الكاتب : تحسين يقين
ما الوطن وما المكان والزمان غير البشر في التجمعات منذ بدايات الحضارات، فما بالك بوجود شعب عريق التمدّن، يملك كيانية لها خصوصية، لها امتداد عربيّ قوميّ، ترسّخ وجوده عالميا؟
عشرة من كل عشرة فلسطينيين وفلسطينيات، يكون أجمل ما يكون حديثهم واهتمامهم، في حياتهم اليومية، هو الثقافة والتعليم والتراث والأدب والتعليم والسياسة، والزراعة والصناعة والتجارة؛ فبالرغم من هموم تدبير الحياة اليومية، وتحديات تأمين متطلبات العيش، فإنه ينسجم في الفلسطيني اليوم ما هو شخصي بما هو وطني ووجوديّ أيضا؛ فمن خلال بحث ممكنات العيش وبدائل الوسائل والأدوات، وما إن يصل الفلسطيني المثقل الى آخر فكرة متطرفة في السفر والتنقل خارج الوطن بحثا عن فرص عمل، حتى تجده يختار الواقع، لأنه يدرك تماما معنى العيش بكرامة، ولن يكون الخلاص إلا هنا، فأمامه وأمامنا مصير من سافر طلبا للكلأ والماء، فلم يهنأ بهما، فعاوده حنينه "لأول منزل"، حتى لو كان قليل الكلأ والماء.
ازداد الوعي الشعبي الفلسطيني على أهمية العيش في الوطن، بالرغم من الحاجة، لذلك، فإن الفطرة الشعبية تتجه بالمودة والاحترام لكل من هو قدوة في البقاء هنا. وهكذا فمن يختار ليكون نورا لشعبه، فإن عليه امتلاك النور.
مضى علينا، في آخر قرن، وعلى خمسة أجيال تقريبا، بنى سياسية حاكمة، بما فيها الحكم العسكري الإنجليزي والصهيوني، ذهب منها ما ذهب، وسيذهب ما تبقى، لكن شعبنا من آباء وأحفاد بقي ويبقى، لأنه هو الأساس، وهو نفسه الباقي وهو من يمثّل نفسه وطموحاته، وبالرغم من أهمية القيادات الوطنية، والسياسية، إلا أن الأهمية الحقيقية هي التي تتجلى في تقوية بقائنا على أرضنا.
بعد عام 1967، واصل شعبنا حياته، كشعب تحت الاحتلال، ولعلنا ومن سبقنا وتبعنا، قد شهدنا وكنا شهودا كيف عشنا. كنا قريبي الدخل تقريبا في المدن والقرى، ولكل منا ما خبره من حياة اجتماعية واقتصادية؛ فمثلا حينما كنا أطفالا أدركنا أن الفقير هو من لا يثملك الطحين ومخلل الزيتون الذي كنا نطلق عليه "الرصيص"، في جنوب البلاد و"الرصيع" في شمالها، لنكبر بعدها فنسمع المثل الشعبيّ العبقريّ: "الطحين والزيت سبعين في البيت"، بما فيه من مشابهة جميلة جدا، ترى أن ضمان وجود الطحين والزيت في أي بيت يحمي أهله من الحاجة. ويمكن تذكّر أصناف كثيرة كانت المرأة الفلسطينية تبدع في صنعها لأفراد الأسرة، الذين واللواتي رنموا أصحاء النفس والجسد، وأقوياء البنية، فتكاد أصناف الطعام لا تنتهي، ما دفع الشاعر محمود درويش وصحبه حينما صاغوا "إعلان الاستقلال الفلسطيني" بإيراد خاص لدور المرأة، بوصفها "حارسة نارنا"؛ فثمة معنيان واقعي ووجودي تقاطعا هنا، قدم الأول للثاني وقواه، فاستمرار النار في الموقدة كان يكون لقضاء حوائج الأسرة جميعها، وبها بقينا واستمرّ وجودنا، لذلك أدرك الغزاة أن الطريق لتشتيت الفلسطيني هي في تغيير بنيته النفسية والاجتماعية والاقتصادية، وبالرغم من التحولات جميعها التي حدثت بشكل خاص بعد هزيمة عام 1967، فقد ظل الفلسطيني مرتبطا بمكانه.
