الكاتب : عيسى قراقع
مجموعة قصصية غير تقليدية بعنوان رسائل الفر، للصديق الكاتب المؤرخ حسام أبو النصر، صادرة عن الرعاة للدراسات والنشر، وفيها نقرأ سيرة مدينة تكتب نفسها تحت الأنقاض، يمزج بين القصة والشهادة والرسالة والنص الشعري، أنها غزة بلد الكاتب، المقبرة الكبيرة التي يحاول الكاتب أن يجمع بقاياها من تحت الركام، خائفاً أن لا يجد جثة أبيه وجثث اصدقائه، وان لا يجد جثة غزة بعد هذا الجحيم الثقيل.
القوة الأساسية في هذه القصص ليست الحبكة وانما الذاكرة، فالكاتب وهو مؤرخ ينقل أدواته من كتابة التاريخ إلى كتابة الإنسان، فلا يكتفي بالتوثيق بل يحمل مشاعر الناس واصواتهم واسماءهم، لتتحول القصص إلى ذاكرة بديلة لمقاومة النسيان، ويصبح السرد فعلا أخلاقيا يحفظ ما تعجز الوثائق الرسمية عن حفظه، أنه يكتب لإعادة يده المبتورة، واشلائه وقلوب الناس المقهورة.
اختار حسام أبو النصر طائر الفر عنوانا لمجموعته كرمز لذلك الطائر الذي يحلق فوق الخراب، يرى ما لا يراه البشر المحاصرون، شاهدا على الموت والنجاة، كائن الحرية الذي يعيش في فضاء الاحتلال، هذا الطائر يحمل الرسائل بين الأحياء والشهداء، وبين الماضي والحاضر، وبين الأرض والسماء.
طائر الفر هو النقيض للطائرة الحربية، كلاهما يطير في السماء، لكن أحدهما يحمل الحياة والرسائل والآخر يحمل الموت والقنابل، ومع هذا الطائر الرمزي اوصل حسام رسائله إلى ابنته نور في غزة، والى ذكرياته واحبائه، وموطن طفولته ودراسته وأحلامه، لأن هذا الطائر لم يفر ويترك غزة، ظل يحلق بين غارة وغارة، وبين مجزرة إلى مجزرة.
طائر بلا عش يحلق فوق مدينة فقدت بيوتها، دماء وقتل جماعي، الموت يزاحم الموت، نزوح وبؤس، حرب عالمية على الأطفال والنساء والتاريخ، لا يجد الطائر مكانا يهبط فيه، لا بحر ولا شجرة، لا ماء ولا خبز، أنه يطير ويطير، لتتحول غزة من جغرافيا إلى ذاكرة مهاجرة، لذلك تبدو قصص حسام ابو النصر كأنها محاولة لإنقاذ ما تبقى من التاريخ قبل أن تحرقه هذه الحرب اللعينة، وليتحول الادب إلى ارشيف للمشاعر والأماكن والذكريات الحميمة، والى سؤال سياسي يهز أقنعة الجالسين على مقاعدهم الوثيرة.
طائر الفر يقرأ رسائل حسام أبو النصر وايقاعاته الحزينة، عن بلد أطبق عليه الصمت والخذلان والصواريخ والتدمير في أكبر إبادة وحشية في العصر الحديث، وفي الرسائل المكتوبة بالدم والفقدان يسأل حسام: لم تعد الآلام تفزعنا، ولا صور الجماجم توجعنا؟ غزة تموت أمامنا وبين أيدينا، نكبة فوق نكبة تمتد من جباليا حتى مخيم جنين، آلة ممنهجة لسحقنا من الوجود وحقنا في تقرير المصير وهويتنا الجامعة.
طائر الفر أوصل الرسائل الى الأمم المتحدة، والى المحكمة الجنائية، إلى كل ضمائر العالم، لم يتحرك أحد لوقف المقتلة المستمرة، ولم يستعد حسام أبو النصر خطواته وانسانيته المفقودة، ولا قهوته وهو يقرأ رسائل الفر المحترقة.
