاب المال على العقلانية وخلق فرص حقيقية للسلام.
لم يعد أحد يطيق الاحتلال ولا حليفته الولايات المتحدة، فلا هو "يخجل" من جرائمه، ولا الدولة الكبرى تمارس ما يتفق وصفتها كدولة كبيرة، بل كبرى.
من جهة أخرى، لم تعد الشعوب هنا ولا الحكومات تطيق جرائم الاحتلال، ولا سياسة الولايات المتحدة، التي بدلا من إيجاد حلول، فإنها تصبّ الزيت على النار. إذن ثمة تصرّف مطلوب من الدول الشقيقة بشكل خاص بالتضامن ومحاولة إظهار العين الحمراء للمحتل وحليفه؛ إذا بات سلوكهما معيبا، ومذلّا، بل فهو يربك الحكومات والنظم السياسية، ويخلق حالة من الاستياء الشعبيّ، ما سيصعب تحمّله، فللشعوب كرامتها، وهي تضنّ بها، وبالرغم ما بها من علل، إلا أنها تنتفض حينما يتعلّق الأمر بكرامتها، دون أن ننسى أو نتناسى قلق الشعوب العربية وغيرها تجاه شعبنا.
والمهم، بل والأهمّ، هو إعادة الاعتبار للعامل الوطني، فهل نحن نفعل ما يليق بما نعيشه، والذي يدفعنا وطنيا وأخلاقيا للارتقاء في الفعل؟
هناك ما لا نطيقه من إجراءات الاحتلال البغيضة، وهناك ما لا نطيقه من سلوك السياسة العربية والإسلامية والدولية، وبالطبع فنحن بما نشعر به من استياء، لا نستطيع التغيير البطيء فكيف إذا أردنا تسريع التغيير الذي ينسجم مع تخفيف وإزالة انتهاكات الاحتلال باتجاه إنهائه!
وهناك ما لا نطيقه من أفعال هنا، ولكننا مطالبون جميعا، حتى نبقى جميعا على الأرض، قبل أن يضمنا ويجمعنا النظام السياسيّ (العقد) بالفعل العاديّ لا الخارق، وهو فعل ما ينبغي فعله، وترك مالا ينبغي فعله، فلم يعد بمقدورنا ونحن نواصل العيش تحت الاحتلال أن يهددنا اليأس؛ لذلك مطلوب من كل فلسطيني ومن كل فلسطينية أن يبثا الأمل لدينا جميعا صغارا وكبارا، فبالأمل نقوى، أما ما من يبث عكسه، فليجد له عملا خارج نطاق العمل، وليعمل ما يريده دون أن يسطو على أحد؛ فالقانون هو الناظم لكل من يعمل في العمل الخاص والحكومي.
في الوقت الذي نحن مطالبون باستخلاص العبر شخصيا واجتماعيا، فإن استخلاص العبر على المستوى الوطني هو غاية النبل لأنه يعني تحمّل المسؤولية، التي تعني ثنائية الحق والواجب، فليس المطلوب إلا تطبيق ذلك، أي ضمان الحصول على الحقّ، وتقديم ما هو واجب، ولذلك فإن المسؤول مهما بلغ منصبه، إنما هو موظّف لدى الشعب.
نحن الشعب الفلسطيني الباقي على أرضه لا نريد من أحد شيئا لا القريب ولا البعيد، بل نريد من أنفسنا أن نكون مواطنين صالحين، يسلم المجتمع من أذى ألسنتنا وأيادينا، وبانتهاج العدالة الاجتماعية، سنستطيع لا الحياة فقط، بل إبداع الحياة، وإن شعبنا قادر فعلا على البقاء، ولسنا بحاجة لدليل، لأننا باقون هنا، بإرادتنا، وسيكون البقاء وقوقا على أرض صلبة إذا كان التضامن الوطني الإنساني أحد أهم وسائل عيشنا.
وحتى لا يبقى جنود الاحتلال على الحواجز، وحتى ننهي الاحتلال، مطلوب منا ما هو معرف فعله، فليس ذلك اكتشافا، وستكون وحدتنا الوطنية والاجتماعية والاقتصادية هي من يقوينا، وهي من يمنحنا القوة حين نتواجد في الأروقة السياسية. سنكون الكل الفلسطيني، ومهما كان العدو قويا، فإن تماسك الكل الفلسطيني الصلب سيعني الكثير، لأنه مفتاح النجاة، ولذلك يحرص الغزاة على إشاعة الفرقة، بل يحرص آخرون، على غض النظر عما لا يليق من أداء، ليأتي من ينصّب نفسه وصيّا علينا.
وحتى نمارس حقّ تقرير المصير، علينا تجنّب "المطبات"، وعدم الانشغال بما يبعدنا عن طريقنا، وهكذا فإن أهمية الإدارة والحكم الرشيد والشفافية هي أهمية قصوى، كونها أحد وسائل تحقيق الهدف الوطنيّ بالتحرر والاستقلال.

