الكاتب: د.محمد جبريني
آخر انتخابات خضتها قبل اعتقالي كانت انتخابات مجلس طلبة جامعة بيرزيت عام 1986، ضمن كتلة الوحدة الوطنية، برفقة الأخ مروان البرغوثي ونخبة من الأخوة والرفاق. يومها انتُخب الأخ مروان رئيسًا للمجلس، وانتُخبت أمينًا للسر وسكرتيرًا للجنة الثقافية، وبعد إبعاده تولّيت مهام رئاسة المجلس إلى أن اعتُقلت عام 1987، وحُكمت بالسجن 18 عامًا.
في سجن نابلس القديم ثم سجن جنيد، وعلى امتداد سنوات الاعتقال، كنت أُنتخب في اللجنة المركزية للمعتقل وأُكلّف موجّهًا أمنيًا، إلى جانب كوكبة من الإخوة المناضلين، منهم الأخ قدورة فارس (الموجه العام وممثل المعتقل)، والأخوة عثمان مصلح “أبو الناجي”، ومحمد الطوس “أبو شادي”، وجميل المطور، وشكري سلمة، وفاروق الديك، وغيرهم من القامات الوطنية التي نفتخر بها.
بعد التحرر من الأسر عام 1994، وبينما كنا لا نزال في الحافلة التي أقلّتنا من سجن جنيد إلى أريحا المحررة، علمنا أن الرئيس الخالد ياسر عرفات قرر تفريغنا للعمل في الأجهزة الأمنية. فتوزّع المحررون بين جهاز الأمن الوقائي بقيادة الأخ جبريل الرجوب، وجهاز المخابرات العامة بقيادة الأخ توفيق الطيراوي. وقد حاولت، دون جدوى، التوجّه للعمل المدني بعيدًا عن المجال الأمني.
ومنذ ذلك الوقت، انغمست في العمل المهني داخل جهاز الأمن الوقائي ثم وزارة الداخلية لمدة 32 عامًا متواصلة، دون انقطاع، ولم تكن لي خلال تلك السنوات أنشطة تنظيمية مباشرة، باستثناء المشاركة في المناسبات الوطنية والحركية العامة، والالتزام الدائم بعضويتي واشتراكاتها.
وخلال السنوات الماضية حاولت أكثر من مرة التقاعد المبكر، رغبةً في التفرغ للعمل الوطني والتنظيمي والفكري والأكاديمي والتطوعي، وإفساح المجال أمام الأجيال الجديدة، لكن ذلك لم يتحقق إلا مع بلوغي سن الستين وتقاعدي النظامي، بالتزامن مع انعقاد المؤتمر الثامن، الذي كان أول مؤتمر أشارك فيه، وربما الأخير، في ظل الفجوات الزمنية الطويلة بين المؤتمرات.
لقد شجّعني على الترشح للمجلس الثوري كأعلى سلطة تشريعية ورقابية في الحركة تعنى بالفكر والسياسات والتخطيط الاستراتيجي واستشراف المستقبل، تراكم تجربة متعددة الجوانب في العمل الطلابي والاعتقالي والأمني والإداري ومجمل أعمال الدولة متعددة القطاعات، إلى جانب تجربة عميقة مع المؤسسات غير الحكومية والأهلية والشركاء الدوليين، إضافة إلى مساهماتي الفكرية والأكاديمية من كتب منشورة، وعشرات المقالات وأوراق السياسات وتقدير الموقف، والمحاضرات والإشراف الأكاديمي ومناقشة رسائل الماجستير.
كما استندت إلى علاقات إنسانية وشخصية واسعة داخل الحركة، بين الكوادر الأمنية والمتقاعدين، والشبيبة، والمرأة، والأسرى القدامى، والأصدقاء الذين شجّعوني على خوض التجربة.
وفي المقابل، لم ألجأ إلى تحالفات أو “كولسات” قد تمسّ حريتي واستقلاليتي، مع كامل الاحترام والتقدير لقيادات الحركة ومنظومات عملها وشبكات علاقاتها.
في المحصلة، حصلت على 422 صوتًا أعتز بها كثيرًا، من أخوات وأخوة وأصدقاء آمنوا بتجربتي ونزاهتي ومنحوني ثقتهم عن قناعة. وهي ثقة أقدّرها عاليًا، لأن أصحابها تعاملوا معي بوزن التجربة والموقف، لا باعتباري مجرد رقم انتخابي قابل للمقايضة.
كانت تجربة مهمة وعميقة، تعرّفت خلالها على “فتح 2026”، فتح التي تغيّرت فيها الأدوات والأجيال وأنماط التأثير، بينما بقي التحدي الوطني الفلسطيني هو ذاته.
أخيرًا…
لست نادمًا على الترشح أو المشاركة، وقد تقبّلت النتيجة بكل رضا واحترام . وسأبقى ابنًا مخلصًا لحركة فتح ما دمت أتنفس، لأنها ستبقى بالنسبة لي عمود خيمة المشروع الوطني الفلسطيني نحو الحرية والاستقلال والعودة.