ظنّ الاحتلال بعد عشرين عاما، أنه تيسرت له حكم الفلسطينيين، ليفاجئ شعبنا الاحتلال والعالم في الانتفاضة الأولى الرافضة للاحتلال. وكان ما كان بعدها، من إفشال شعبنا ما تمت هندسته له، وهو الذي دخل (أو تم إدخاله) تحولات العقود الثلاثة الأخيرة. ولن يكون السبب صعبا، ذلك أن شعبنا عاش ما عاشه من قبل معتمدا على نفسه؛ فقد كان الموظفون الحكوميون قليلي العدد، ونشهد أنه بالرغم من وجود نسبة من العمال داخل فلسطين عام 1948، فقد استمر اهتمام سكان القرى، وهم من كان يشكل النسبة الكبرى بالأرض الزراعية، وهم في كل فترة يبتعدون عنها يجدونها تجذبهم بخيراتها، لأنها من أهم مظاهر تأمين حياتهم، كون طموحاتهم تتعلق بالبقاء، بما يعني تأمين الحدّ الأدنى من الحاجات، شرط تأمين تعليم أطفالهم.
واليوم، يستطيع أبناء شعبنا، خصوصا من يملكون قطع الأراضي القيام بتعميرها وتهيئتها للزراعة، وزيادة الزراعة الحيوانية، والتي يمكن أن يبنى عليها اقتصاد بسيط، لكنه يضمن لنا البقاء بكرامة، فالمطلوب اقتصاد البقاء.
سينجح ذلك في إعادة النظر بأولياتنا، فمن خلال ما يحصل عليه الموظفون من أجزاء من الراتب، يمكن لهم من خلال تأمين دخل بسيط، وتأمين بعض الأغذية، تأمين جزء هام من حاجات البيت. ولا أحد يمنع من وجود تعاونيات في القرى تقوي عيش القرويين وبقائهم في قراهم.
إن خلق حالة من التكامل ما بين الفرى والمدن، لا حالة التنافس والاكتظاظ، سيحسّ مستويات عيش السكان حسب مكان إقامتهم؛ فكل وما يتيحه المكان من ممكنات، فالأراضي الرعوية الواسعة في جنوب جبال الضفة عبر سفوحها الشرقية والغربية تشكل مجالا لطعام مجانيّ لجزء من العام يمتد على معظم شهوره، بل يمكن تخزينه.
ويمكن تطوير الزراعة النباتية والحيوانية من خلال الاستعانة بما نحتاجه من وسائل حديثه، ما تتدفع الوفرة في الإنتاج الى تفعيل عمل المصانع الصغيرة، والتي يمكن أن تنشط التجارة الداخلية والخارجية.
ينسجم مع هذا العمل الشعبي إبداع علميّ وثقافي يعبر عنه ويوجهه، ما يعني ضمان وجود ثقافية وطنية إنسانية تنتصر للإنسان، وفن رفيع ينطلق من الوطن، لا الفن الذي يلهث مقلدا ما لا نعيشه ولا يعبّر عنه. وجزء منا لربما يتذكّر تمويل قطاعات ثقافية لحرف مسار الاهتمام بالهوية والخصوصية، لغايات تذويب شعبنا، وجعله عملا في ورش الاحتلال ومستوطناته. وهنا لدينا الآن وغدا مجال لإعادة الاعتبار للإنسان الفلسطيني وأرضه المتنوعة المحاصيل تبعا لتغيّر مناخات البلاد.
يمكننا متابعة تصريحات القادة الجدد، ومتابعة التصريحات الحكومية، وعما قليل برامج المرشحين في الانتخابات القادمة، لمعرفة إلى أيّ حد نتمتع حكاما ومحكومين بحسّ الوعي والمسؤولية.
إن هذا الطريق البسيط غير المكلف، والذي يحتاج لتمويل عاديّ، يمكنه أن يحقق أهدافا نبيلة على رأسها البقاء في سياق التحرر. وحتى نكون موضوعيين لا بدّ لنا من مراجعة أداء الحكومات المتعاقبة، من منظور تقوية هذا البقاء النبيل والمدهش حقا، بالرغم من عقبات الاحتلال وعقوباته.



