الكاتب:عيسى قراقع
في مشهد يتكرر يوميا في الضفة الغربية يقتحم المستوطنون القرى
الفلسطينية، يعتدون على الفلاحين، يعربدون ويحرقون ويقتلون، ويخطفون مواشيهم كما حدث مع تلك النعجة من قرية المغير قضاء رام الله التي اعتقلت خلال عقد المؤتمر الثامن لحركة فتح، وبوجود آلاف الشخصيات الوطنية، لم يسمع أحد ثغاء واسغاثة النعجة، الجميع مشغول بالانتخابات والتنافس وتسويق الذات، كنت اتوقع أن يتخذ المؤتمر قرارا عاجلا لتحرير النعجة والتضامن مع الفلاحين الفقراء، وان يدرك الجميع أن السياسة تبدأ من هناك: إنقاذ الأرض والتصدي لعصابات المستوطنين التي تسرق الجغرافيا من تحتنا وتترك لنا فراغا قاسيا لا يتسع للكلام.
في قرية المغير والكثير من القرى الفلسطينية لم تُخطف نعجة فقط، بل اختُطف معنى الأمان نفسه، اصبحنا ندور في مجال جغرافي مغلق تماما، وإرهاب المستوطنين أصبح ممارسة روتينية، ويتخذ شكلا منظما ومدعوما من قبل الحكومة الاسرائيلية بالموارد المالية والتسليحية، وبدعم ما يسمى المزارع الرعوية والكرافانية والبؤر الاستيطانية.
النعجة التي اقتادها المستوطنون المسلحون ليست حادثة هامشية في دفتر الأخبار، وليست تفصيلاً رعوياً صغيراً في جغرافيا الصراع، بل صورة مكثفة عن استعمار يريد أن يسرق حتى صوت الجرس المعلق في رقبة الحيوان، وحتى ظل الراعي على التلة، وحتى الطمأنينة القديمة التي كانت تسكن الحقول.
لم تكن النعجة تمشي إلى الحقل فقط، كانت تحمل على ظهرها بساطة الحياة الاولى: قليل من الحليب، قليل من الصوف، لعائلة تعيش على حافة الخوف، وترى في الأرض عنوان الحقيقة، الفضاء الذي يحتفل فيه الإنسان بزفاف العشب والاغاني إلى أعالي السماء.
النعجة الفلسطينية وهي تسحب من البرية، بدت كأنها الوطن نفسه، وطن ابيض القلب يركض خلف الرعاة، وحين يصبح الاحتلال قادرا على سرقة التفاصيل الصغيرة، يصبح قادرا على سرقة الوعي والإدراك بمعنى الحرية والتحرر، والاحساس بأن هناك من يأخذنا إلى جهات مجهولة.
يا سادة السياسة، ايها الممتلئون بالخطب والشعارات، ماذا يعني الوطن إذا كان عاجزا عن حماية نعجة ترعى في سفحة؟ الوطن ليس نشيدا ولا مؤتمرات، ولا صورا على الاعلام، الوطن قدرة الإنسان أن ينام دون أن يخاف على قطيعه، أن يعود الطفل من المرعى دون أن يرى بندقية تسرق منه براءة الحقول، من لا يحرر نعجة من يد مستوطن كيف سيحرر وطنا مصلوبا على الحواجز؟ ومن يعجز عن استعادة كائن صغير يرتجف في العراء، كيف سيعيد شعبا كاملا تائها بين السجون والمنافي؟
يا سادة التنظيمات والبيانات الطويلة، الحرية لا تبدأ من الميكروفونات، بل حين يعود الراعي إلى بيته دون أن أن يعد خسائره كل مساء، أشجار تقطع، أرض تجرف، شهداء وجرحى، طيور تهرب، وذاكرة تطمس تحت جنازير الدبابات، غيوم سوداء مدججة بالكراهية وقنابل الغاز والرصاص، فمن يعيد تلك النعجة إلى راعيها العجوز الذي يعرف اسماء الخراف كما يعرف اسماء ابنائه الشهداء؟
أن النعجة الفلسطينية اليوم تشبه الخروف الضائع في الانجيل، لكن الفارق المؤلم أن العالم يرى الضياع ولا يتحرك، هنا تتجلى المأساة الأخلاقية: ماذا يعني أن تترك الخراف للذئاب بينما يتحدث العالم عن العدالة والسلام، وكيف اعتنق الغرب الايمان بالمسيح الراعي الصالح، بينما يترك الرعاة الحقيقيون في جبال فلسطين بلا حماية؟
الراعي الفلسطيني يحمل عصاه كما لو انها امتداد لذاكرة كنعانية قديمة، لهذا فإن الاعتداء على القطيع يشبه الاعتداء على سردية البقاء نفسها، اعتداء على رمزية الحياة الريفية المقدسة، ومحاولة تحويل الفلسطيني من صاحب ارض إلى إنسان مقطوع الجذور.