طائر الفر يصل إلى كل مكان يحمل غزة المذبوحة على جناحيه، وهناك في كل محافل العالم ومؤسسات العدالة الكونية يقرأ رسائل حسام أبو النصر عن قتل استاذه في القانون الدولي الدكتور محمد أبو عمارة، ومقتل المئات من العلماء والأكاديميين ونسف الجامعات والمدارس واختفاء اصدقائه الطلبة، اندثرت شرائع أفلاطون ومواثيق حقوق الإنسان وحلت شريعة هولاكو، أحرقت الكتب والمكتبات ودمرت المواقع الأثرية، واختفت الروائية ابتسام خالد والفنانة محاسن الخطيب، مات الشاعر سليم النفار والعشرات من الأدباء والفنانين والموسيقيين، وما زالت القديسة هيلانة تبحث عن الصليب في غزة، مات صديقه عائد ابو جياب وبائع الكنتين في المدرسة، مات العالم، ولا زال حسام ينبش الجثث في هذا الفراغ السياسي والأخلاقي، ويبحث عن كلمات تنقذه من العدم، الكتابة فعل بقاء، وقد تصبح وطنا مؤقتا حين تضيق الجغرافيا ويقتل الشاعر والقصيدة، المغني والأغنية، المؤرخ والوثيقة.
رسائل الفر شكل جديد في تاريخ ادب الرسائل، رسائل بين الأرواح، ليست خطابا بين شخصين، إنما خطابا بين الإنسان وتاريخه، بين الضحية والعالم، رسائل تبحث عن شاهد ولا تنتظر ردا بقدر ما تصر على أن يبقى الصوت حيا.
طائر الفر يقرأ رسائل حسام أبو النصر إلى المثقفين والكتاب، يسألهم اين رواياتكم عن البحث عن الجثث المتحللة والكلاب الضالة التي تنهش الأجساد؟ اكتبوا عن التجويع والتشريد والطوابير والخيام والقبور المتناثرة، اكتبوا عن الاسرى المختفين في المعسكرات وتحت التراب، اكتبوا عن هذه البشاعة التي تستهدف جمال غزة وحضارتها، ماضيها وحاضرها ومستقبلها، ابحثوا عن قصة الحب المستحيلة بين علي وعبلة في حي الرمال.
حسام أبو النصر تصله رسائل الفر من غزة إلى رام الله، لا بيت ولا عائلة، الآلاف مسحوا من السجل المدني، الرسائل مفجعة، دمرت المواقع الأثرية والمخطوطات والارشيفات، الأضرحة والكنائس والجوامع والمتاحف، حيث كان هناك يكتب ويسجل تحت صفيح الزينكو في المخيم، ويرسم شمسا وصلاة وفجرا للحرية.
قل لهم يا طائر الفر: غزة هي الحقيقة المطلقة، اما أن تنقذوا الحقيقة، وأما ستموت مع غزة.
رسائل الفر مواجهة بين الذاكرة والمحو، لغة تتجنب الخطابة المباشرة، وتعتمد على التفاصيل الصغيرة، فتتحول هذه التفاصيل إلى رموز لفقدان عالم كامل، وبهذا تصبح غزة في قصصه شخصية حية تبكي وتتذكر وتقاوم.
قل لهم يا طائر الفر: الدم هو المقدس، حين سقط المسجد صليت في الكنيسة، وحين سقطت الكنيسة صليت في المقبرة، فلا موت بعد الموت.
يا طائر الفر: خذني فوق الدخان وفوق البحر،
علق جناحك في سماء غزة،
وازرع على أبوابها قمرا اخضر،
رفرف فوق الحكاية واحمل رسائلنا إلى الغد،
كل حر لا ينسى أرضه،
يعود يوما مهما طال السفر.