حين تُعتقل نعجة، يصبح السؤال الوجودي أكثر قسوة من السياسة نفسها:
من لا يحرر نعجة، هل يستطيع أن يحرر وطناً؟
ومن يعجز عن حماية قطيعٍ أعزل، كيف سيتحدث عن تحرير الأسرى، وعن السيادة، وعن الكرامة الوطنية؟
المستوطن الذي يسرق نعجة تحت حماية الجيش الإسرائيلي لا يفعل ذلك بدافع الحاجة، بل بدافع القوة الابادية والوحشية،
إنه يقول للفلسطيني: حتى رزقك البسيط ليس لك، حتى الحيوان الذي يعرف طريق الحقل أكثر مما يعرف طريق السياسة، يمكن أن يصبح أسيراً، وهنا تتحول النعجة الى
استعارة كبرى عن فلسطين نفسها: كائن وديع، محاصر، يُساق بالقوة، فيما العالم يشاهد بصمت بارد.
في المنهجية الاستعمارية تبدأ الهيمنة حين يصبح المعتدي قادراً على تحويل الجريمة إلى مشهد اعتيادي:
أن تُسرق أرض، ثم شجرة، ثم خيمة، ثم نعجة، ثم إنسان، ويصبح كل ذلك خبراً عابراً لا يوقظ الضمير الدولي، فهذه ليست مجرد اعتداءات متفرقة، بل نظام كامل لإنتاج الخوف والإذلال اليومي.
أي عدالة دولية هذه التي ترى مستوطنين مدججين بالسلاح يهاجمون الرعاة والمزارعين والقرى، ثم تكتفي ببيانات القلق؟
أي قانون دولي يسمح بأن يصبح الراعي الفلسطيني مطارَداً في أرضه، بينما يتحول المستوطن إلى قاضٍ وجلاد وحارس حدود في الوقت نفسه؟
وهل بقي معنى للشرعية الدولية إذا كانت عاجزة عن إعادة نعجة مسروقة، قبل أن تتحدث عن إعادة وطن مسروق؟
النعجة هنا ليست حيواناً فقط، بل اختبار أخلاقي:
اختبار للسياسيين الذين ترتفع خطاباتهم مثل الأبراج، لكنها تتعثر أمام دمعة راعٍ خسر قطيعه،
اختبار للفصائل التي تتقن لغة الشعارات، لكنها لا تسمع صوت القرى البعيدة وهي تستغيث،
واختبار للعالم الذي يكتب كثيراً عن حقوق الإنسان، لكنه يصمت حين يكون الإنسان فلسطينياً.
في التاريخ الاستعماري، كان الاستيلاء على المواشي دائماً جزءاً من إخضاع الشعوب.
سرقة القطيع ليست فعلاً اقتصادياً فقط، بل إعلان سيطرة على الحياة اليومية،
فالذي يملك الأرض والقطيع والماء، يملك قدرة تشكيل مستقبل الناس وخوفهم وجوعهم،
لكن المأساة الأعمق أن الفلسطيني بات مطالباً بالدفاع عن بديهيات الوجود:
أن يثبت حقه في شجرة، وفي بئر، وفي بيت، وفي نعجة.
وكأن الاحتلال لا يريد سرقة الأرض فقط، بل يريد أيضاً تحطيم المعنى الداخلي للانتماء، حتى يشعر الإنسان أن كل ما يملكه قابل للمصادرة،
وفي ظل ذلك، يصبح السؤال موجهاً إلى الجميع:
إلى السياسيين، ماذا فعلتم كي لا تتحول القرى إلى فرائس يومية؟
إلى المؤسسات الدولية، هل تحتاج النعجة إلى قرار من مجلس الأمن كي تعود؟
إلى أصحاب الشعارات الكبرى، هل الحرية مفهوم نظري أم حماية فعلية للناس البسطاء؟
وإلى العالم كله: إذا كان عاجزاً عن إنقاذ نعجة من يد مستوطن، فكيف سيدّعي يوماً أنه قادر على حماية شعب كامل؟
في المغير لم تُعتقل نعجة فقط، بل اعتُقلت فكرة العدالة نفسها،
وحين يصبح تحرير النعجة حلماً مؤجلاً، يفهم الفلسطيني أن معركته ليست على الحدود وحدها، بل على معنى الإنسان، ومعنى الوطن، ومعنى أن يبقى حياً فوق أرضه دون أن يُسرق حتى صوته الأخير.



